أولا: وقف العقار

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > أولا: وقف العقار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

أولا: وقف العقار - الأقوال والأدلة

فالفُقَهاءُ -كما نَرى- مُتفِقونَ على صِحةِ وَقفِ العَينِ المَملوكةِ التي يُمكِنُ الانتفاعُ بها مع بَقاءِ عَينِها انتِفاعًا مُباحًا في الجُملةِ.

واختَلَفوا في وَقفِ المَنقولِ والمَنفعةِ والمَشاعِ، وبَيانُ ذلكَ على ما يَلي:

أولاً: وَقفُ العَقارِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ وَقفِ العَقارِ مِنْ أرضٍ ودُورٍ وآبارٍ وقَناطِرَ؛ لأنَّ جَماعةً مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وَقَفوا ذلكَ.

وقد نقَلَ الإجماعَ على هذا عَددٌ كَبيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، مِنهُم ابنُ حَجرٍ (١) والرَّمليُّ (٢) والدَّميريُّ (٣) والأنصارِيُّ (٤).

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويَصحُّ وَقفُ عَقارٍ مِنْ أرضٍ أو دارٍ بالإجماعِ (٥).

وقالَ ابنُ شَاسٍ رحمة الله عليه: ولا شَكَّ في صِحةِ وَقفِ العَقارِ الأراضِي وما يَتعلَّقُ بها كالدِّيارِ والحَوانِيتِ والحَوائطِ والمَساجدِ والمَصانعِ والآبارِ والقَناطِرِ والطُّرقِ ونحوِ ذلكَ (٦).

(١) «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٨).
(٢) «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٤).
(٣) «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٧).
(٤) «أسنى المطالب» (٢/ ٤٥٧).
(٥) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤)
(٦) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٣/ ٩٦١)، ويُنظَر: «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣٨)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٦)، و «الاختيار» (٣/ ٥١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٤)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «الإسعاف» ص (١٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧٦)، و «التوضيح» (٧/ ٢٧٩)، و «المغني» (٥/ ٣٧٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٤)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٢).

فعن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخيبَرَ فأتَى النبيَّ يَستأمِرُه فيها فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندِي منه، فما تَأمرُ به قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربَى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» (١).

وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةً على بَنيهِ، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ» (٢).

وعَن عُثمانَ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بِئرِ رُومةَ، فقالَ: مَنْ يَشتري بئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخَيرٍ له منها في الجَنَّةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالي» (٣).

(١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٣٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
(٣) حَسَنٌ: رواه النسائي (٣٦٠٨)، والترمذي (٣٧٠٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٤٩٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٠٥)، والدارقطني (٤/ ١٩٧).

وفي رِوايةِ الطَّبرانِيِّ عن أبي سَلمةَ بِشرِ بنِ بَشيرٍ الأسلَميِّ عن أبيهِ قالَ: «لمَّا قَدِمَ المُهاجِرونَ المَدينةَ استَنكَروا الماءَ، وكانَتْ لرَجلٍ مِنْ بَني غِفارٍ عَينٌ يُقالُ لها رُومةُ، وكانَ يَبيعُ منها القِربةَ بمُدٍّ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ : بِعْنِيهَا بعَينٍ في الجنَّةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ليسَ لي ولا لعِيالي غيرُها، لا أستَطيعُ ذلكَ، فبلَغَ ذلكَ عُثمانَ رضي الله عنه، فاشتَراها بخَمسةٍ وثَلاثينَ ألفَ دِرهمٍ، ثمَّ أتَى النبيَّ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ أتَجعَلُ لي مثلَ الذي جَعلْتَه له، عَينًا في الجنَّةِ إنِ اشتَريتُها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: قد اشتَريتُها وجَعلتُها للمُسلِمينَ» (١).

ورَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرطَ لنَفسِه مِثلَ دِلاءِ المُسلمينَ:

وأوقَفَ أَنسٌ دارًا، فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها.

وتَصدَّقَ الزُّبيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حقٌّ.

وجعَلَ ابنُ عمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوِي الحاجةِ مِنْ آلِ عبدِ اللهِ.

قالَ الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه: إنَّما الوَقفُ في الأرَضينَ والدُّورِ على ما وقَفَ أصحابُ رَسولِ اللهِ (٢).

(١) رواه الطبراني (١٢١٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٧٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف

ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 362 - 364

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله