إعمار الوقف من غلة وقف آخر

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > إعمار الوقف من غلة وقف آخر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

إعمار الوقف من غلة وقف آخر - الأقوال والأدلة

المَصالِحِ، ولا يُحبَسُ المالُ أبدًا لغيرِ عِلَّةٍ مَحدودةٍ، لا سِيَّما في مَساجدَ قد عُلِمَ أنَّ رَيعَها يَفضلُ عن كِفايتِها دائِمًا، فإنَّ حَبسَ مثلَ هذا المالِ مِنْ الفَسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)[البقرة: ٢٠٥] (١).

وقالَ الرُّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: ويَتَّجهُ هذا الجَمعُ بينَ العِمارةِ وأربابِ الوَظائِفِ فيما إذا احتيجَ إلى عِمارةٍ شَرعيَّةٍ، كحائِطِ مَسجدٍ ومَدرسةٍ وسَقفِهما، فيُعادُ ذلكَ بلا تَزويقٍ بنَقشٍ وصَبغٍ وكِتابةٍ وغَيرِه ممَّا يُلهي المُصلِّيَ عن صَلاتِهِ غالِبًا؛ لأنه مَكروهٌ ومِثلُه التَّجصيصُ (٢).

إعمارُ الوَقفِ مِنْ غلَّةِ وَقفٍ آخَرَ:

نَصَّ فُقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ على جَوازِ إعمارِ وَقفٍ مِنْ غلَّةِ وَقفٍ آخَرَ.

وسُئِلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ رحمة الله عليه عمَّن جدَّدَ مَسجدًا أو عمَّرَه بآلاتٍ جُددٍ، وبَقيَتِ الآلةُ القَديمَةُ -أي: لم يُعمِّرْ بها-، هل تَجوزُ عِمارةُ مَسجدٍ آخَرَ قَديمٍ بها أو لا فتُباعُ ويُحفظُ ثَمنُها للمَسجدِ الذي كانت تلكَ الآلاتُ فيه أو لا؟

فأجابَ بقَولِه: نعم، تَجوزُ عِمارةُ مَسجدٍ قَديمٍ أو حادِثٍ بها حيثُ قُطِعَ بعدمِ احتياجِ المَسجدِ الذي هي منه إليها قبلَ فَنائِها، ولا يَجوزُ بَيعُها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ، فقد صَرَّحوا بأنَّ المَسجدَ المُعطَّلَ لخَرابِ البَلدِ إذا خِيفَ مِنْ

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢١٠).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٢).

أهلِ الفَسادِ على نَقضِه نُقِضَ وحُفِظَ، وإنْ رَأَى الحاكِمُ أنْ يُعمِّرَ بنَقضِه مَسجدًا آخَرَ جازَ، وما قَرُبَ منه أَولى، والحاصِلُ مِنْ رَيعِ المَسجدِ المَذكورِ يَصرِفُه لعِمارةِ مَسجِدٍ آخَرَ، قالَ المُتولِّي: إلى عِمارةِ المَنقولِ إليهِ.

وكذا الرِّباطاتُ والآبارُ المُسبَّلةُ يُنقلُ نَقضُها ورَيعُ وَقفِها إلى مِثلِها لا إلى نَوعٍ آخَرَ، إلَّا إذا فُقدَ نَوعُها فتُصرَفُ لغَيرهِ للضَّرورةِ، وكذا قالَ القاضِي، ويَفعلُ الحاكِمُ بما في المَسجدِ الخَرابِ مِنْ حُصرٍ وقَناديلَ ونَحوِ ذلكَ، فيَنقلُها إلى غيرِه عندَ الخَوفِ عليها، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وقَولُ صاحِبِ «الفُروع»: «والمُرادُ مع اتِّحادِ الوَقفِ» ظاهِرٌ في أنه لا يَجوزُ عِمارةُ وَقفٍ مِنْ رَيعِ وَقفٍ آخَرَ ولو اتَّحدَتِ الجِهةُ.

وقد أَفتَى الشَّيخُ عُبادةُ مِنْ أئمَّةِ أصحابِنا بجَوازِ عِمارةِ وَقفٍ مِنْ وَقفٍ آخَرَ على جِهتِه، ذكَرَه ابنُ رَجبٍ في طَبقاتِه في تَرجمَتِه.

قُلتُ: وهو قَوِيٌّ، بل عَملُ الناسِ عليه (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأمَّا ما فضَلَ مِنْ الرَّيعِ عن المَصارِفِ المَشروطةِ ومَصارِفِ المَساجدِ فيُصرَفُ في جِنسِ ذلكَ، مِثل عِمارةِ مَسجدٍ آخَرَ ومَصالحِها وإلى جِنسِ المَصالحِ، ولا يُحبَسُ المالُ أبَدًا

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩)، ويُنظَر: «إعانة الطالبين» (٣/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١٠٥).

لغَيرِ عِلَّةٍ مَحدودةٍ، لا سِيَّما في مَساجدَ قد عُلِمَ أنَّ رَيعَها يَفضلُ عن كِفايتِها دائِمًا، فإنَّ حَبسَ مِثلِ هذا المالِ مِنْ الفَسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)[البقرة: ٢٠٥] (١).

وسُئِلَ أيضًا عن الوَقفِ إذا فضَلَ مِنْ رَيعِه واستُغنيَ عنه؟

فأجابَ: يُصرَفُ في نَظيرِ تلكَ الجِهةِ، كالمَسجدِ إذا فضَلَ عن مَصالحِه صُرِفَ في مَسجِدٍ آخَرَ؛ لأنَّ الواقفَ غَرضُه في الجِنسِ، والجِنسُ واحِدٌ، فلو قُدِّرَ أنَّ المَسجدَ الأولَ خَرِبَ ولم يَنتفعْ به أحَدٌ صُرِفَ رَيعُه في مَسجدٍ آخَرَ، فكذلكَ إذا فضَلَ عن مَصلحتِه شيءٌ فإنَّ هذا الفاضِلَ لا سَبيلَ إلى صَرفِه إليهِ ولا إلى تَعطيلِه، فصَرفُه في جِنسِ المَقصودِ أَولى، وهو أقرَبُ الطُّرقِ إلى مَقصودِ الواقفِ، وقد رَوَى أحمدُ عن عَليٍّ رضي الله عنه أنه حَضَّ الناسَ على إعطاءِ مُكاتِبٍ ففضَلَ شيءٌ عن حاجتِه فصَرَفَه في المُكاتِبينَ (٢).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ الحَنبليُّ رحمة الله عليه: وما فضَلَ مِنْ حُصرِه وزَيتِه وقَصبِه ونَفقتِه، وعِبارةُ «الوَجيز» و «الفُروع»: وما فضَلَ عن حاجتِه وهي أَولَى عن حاجَتِه جازَ صَرفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ، قالَه أحمدُ؛ لأنه انتِفاعٌ في جِنسِ ما وُقِفَ له، فكانَ مَصروفًا له في مِثلِه وكالهَديِ والصَّدقةِ به على فُقراءِ المُسلمينَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ المَرُّوذيِّ، واحتَجَّ بأنَّ شَيبةَ بنَ عُثمانَ الحجِّيِّ كانَ يَتصدَّقُ بخُلْقانِ الكَعبةِ، ورَوى الخلَّالُ بإسنادِه أنَّ عائِشةَ أمَرَتْه بذلكَ،

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢١٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٠٦، ٢٠٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 450 - 452

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر