الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الشرط الثاني: ألا يكون فيه خيار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوالمَريضُ مَحجورٌ عليه مِنْ أجْلِ وَرثتِه، فما يَفعلُه مَوقوفٌ على الثُّلثِ بعد مَوتِه؛ لأنه ليسَ له أنْ يُخرِجَ عنهم زِيادةً على الثلثِ بعد مَوتِه؛ لأنَّ ذلكَ تَقديرُ ما جُعِلَ له، وإنَّما لم يُحكَمْ بتَنجيزِه مِنْ الثلثِ في الحالِ لجَوازِ أنْ يَتلَفَ الثُّلثانِ الباقيانِ ويَموتَ هو عن هذا المِقدارِ فقط؛ لأنَّ الاعتِبارَ ما يَتركُه بعدَ المَوتِ لا قبلَه، فيُؤدِّيَ إلى أنْ يَكونَ الوَصايا قد نفَذَتْ قبلَ حُصولِ الثلثَينِ للوَرثةِ، وذلكَ غيرُ جائِزٍ (١).
الشَّرطُ الثَّاني: ألا يَكونَ فيهِ خِيارٌ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يَصحُّ اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ.
قالَ ابنُ نُجَيْمٍ رحمة الله عليه: لا يَلحقُ بالوَقفِ خِيارُ شَرطٍ، فلو وقَفَ على أنه بالخِيارِ لم يَصحَّ عند مُحمدٍ، مَعلومًا كانَ الوَقتُ أو مَجهولًا، واختارَهُ هِلالٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانَ الوَقتُ مَعلومًا جازَ الوَقفُ والشَّرطُ كالبَيعِ، وإلا بطَلَ الوَقفُ، وصحَّحَه السَّمتيُّ مُطلَقًا وأبطَلَ الشرطَ.
وظاهِرُ ما في «الخانِيَّة» أنه لو جعَلَ دارَه مَسجدًا على أنه بالخِيارِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ بلا خِلافٍ.
وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: يَنبغِي على قَولِ أبي يُوسفَ فيما إذا كانَ الوَقتُ مَجهولًا أنْ يَصِحَّ الوَقفُ ويَبطلَ الشَّرطُ (٢).
(١) «المعونة» (٢/ ٤٩٢).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و «أحكام الوقف» لهلال الرأي (١٤٩، ١٦١).
وقالَ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: ولو شرَطَ الواقِفُ الخِيارَ لنَفسِه في الوَقفِ ثَلاثةَ أيامٍ جازَ الوَقفُ والخِيارُ عندَ أبي يُوسفَ؛ بِناءً على التَّوسِعةِ كما مَرَّ، وعندَ مُحمدٍ الوَقفُ باطِلٌ، وإنَّما قيِّدَ بقَولِه: «ثَلاثةَ أيَّامٍ» لتَكونَ مدَّةُ الخِيارِ مَعلومةً، حتى لو كانَتْ مَجهولةً لا يَجوزُ الوَقفُ على قَولِ أبي يُوسفَ أيضًا، قَولُه: «وهذا -أي: الخِلافُ- بِناءً على ما ذكَرْناه» إشارةٌ إلى أنَّ جعْلَ غَلَّةِ الوَقفِ لنَفسِه جائِزٌ عندَ أبي يُوسفَ؛ فإنه لمَّا جازَ أنْ يَستثنيَ الواقفُ الغلَّةَ لنَفسِه ما دامَ حَيًّا فكذلكَ يَجوزُ اشتِراطُ الخِيارِ لنَفسِه ثَلاثةَ أيامٍ ليُروِّيَ النظَرَ فيهِ.
وعند مُحمدٍ لمَّا لمْ يَجُزْ ذلكَ لم يَجُزِ اشتِراطُ الخِيارِ لنَفسِه أيضًا، وبهذا البِناءِ صرَّحَ في «المَبسُوط».
ثُمَّ لَمَّا لم يَصحَّ الوَقفُ بشَرط الخِيارِ عند مُحمدٍ لم يَنقلِبِ الوَقفُ جائِزًا بإبطالِ الخِيارِ بعد ذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ إلا مُؤبَّدًا، وشَرطُ الخِيارِ يَمنعُ التَّأبيدَ، فكانَ شَرطُ الخِيارِ شَرطًا فاسِدًا في نفسِ العَقدِ، فكانَ المُفسِدُ قَويًّا (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: ولَزمَ الوَقفُ ولو لمْ يُحَزْ، فإذا أرادَ الواقفُ الرُّجوعَ فيهِ لا يُمكَّنُ، وإذا لم يُحَزْ عنه أُجبِرَ على إخراجِه مِنْ تَحتِ يَدِه للمَوقوفِ عليه.
(١) «العناية» (٨/ ٣٥٢)، و «الهداية» (٣/ ١٨).
واعلَمْ أنه يَلزمُ ولو قالَ الواقفُ: «وليَ الخِيارُ» كما قالَ ابنُ الحاجِبِ، وبحَثَ فيهِ ابنُ عَبدِ السَّلامِ بأنه يَنبغِي أنْ يُوفَّى له بشَرطِه، كما قالوا أنه يُوفَّى له بشَرطِه إذا شرَطَ أنه إنْ تَسوَّرَ عليه قاضٍ رجَعَ له، وأنَّ مَنْ احتاجَ مِنْ المُحبَّسِ عليهِم باعَ ونحوَ ذلكَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ شيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيه مَتى شاءَ أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليهِ بوَجهٍ ما كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ على الأظهَرِ كالبَيعِ والهِبةِ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ اللُّزومُ، والخِيارُ يُنافي ذلكَ، فيَفسدُ بهذا الشَّرطِ.
ومُقابِلُ الصَّحيحِ: يَصِحُّ الوَقفُ ويُلغَى الشرطُ كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديث العُمرَى أنه ﷺ قالَ: «أَمسِكوا عَليكمْ أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهيَ للذي أُعمِرَها حيًّا وميِّتًا ولعَقبِه» (٢)، فإنه ﷺ جعَلَها للذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بعدَ مَوتِهِ، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه.
ومَحلُّ القَولينِ إذا لم يَحكمْ حاكِمٌ بصحَّةِ الوَقفِ، فإنْ حكَمَ به صَحَّ بلا خِلافٍ ومَضَى.
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
أمَّا إذا وقَفَ وشرَطَ لنَفسِه أنْ يَحرِمَ مَنْ شاءَ ويَزيدَ مَنْ شاءَ أو يُقدِّمَ أو يُؤخِّرَ فالشَّرطُ فاسِدٌ في الأصَحِّ إذا أنشَأَ الوَقفَ بهذا الشَّرطِ، فلو أطلَقَه ثمَّ أرادَ أنْ يُغيِّرَ ما ذكَرَه بحِرمانٍ أو زيادةٍ أو تَقديمٍ أو تَأخيرٍ فليسَ له ذلكَ قَطعًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ شرَطَ أنْ يَبيعَ الوَقفَ متى شاءَ أو يهَبَه أو يَرجعَ فيهِ لم يَصحَّ الشَّرطُ ولا الوَقفُ، لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنه يُنافي مُقتضَى الوَقفِ.
ويُحتملُ أنْ يَفسدَ الشَّرطُ ويَصحَّ الوَقفُ؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ.
وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ فسَدَ، ونَصَّ عليه أحمَدُ، وبه قالَ الشافعيُّ.
وقالَ أبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنهُ: يَصحُّ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنافعِ، فجازَ بشَرطِ الخِيارِ فيه كالإجارةِ.
ولنا: إنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى العَقدِ، فلمْ يَصحَّ كما لو شرَطَ أنَّ له بَيعَه مَتى شاءَ؛ لأنه إزالةُ مِلكِ اللهِ تعالَى، فلمْ يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيها كالعِتقِ، ولأنهُ ليسَ بعَقدِ مُعاوَضةٍ، فلمْ يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيه كالهِبةِ، ويُفارِقُ الإجارةَ؛ فإنها عَقدُ مُعاوَضةٍ وهي نَوعٌ مِنْ البَيعِ، ولأنَّ الخِيارَ إذا دخَلَ في العَقدِ منَعَ ثُبوتَ حُكمِهِ قبلَ انقِضاءِ الخِيارِ أو التَّصرفِ، وهاهُنا لو ثبَتَ الخِيارُ لَثبَتَ مع ثُبوتِ حُكمِ الوَقفِ ولمْ يَمنعِ التَّصرفَ، فافتَرقَا.
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.