وهل يجب عليه التسوية بين سائر أقاربه وإعطاؤهم على قدر إرثهم أو لا؟

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > وهل يجب عليه التسوية بين سائر أقاربه وإعطاؤهم على قدر إرثهم أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

وهل يجب عليه التسوية بين سائر أقاربه وإعطاؤهم على قدر إرثهم أو لا؟ - الأقوال والأدلة

وهل يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أقارِبِه وإعطاؤُهم على قَدرِ إرثِهم أو لا؟

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أَقاربِه ولا إِعطاؤُهم على قَدرِ مَواريثِهم، سَواءٌ كانوا من جِهةٍ واحِدةٍ كإِخوةٍ وأَخواتٍ وأَعمامٍ وبَني عَمٍّ، أو من جِهاتٍ كبَناتٍ وأخَواتٍ وغيرِهم.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّها عَطيةٌ لغيرِ الأَولادِ في صِحتِه فلم تَجبْ عليه التَّسويةُ، كما لو كانوا غيرَ وارِثينَ، ولأنَّ الأصلَ إِباحةُ تَصرُّفِ الإِنسانِ في مالِه كيف شاءَ، وإنَّما وجَبَت التَّسويةُ بينَ الأَولادِ بالخبَرِ وليسَ غيرُهم في مَعناهم؛ لأنَّهم استَوَوا في وُجوبِ بِرِّ والِدِهم فاستَوَوا في عَطيتِه، وبهذا علَّلَ النَّبيُّ حين قالَ: «أيَسرُّك أن يَستَووا في بِرِّك؟» قالَ: نَعمْ. قالَ: «فسَوِّ بينَهم» ولم يُوجدْ هذا في غيرِهم، ولأنَّ للوالِدِ الرُّجوعَ فيما أعطَى وَلدَه فيُمكنُه أنْ يُسويَ بينَهم باستِرجاعِ ما أَعطاهُ لبَعضِهم ولا يُمكنُ ذلك في غيرِهم، ولأنَّ الأَولادَ لشِدةِ مَحبةِ الوالِدِ لهم وصَرفِ مالِه إليهم عادةً يَتنافَسونَ في ذلك، ويَشتدُّ عليهم تَفضيلُ بَعضِهم، ولا يُساوِيهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصحُّ قِياسُه عليهم، ولا نَصَّ في غيرِهم، ولأنَّ النَّبيَّ قد علِمَ لبَشيرٍ زَوجةً ولم يأمُرْه بإِعطائِها شَيئًا حين أمَرَه بالتَّسويةِ بينَ أَولادِه، ولم يَسألْه: هل لك وارِثٌ غيرُ وَلدِك؟ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٣٧)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤١٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣، ٣٧٤).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ التَّعديلُ في عَطيةِ أَولادِه على حَسبِ ميراثِهم، وهو مَذهبُ أحمدَ مُسلمًا كانَ الوَلدُ أو ذمِّيًا، ولا يَجبُ على المُسلمِ التَّسويةُ بينَ أَولادِ أهلِ الذِّمةِ، ولا يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ الذين لا يَرِثونَ كالأَعمامِ والإِخوةِ مع وُجودِ الأبِ، ويَتوجَّهُ في البَنينَ التَّسويةُ كآبائِهم؛ فإنْ فضَلَ حيثُ منَعناه فعليه التَّسويةُ أو الرَّدُّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، وإذا سوَّى بينَ أَولادِه في العَطاءِ فليسَ له أنْ يَرجعَ في عَطيةِ بَعضِهم (١).

وقالَ الشافِعيةُ: ويُسنُّ أيضًا أنْ يُسويَ الوَلدُ إذا وهَبَ لوالِدَيه شَيئًا، ويُكرهُ له تَركُ التَّسويةِ -كما مَرَّ- في الأولادِ؛ فإنْ فضَّلَ أحدَهما فالأُمُّ أَولى؛ لخبَرِ: «إنَّ لها ثُلثَيِ البِرِّ». والإِخوةُ ونَحوُهم لا يَجري فيهم هذا الحُكمُ، ولا شَكَّ أنَّ التَّسويةَ بينَهم مَطلوبةٌ، لكنْ دونَ طَلبِها في الأُصولِ والفُروعِ (٢).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ قِياسًا على التَّسويةِ بينَ الأَولادِ، بأنْ يُعطيَهم على قَدرِ مِيراثِهم؛ فإنْ خالَفَ وفعَلَ فعليه أنْ يَرجعَ ويَعمَّهم بالنِّحلةِ؛ لأنَّهم في مَعنى الأَولادِ، فثبَتَ فيهم مِثلُ حُكمِهم، بخِلافِ الزَّوجاتِ والمَوالي فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم في الهِبةِ (٣).

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤١٦، ٤١٧).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٩).
(٣) «المغني» (٥/ ٣٨٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٣٧)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣، ٣٧٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 491 - 492

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله