إجارة الموقوف ومن له حق التأجير

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > إجارة الموقوف ومن له حق التأجير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

إجارة الموقوف ومن له حق التأجير - الأقوال والأدلة

إِجارةُ المَوقوفِ ومَن لهُ حَقُّ التأجيرِ:

لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الإسلامِ على جَوازِ إجارةِ الوَقفِ، وعلى أنَّ مَنْ له حقُّ التَّأجيرِ هو الناظِرُ الذي شرَطَه الواقفُ إنْ كانَ شرَطَ ناظرًا مُعيَّنًا، سَواءٌ كانَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ وعَمرٍو، أم غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ، وسَواءٌ أكانَ الناظِرُ هو المَوقوفَ عليه المُعيَّنَ أم كانَ غيرَه.

وإنَّما اختَلَفوا، هل للمَوقوفِ عليهمُ الحَقُّ في التَّأجيرِ أم لا؟

قالَ الحَنفيةُ: المَوقوفُ عليهِم الغلَّةُ أو السُّكنى لا يَملكونَ حقَّ الإجارةِ، فلو أرادُوا أنْ يُؤاجِرُوا لا يَجوزُ؛ لأنه لا حقَّ لهم في الرَّقبةِ ولا مِلكَ، وإنَّما يَملكُ المَنافعَ بلا بَدلٍ، فلم يَملكْ تَمليكَها ببَدلٍ وهو الإجارةُ، وإلَّا لَملَكَ أكثَرَ ممَّا يَملكُ، بخِلافِ الإعارةِ، إلا إذا شرَطَ الواقفُ التَّوليةَ والنَّظرَ للمَوقوفِ عليهم، أو للأرشَدِ مِنهم وكانَ هو الأرشَدَ أو لم يُوجَدْ غيرُه؛ لأنه حِينئذٍ يَكونُ مَنصوبَ الواقفِ، أو أَذِنَ القاضي لهم بالإيجارِ، وإنَّما يَملكُ الإجارةَ المُتولِّي أو القاضي، وكذا لو كانَ الوَقفُ على رَجلٍ مُعيَّنٍ لا يَجوزُ له على ما عليهِ الفتوَى.

وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: إذا كانَ الأجرُ كلُّه للمَوقوفِ عليه بأنْ كانَ الوَقفُ لا يَحتاجُ إلى العِمارةِ كالحَوانيتِ والدُّورِ وليسَ معَه شَريكٌ في الوَقفِ حِينئذٍ جازَتِ الإجارةُ.

وأمَّا في الأرضِ، فإنْ كانَ الواقفُ شرَطَ تَقديمَ العُشرِ والخَراجِ وسائرَ المُؤَنِ وما فضَلَ للمَوقوفِ عليهم، فليسَ لهُم إجارتُه؛ لأنَّ فيه إبطالًا (لشَرطِ) الواقفِ البِدايةَ بالخَراجِ والمُؤنِ.

وإنْ لم يَشترطْ ذلكَ يَجبُ أنْ يَجوزَ، ويَكونُ الخَراجُ والمُؤنةُ عليهِ.

بَيانُه: أنَّ إجارَةَ المَوقوفِ عليه إنَّما تَجوزُ على معنى إجارَتِه مِلكَ نَفسِه، لا على اعتبارِ إجارتِه للوَقفِ؛ لأنه ليسَ بمُتولٍّ للوَقفِ، وإذا كانَ جَوازُ إجارَتِه على اعتِبارِ إجارتِه مِلكَ نَفسِه لنَفسِه كانَ الأجرُ له، ليسَ فيهِ خَراجٌ ولا شَيءٌ، فهو على معنى قَولِنا: إنَّ فيهِ إبطالَ شَرطِ الواقفِ، وأمَّا إذا لم يَشترطْ بِدايةَ الخَراجِ والمُؤَنِ يَجبُ أنْ تَجوزَ إجارتُه، ويَكونُ الخَراجُ والمُؤنةُ عليه، وهو نَظيرُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ في أرضِ الوَقفِ إذا كانَ المَوقوفُ عليهِم اثنَينِ أو ثَلاثةً فتَقاسَموا وأخَذَ كلُّ واحِدٍ مِنهم أرضًا يَزرعُها بنفسِه، قالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانتِ الأرضُ عُشريَّةً جازَ منها ما يَأْتيهِم، وإنْ كانَتِ الأرضُ خَراجيةً لا يَجوزُ، قالَ: لأنَّ العُشرَ صَدقةٌ، وما وُقفَ عليهِم كالصَّدقةِ عليهم، فصارَتِ الجِهةُ في جَميعِ الغلَّةِ واحِدةً، فأشبَهَ سُكنَى الدَّارِ إذا كانَ المَوقوفُ عليهِم نَفرًا فبَدا لهم أنْ يَقتسمُوا وأنْ يَسكنَ كلُّ واحِدٍ مِنهم ناحِيةً منها على سَبيلِ التَّهايُؤِ؛ إذْ ليس فيه تَعيُّنُ شَرطٍ؛ إذْ ليس سَبيلُ العُشرِ أنْ يُبدَأَ كما يُبدأُ بالخَراجِ والمُؤنِ، وأمَّا في الأرضِ الخَراجِيَّةِ فإنَّ عادةَ الواقِفينَ شَرطُهم بدايةَ الخَراجِ مِنْ الغلَّاتِ، ونحنُ لو أخَّرْنا التَّهايُؤَ لم يَكنِ الخَراجُ في الغَلةِ، بل يَكونُ في ذِمةِ المَوقوفِ عليهْم؛ إذِ

(الحالُ) صُورةُ التهايُؤِ، وأنْ يَخصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بما يَخصُّهُ، ولَمَّا صارَ بالمَنفعةِ مُختصًّا كانَ المالِكَ، فيَكونُ الخَراجُ في ذِمتِه كالمالكِ، فيَكونُ فيهِ تَعيينُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنَّ الواقفَ شرَطَ أنْ يَكونَ الخَراجُ في الغَلةِ.

وقالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قُلتَ: إذا لم يَصحَّ إيجارُه، ما حُكْمُ الأُجرةِ التي آجَرَها؟

قلتُ: يَنبغِي أنْ تَكونَ للوَقفِ، ولم أرَهُ صَريحًا.

ولو قالوا: عَمَّرَها المُتولِّي أو القاضِي لَكانَ أَولَى، فظاهِرُ قَولِهم إنَّما يَملكُ الإجارةَ المُتَولِّي أو القاضي، وأنَّ للقاضِي الاستِقلالَ بالإجارةِ ولو أبَى المُتولِّي، إلَّا أنْ يَكونَ المُرادُ التَّوزيعَ، فالقاضي يُؤجِّرُها إنْ لم يَكنْ لها مُتولٍّ، أو كانَ لها وأبَى الأصلَحَ، وأمَّا معَ حُضورِ المُتولِّي فليسَ للقاضِي ذلكَ (١).

وقالَ المالِكيةُ: لا تَصحُّ إعارةُ شَخصٍ مالكٍ انتِفاعًا بنفسِه فقطْ كمُحبَّسٍ عليه لسُكناهُ، ولا تَصحُّ إجارَتُه أيضًا (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: مَنافعُ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه، يَتصرَّفُ فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، فيَجوزُ أنْ يَستوفيَها بنفسِه ويَجوزُ أنْ يَستَوفيَها بغَيرِه بإعارةٍ وإجارةٍ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ الواقفِ ما لم يَشترطْ نَفيَ

(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٤)، و «الاختيار» (٣/ ٥٦)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٧٥٢، ٧٥٣)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٠٥، ٤٠٧).
(٢) «منح الجليل» (٧/ ٥٠).

الإجارةِ، فإنِ اشتَرطَ نَفيَها امتَنعَ، لكنْ لا يُؤجِّرُ إلا إذا كانَ ناظِرًا أو أَذِنَ له الناظِرُ في ذلكَ، ويَملكُ الأُجرةَ كما لو أجَّرَ مِلكَه، وتُصرَفُ إليه الأجرةُ في الحالِ.

وإنْ كانَ الوَقفُ على جِهةٍ كالفُقراءِ لم يَملكِ المَوقوفُ عليه المَنفعةَ بلِ الانتفاعَ، وكذا لو كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ وقيَّدَ بشَيءٍ -كما لو وقَفَ دارًا على أنْ يَسكنَها مُعلِّمُ الصِّبيانِ بالقَريةِ مثلًا- ليسَ له أنْ يُسكِنَها غيرَه بأجرةٍ ولا بغيرِها، وقَضيةُ هذا مَنعُ إعارتِها.

قالُوا: إنْ شرَطَ الواقفُ النَّظرَ على وَقفِه لنَفسِهِ أو غيرِه واحِدًا كانَ أو أكثَرَ اتُّبعَ شَرطُه، سَواءٌ فوَّضَه له في حالِ حَياتِه أم أوصَى بهِ؛ لأنه المُتقرِّبُ بالصَّدقةِ، فيُتَّبعُ شَرطُه كما يُتَّبعُ في مَصارفِها وغَيرِها، وإنْ لم يَشرِطْه لأحَدٍ فالنَّظرُ للقاضي على المَذهبِ؛ لأنَّ له النَّظرَ العامَّ، فكانَ أَولَى بالنَّظرِ فيهِ، ولأنه يَتعلَّقُ به حقُّ المَوقوفِ عليهِ وحَقُّ مَنْ يَنتقِلُ إليه، فكانَ أَولى، ولأنَّ المِلكَ في الوَقفِ للهِ تعالى.

والثَّاني: أنه إلى الواقفِ؛ لأنه كانَ النَّظرُ إليهِ، فإذا لم يَشرِطْه بَقيَ على نَظرِه.

والثَّالثُ: أنه للمَوقوفِ عليه؛ لأنَّ الغَلةَ له، فكانَ النَّظرُ إليهِ (١).

(١) «المهذب» (١/ ٤٤٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٦٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٥، ٤٨١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٤٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٠٥، ٥٠٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 411 - 414

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله