الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الصورة الثانية: ألا يشرطه الواقف، بأن سكت أو شرط عدمه، لكن صار الموقوف لا ينتفع به بالكلية، بأن لا يحصل منه شيء أصلا أو لا يفي بمؤنته
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 37 دقيقة قراءةالصُّورةُ الثانِيةُ: ألا يَشرطَه الواقِفُ، بأنْ سكَتَ أو شرَطَ عدَمَه، لكنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يحصلَ منه شيءٌ أصلًا أو لا يَفِيَ بمُؤنتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ أو سكَتَ، ولكِنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يحصلَ منه شَيءٌ أصلًا أو لا يَفِيَ بمُؤنتِه، هل يَصحُّ بَيعُه والاستِبدالُ به؟ أم لا يَجوزُ بحالٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ الاستِبدالِ ومُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ في هذه الحالةِ للمَصلحةِ، قالوا: لو شرَطَ الواقِفُ عدَمَ استِبدالِ الوَقفِ فللقاضِي الاستِبدالُ للمَصلحةِ بعدَّةِ شُروطٍ:
١ - أنْ يَخرجَ عن الانتفاعِ بالكُليَّةِ.
٢ - وألَّا يَكونَ هُناكَ رَيعٌ للوَقفِ يُعمرُ به.
٣ - وألَّا يَكونَ البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ.
٤ - وأنْ يَكونَ المُستبدِلُ قاضيَ الجَنَّةِ المُفسَّرُ بذي العِلمِ والعَملِ؛ لِئلَّا يَحصلَ التطرُّقُ إلى إبطالِ أوقافِ المُسلمينَ كما هو الغالِبُ في زَمانِنا.
٥ - قالَ ابنُ نُجيمٍ: ويَجبُ أنْ يُزادَ آخَرُ في زَمانِنا، وهو أنْ يُستبدلَ بعَقارٍ لا بدَراهِمَ ودنانيرَ، فإنَّا قد شاهَدْنا النُّظَّارَ يَأكلونَها وقَلَّ أنْ يَشتريَ بها بَدلًا، ولمْ نَرَ أحَدًا مِنْ القُضاةِ فتَّشَ على ذلكَ مع كَثرةِ الاستِبدالِ في زَمانِنا، مع أني نَبَّهتُ بَعضَ القُضاةِ على ذلكَ، وهَمَّ بالتَّفْتيشِ ثم ترَكَ (١).
(١) «الأشباه والنظائر» (١٩٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤١)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٤، ٣٨٧).
٦ - وألَّا يَبيعَه مِمَّنْ لا تُقبلُ شَهادتُه له، ولا مِمَّنْ له عليه دَينٌ.
٧ - ومُبادَلةُ دارِ الوَقفِ بدارٍ أُخرَى إنَّما يَجوزُ إذا كانَتَا في مَحلَّةٍ واحِدةٍ، أو مَحلَّةُ الأُخرى خيرٌ، وبالعَكسِ لا يَجوزُ وإنْ كانَتِ المَملوكةُ أكثَرَ مَساحةً وقِيمةً وأُجرةً؛ لاحتِمالِ خَرابِها في أدوَنِ المَحلَّتَينِ لدَناءتِها وقِلَّةِ الرَّغبةِ فيها.
٨ - وأنْ يَكونَ البَدلُ والمُبدَلُ مِنْ جِنْسٍ واحِدٍ؛ لِما في «الخانِيَّة»: لو شرَطَ لنَفسِه استِبدالَها بدارٍ لم يَكنْ له استِبدالُها بأرضٍ وبالعَكسِ، أو بأرضِ البَصرةِ تَقيَّدَ. اه، فهذا فيما شرَطَه لنَفسِه فكذا يَكونُ شَرطًا فيما لو لم يَشترطْه لنَفسِه بالأَولى، تَأمَّلْ، ثُمَّ قالَ: والظاهِرُ عَدمُ اشتِراطِ اتِّحادِ الجِنسِ في المَوقوفةِ للاستِغلالِ؛ لأنَّ المَنظورَ فيها كَثرةُ الرَّيعِ وقَلقُ المَرمَّةِ والمُؤنَةِ، فلو استَبدلَ الحانوتَ بأرضٍ تُزرعُ ويَحصلُ منها غَلةٌ قدْرَ أُجرةِ الحانوتِ كانَ أحسَنَ؛ لأنَّ الأرضَ أدوَمُ وأَبقَى وأَغنَى عن كافَّةِ التَّرميمِ والتَّعميرِ، بخِلافِ المَوقوفةِ للسَّكنِ؛ لظُهورِ أنَّ قصْدَ الواقفِ الانتفاعُ بالسَّكنِ (١).
وسُئِلَ ابن عابدِينَ رحمة الله عليه في خَرابةٍ جارِيةٍ في وَقفٍ أهليٍّ تَعطَّلَ الانتِفاعُ بها وضَعُفتْ عن الغَلةِ وليسَ في الوَقفِ غَيرُها حَتى يُعمرَ بها، وأدَّتِ الضَّرورَةُ إلى الاستِبدالِ بها بطَريقِه الشَّرعيِّ بما فيهِ مِنْ الحَظِّ والمَصلحةِ للوَقفِ ولو بالدَّراهمِ ليَشتريَ بها دارًا أُخرى أكثَرَ نَفعًا وأدَرَّ رَيْعًا وأحسَنَ صقعًا، فهل للقاضِي أنْ يَفعلَ ذلكَ بوَجهِه الشَّرعيِّ؟
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٦).
الجَوابُ: نَعمْ، في «فَتاوى قارِئِ الهِدايَة» سُئِلَ عن استِبدالِ الوَقفِ ما صورَتُه، هل هو على قَولِ أبي حنيفةَ أو أصحابِه؟ أجابَ: الاستِبدالُ إذا تَعيَّنَ بأن كانَ المَوقوفُ عليه لا يُنتفعُ به، وثَمَّةَ مَنْ يَرغبُ فيهِ ويُعطي بدَلَه أرضًا أو دارًا لها رَيعٌ يَعودُ نَفعُه على جِهةِ الوَقفِ، فالاستِبدالُ في هذه الصُّورةِ قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ -رحمهما الله-، وإنْ كانَ للوَقفِ رَيعٌ ولكنْ يَرغبُ شَخصٌ في استِبدالِه إنْ أعطَى مَكانَه بَدلًا أكثَرَ رِيعًا منه في صقعٍ أحسَنَ مِنْ صقعِ الوَقفِ جازَ عند أبي يُوسفَ، والعَملُ عليه، وإلا فلا يَجوزُ. اه
قالَ العَلَّامةُ صاحِبُ «النَّهر» في ذَيلِ الفتوَى المَذكورةِ ما نَصُّه: ورَأيتُ بَعضَ المَوالي يَميلُ إلى هذا ويَعتمِدُه، وأنتَ خَبيرٌ بأنَّ المُستبدِلَ إذا كانَ قاضيَ الجَنَّةِ فالنَّفسُ به مُطمئِنَّةٌ، فلا يُخشَى الضَّياعُ معَه ولو بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، واللهُ المُوفِّقُ. اه
وقد أَفتَى بجَوازِ الاستِبدالِ بالنُّقودِ إذا كانَ فيهِ مَصلحةٌ للوَقفِ جَماعةٌ مِنْ العُلماءِ الأعلامِ، مِنهم العَلَّامةُ الخيرُ الرَّمليُّ وتِلميذُه الفَهَّامةُ السَّيدُ عَبدُ الرَّحيمِ اللُّطفيُّ والمُحقِّقُ الشَّيخُ إسماعيلُ الحائِكُ وغَيرُهم مِنْ العُلماءِ الأعلامِ رَوَّحَ اللهُ تعالى رُوحَهُم بدارِ السَّلامِ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا تَعطَّلتْ مَنافعُ الوَقفِ بخَرابٍ له أو لمَحلَّتِه أو غيرِه بحَيثُ لا يَرُدُّ الوَقفُ شيئًا على أهلِه أو يَرُدُّ شيئًا لا يُعَدُّ نَفعًا بالنِّسبةِ إليهِ
(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» لابن عابدين (٢٤/ ٢٣٠).
وتَتعذَّرُ عِمارَتُه وعَودُ نَفعِه بأنْ لا يَكونَ في الوَقفِ ما يُعمرُ به فيَصحُّ بَيعُه، ويُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه إنْ أمكَنَ؛ للنَّهيِ عن إضاعةِ المالِ، وفي إبقائِه إذَنْ إضاعةٌ، فوجَبَ الحِفظُ بالبَيعِ، ولأنَّ المَقصودَ انتِفاعُ المَوقوفِ عليه بالثَّمرةِ لا بعَينِ الأصلِ مِنْ حيثُ هو، ومَنعُ البَيعِ إذنْ مُبطِلٌ لهذا المعنَى الذي اقتَضاهُ الوَقفُ، فيَكونُ خِلافَ الأصلِ، ولأنَّ فيما نَقولُ بَقاءً للوَقفِ بمَعناهُ حينَ تَعذَّرَ الإبقاءُ بصُورتِه، فيَكونُ مُتعيِّنًا.
ولو شرَطَ واقِفُه عدَمَ بَيعهِ في هذه الحالِ فشَرطُه فاسِدٌ نَصًّا، وعُلِّلَ بأنهُ ضَرورةٌ ومَنفعةٌ لهم.
وعُمومُ قَولِه ﷺ: «لا يُباعُ أصلُها» مَخصوصٌ بحالةِ تَأهَّلَ المَوقوفُ للانتِفاعِ المَخصوصِ.
ويُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه إنْ أمكَنَ؛ لأنَّ في إقامةِ البَدلِ مَقامَه تأبيدًا له وتَحقيقًا للمَقصودِ، فتَعيَّنَ وُجوبُه، أو في بَعضِ مِثلِه؛ لأنه أقرَبُ إلى غرَضِ الواقفِ.
جاءَ في «المُغنِي» لابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا خَرِبَ الوَقفُ ولم يَرُدَّ شيئًا بِيعَ واشتُرِيَ بثَمنِه ما يَرُدُّ على أهلِ الوَقفِ، وجُعِلَ وَقفًا كالأولِ، وكذلكَ الفَرسُ الحَبيسُ إذا لم يَصلحْ للغَزوِ بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه ما يَصلحُ للجِهادِ).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في مَوضعِه أو
تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِهِ لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه، وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدُ خَوفًا مِنْ اللُّصوصِ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذِرًا، قالَ القاضي: يَعني إذا كانَ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الصَّلاةِ فيهِ، ونَصَّ على جوازِ بَيعِ عَرصَتِه في رِوايةِ عَبدِ اللهِ، وتَكونُ الشهادةُ في ذلكَ على الإمامِ، قالَ أبو بَكرٍ: وقد رَوى عَليُّ بنُ سَعيدٍ أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنما تُنقَلُ آلَتُها، قالَ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لإجماعِهم على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبُرَتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مِثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنهُ يَجوزُ بَيعُها ويَشتري بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ أو الوَقفُ عادَ إلى مِلكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقفَ إنَّما هو تَسبيلُ المَنفعةِ، فإذا زالَتْ مَنفعتُه زالَ حقُّ المَوقوفِ عليه منه، فزالَ مِلكُه عنهُ.
وقالَ مالِكٌ والشافعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «لا يُباعُ أصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ.
ولنا: ما رُويَ «أنَّ عُمرَ رضي الله عنه كتَبَ إلى سَعدٍ لمَّا بَلَغَه أنه قد نُقِبَ بَيتُ المالِ الذي بالكوفَةِ أنِ انقُلِ المَسجدَ الذي بالتَّمارينِ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلةِ المَسجدِ، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ»، وكانَ هذا بمَشهدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولم يَظهَرْ خِلافُه فكانَ إجماعًا، ولأنَّ فيما ذكَرْناهُ استِبقاءَ الوَقفِ بمَعناهُ عندَ تَعذُّرِ إبقائِه بصُورتِه، فوجَبَ ذلكَ، كما لو استَولَدَ الجارِيةَ المَوقوفةَ أو قبَّلَها، أَوْ قَبَّلَهَا غَيْرُهُ (١).
قالَ ابنُ عَقيلٍ: الوَقفُ مُؤبَّدٌ، فإذا لم يُمكِنْ تَأبيدُه على وَجهٍ يُخصِّصُه استِبقاءُ الغَرضِ وهو الانتفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخرى وإيصالُ الأبدالِ جَرَى مَجرَى الأعيانِ، وجُمودُنا على العَينِ مع تَعطُّلِها تَضييعٌ للغَرضِ، ويَقربُ هذا مِنْ الهَديِ إذا عَطِبَ في السفَرِ فإنه يُذبَحُ في الحالِ وإنْ كانَ يَختصُّ بمَوضِعٍ، فلمَّا تَعذَّرَ تَحصيلُ الغَرضِ بالكُلِّيةِ استَوفِيَ منه ما أمكَنَ وتُرِكَ؛ مُراعاةُ المَحلِّ الخاصِّ عندَ تَعذُّرِه؛ لأنَّ مُراعاتَه مع تَعذُّرِه تُفضِي إلى فَواتِ الانتفاعِ بالكُلِّيةِ، وهكذا الوَقفُ المُعطَّلُ المَنافِعِ.
ولنا على مُحمدِ بنِ الحَسنِ أنه إزالَةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فلا يَعودُ إلى مالِكِه باختِلالِه وذَهابِ مَنافعِه كالعِتقِ.
فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ الوَقفَ إذا بِيعَ فأيُّ شيءٍ اشتُريَ بثَمنِه ممَّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقفِ جازَ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِه أو مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّ
(١) الصواب: أو قتلها هو أو غيره.
المَقصودَ المَنفعةُ لا الجِنسُ، لَكنْ تَكونُ المَنفعةُ مَصروفةً إلى المَصلحةِ التي كانَتِ الأُولى تُصرَفُ فيها؛ لأنه لا يَجوزُ تَغييرُ المَصرِفِ مع إمكانِ المُحافَظةِ عليه كما لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ بالبَيعِ مع إمكانِ الانتفاعِ به (١).
وجَوازُ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ هو رِوايةٌ عن مالِكٍ وقالَ به بَعضُ المالِكية، قالَ ابنُ رُشدٍ: وفيها لرَبيعةَ أنَّ الإمامَ يَبيعُ الرَّبعَ إذا رَأى ذلكَ لخَرابِه، وهو إحدَى رِوايَتَي أبي الفَرجِ عن مالكٍ. اه
ثُمَّ قالَ: في جَوازِ المُناقَلةِ لرَبعٍ غَيرِ خَرِبٍ قَولَا الشَّيخِ في رِسالتِه وابنِ شَعبانَ.
وعِبارَةُ الرِّسالَةِ: «ولا يُباعُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ»، ثمَّ قالَ: واختُلفَ في المُعاوَضةِ بالرَّبعِ الخَرِبِ برَبعٍ غيرِ خَربٍ.
قالَ ابنُ رُشدٍ: إنْ كانَتْ هذه القِطعةُ مِنْ الأرضِ المُحبَّسةِ انقطَعَتْ مَنفعتُها جُملةً وعجَزَ عن عِمارتِها وكِرائِها فلا بَأسَ بالمُعاوَضةِ فيها بمَكانٍ يَكونُ حَبسًا مكانَها، ويَكونُ ذلكَ بحُكمٍ مِنْ القاضي بعدَ ثُبوتِ ذلكَ السَّببِ والغِبطةِ في ذلكَ للعِوضِ عنه، ويُسَجَّلُ ذلكَ ويُشهَدُ به. اه (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «المبدع» (٥/ ٣٥٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠٠، ١٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٨٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى عَدمِ جَوازِ بَيعِ الوَقفِ وإنْ خَرِبَ واستِبدالِه بوَقفٍ آخَرَ.
قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ عَقارٍ حُبِّسَ مِنْ دورٍ وحَوانيتَ ورَبعٍ، فلا يُباعُ ليُستبدَلَ به غَيرُه وإنْ خَرِبَ، قالَ الإمامُ مالكٌ: ولا يُباعُ العَقارُ المُحبَّسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.
قالَ سَحنونٌ: وهذه جُلُّ الأحباسِ قد خَرِبَتْ، فلا شيءَ أدَلُّ على سُنَّتِها منها، ألَا تَرى أنه لو كانَ البَيعُ يَجوزُ فيها لَمَا أغفَلَه مَنْ مَضى؟ ولكنْ بَقاؤُه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ بَيعَه غيرُ مُستقيمٍ، وبحَسبِكَ حُجَّةً في أمرٍ قد كانَ مُتقادِمًا بأنْ تَأخذَ منه ما جَرى منه، فالأحباسُ قَديمةٌ ولم تَزَلْ، وجُلُّ ما يُوجَدُ منها بالذي به لم يَزَلْ يَجري عليه فهو دَليلُها، فبَقاءُ هذه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ البَيعَ فيها غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنه لو استَقامَ لَمَا أخطَأَ مَنْ مَضى مِنْ صَدرِ هذه الأمَّةِ وما جَهِلَه مَنْ لم يَعملْ به حتى تُرِكتْ خَرابًا، وإنْ كانَ قد رُوِيَ عن رَبيعةَ خِلافٌ لهذا في الرِّباعِ والحَيوانِ إذا رَأَى الإمامُ ذلكَ (١).
وقالَ ابنُ الحاجِبِ: ولا يُناقَلُ بالعَقارِ ولو دَثُرَ وخَرِبَ ما حَولَه، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً تَدلُّ على مَنعِ بَيعِها ومِيراثِها (٢).
وإنَّما لم يُبعِ الرَّبعُ المُحبَّسِ إذا خَرِبَ لأنه يَجِدُ مَنْ يُصلِحُه بإجارتِه سِنينَ فيَعودَ كما كانَ.
(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٠٠).
(٢) «جامع الأمهات» ص (٤٥٢).
ودَليلٌ آخَرُ وهو أنَّ ما لا يَنقلُ الحَبسَ عن مُقتضاهُ إذا لم تَخرَبْ فإنه لا يَنقلُه عن مُقتضاهُ وإنْ خَرِبَ كالغَصبِ.
وكذا لا يُباعُ نَقضُ الحَبسِ مِنْ الأحجارِ والآجُرِّ والأخشابِ وإنْ خَرِبَ، فإذا لم يُمكِنْ عَودُها فيما حُبسَتْ فيه جازَ نَقلُها في مِثلِه.
إلا أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ ولو غيرَ خَرِبٍ لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسعةِ المَسجدِ، ومثلُ تَوسعةِ المَسجدِ تَوسعةُ طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدَّارِ المُحبسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غَيرِ مُعيَّنٍ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ.
وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبسةِ لأجْلِ تَوسعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذُوا الثَّمنَ فإنهمْ يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسِ غَيرِه (١).
وجاءَ في «فَتح العَلِيِّ المالِكِ» للشَّيخِ عليشٍ: (ما قَولُكم) في أرضٍ مَوقوفةٍ على سَبيلٍ في طريقِ المُسلمينَ شرَطَ واقِفُها ألا تُباعَ ولا تُستبدَلَ بغَيرِها، ثُمَّ استَبدَلَ ناظِرُ السَّبيلِ تلكَ الأرضَ بأرضٍ أُخرى مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، بأنْ دفَعَ أرضَ الوَقفِ لرَجلٍ مِنْ الفلَّاحينَ، وأخَذَ منه أرضًا مِنْ
(١) «المنتقى» (٦/ ١٣١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٤، ٩٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٥٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٨١).
أراضِي الدِّيوانِ، وصارَ الناظِرُ يَدفعُ مَصاريفَ الوَقفِ، والفَلَّاحُ يَدفعُ ما عليهِ مِنْ الخَراجِ، فهل هذه المُبادَلةُ باطِلةٌ ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الوَقفِ بعَينِها تحتَ يَدِه؟ أَفيدُوا الجَوابَ.
فأَجابَ الشَّيخُ الدَّرديرُ رحمة الله عليه بقَولِه: الحَمدُ للهِ، حَيثُ شرَطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ وأطلَقَ كانَتِ المُبادَلةُ الحاصِلةُ مِنْ الناظِرِ باطِلةً، ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الدِّيوانِ لصاحِبِها، وأخذُ أرضِ الوَقفِ بعَينِها، ومَن امتَنعَ فعَلى الحاكِمِ زَجرُه، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا، فإنْ وقَفَ أرضًا على ثَغرٍ فبطَلَ الثَّغرُ وتَعذَّرَ القِتالُ فيهِ حُفظَ انتِفاعُ الوَقفِ -وهو غَلتُه- ولا يُصرَفُ إلى غَيرِه؛ لجَوازِ أنْ يَعودَ الثَّغرُ كما كانَ.
ولو وقَفَ مَسجدًا فانهدَمَ وتَعذَّرَتْ إعادَتُه أو تَعطَّلَ بخَرابِ البَلدِ مثلًا لم يَعُدْ مِلكًا ولم يُبَعْ بحالٍ؛ لأنَّ ما زالَ المِلكُ فيهِ لحَقِّ اللهِ تعالى لا يَعودُ إلى المِلكِ بالاختِلالِ، كالعَبدِ إذا عُتقَ ثمَّ زَمِنَ، ولم يُنقَضْ إنْ لم يُخَفْ عليه؛ لإمكانِ الصلاةِ في أرضِهِ ولإمكانِ عَودِه كما كانَ، فإنْ خِيفَ على نَقضِه فيُنقَضُ ويُحفَظُ، أو يُعمرُ به مَسجدٌ آخَرُ إنْ رَآهُ الحاكِمُ، قالَ المُتولِّي: وتُصرَفُ غَلةُ وَقفِه لأقرَبِ المَساجِد إليهِ -أي إذا لم يُتوقَّعْ عَودُه-، وإلَّا حُفظَ كما قالَه الإمامُ.
(١) «فتح العلي المالك» (٢/ ٢٤٣).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وهذا أَولى مِنْ قَولِ الماوَرديِّ: تُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، ومِن قَولِ الرِّويانِيِّ: أنه كمُنقطِعِ الآخِرِ.
فإنْ خِيفَ عليه نُقضَ وبَنَى الحاكِمُ بنَقضِه مَسجِدًا آخَرَ إنْ رَأى ذلكَ، وإلا حِفظُه وبِناؤُه بقُربِه أَولَى، ولا يَبني به بئرًا كما لا يَبني بنَقضِ بئرٍ خَرِبتْ مَسجدًا بل بِئرًا أُخرى؛ مُراعاةً لغَرضِ الواقفِ ما أمكَنَ.
ولو وقَفَ على قَنطَرةٍ وانحَرَقَ الوادي وتَعطَّلتِ القَنطرةُ واحتِيجَ إلى قَنطَرةٍ أُخرَى جازَ نَقلُها إلى مَحَلِّ الحاجةِ (١).
وجاءَ في «فَتاوَى الرَّمليِّ»: (سُئلَ): هل يَجوزُ بَيعُ الدارِ المَوقوفةِ إذا انهَدمَتْ أو أشرَفَتْ على الانهدامِ سَواءٌ كانَتْ مَوقوفةً على المَسجدِ أو غيرِه، كما هو مُقتضَى «الرَّوضَة» ونُسِبَ لفَتاوى ابنِ العِراقيِّ؟ أو يَجوزُ بَيعُ المَوقوفةِ على المَسجدِ دونَ غَيرِه كما صَرَّحَ به ابنُ المُقرِي وغيرُه؟ أو لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كما أَفتَى به شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا مُؤيِّدًا له بما نقَلَه عن جَمعٍ مِنْ الأصحابِ في «شَرح المَنهَجِ» وغيرِه؟
(فأجابَ) بأنَّ الرَّاجحَ منع بَيعُها، سَواءٌ أُوقِفَتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه، فقدْ قالَ الماوَرديُّ: الوَقفُ إذا خَرِبَ لا يَجوزُ بَيعُه ولا بَيعُ شيءٍ منه لعِمارتَه، وقالَ أحمَدُ: يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لعِمارةِ باقيهِ كالدابَّةِ إذا عَطِبَتْ.
(١) «المهذب» (١/ ٤٤٥)، و «البيان» (٨/ ١٠٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٧٢، ١٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥١٧، ٥١٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٣).
ولنا: إمكانُ رُجوعِه وصَلاحِه، ولهذا لو وقَفَ أرضًا خَرابًا جازَ، ولو وقَفَ حَيوانًا عَطِبًا لم يَجُزْ. اه.
وقالَ المُتولِّي: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّارِ إذا خَرِبتْ أو خافُوا عَليها الخَرابَ، خِلافًا لأحمَدَ. اه.
وإذا كانَتِ الخَرابُ لا تُباعُ فالمُشرِفةُ أَولَى، وقالَ القاضِي أبو الطَّيبِ: إذا وقَفَ دارًا على قَومٍ ثُمَّ انهدَمَتْ لم يَكنْ للمَوقوفِ عليهِم بَيعُ الرَّقبةِ، وقالَ أحمدُ: «لهم ذلكَ»، وهذا غَلطٌ، وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّويانِيُّ في «البَحر» والشَّيخُ أبو حامِدٍ وأتْباعُه كالمَحامِليِّ وسُليمٍ في «المُجرَّد» والشَّيخُ نَصرُ المَقدِسيُّ في تَهذيبِه والجُرجانِيُّ في شافيهِ وصاحِبُ «البَيان» وغَيرُهم مِنْ العِراقيِّينَ، وعِبارةُ الجُرجانِيِّ في تَحريرِه: إذا انهدَمَتِ الدارُ المَوقوفةُ لم يَجُزْ بَيعُها قَولًا واحِدًا، وجزَمَ به مِنْ المَراوِزةِ القاضي حُسينٌ فقال: لو خَرِبَ الوَقفُ لا يَجوزُ بَيعُه، بل يَكونُ وَقفًا بحالِهِ أبدًا، خِلافًا لأحمدَ، وكذا قالَ الفُورانِيُّ في «الإبانَة».
وقالَ الخَوارزمِيُّ في «كافيهِ»: والدارُ المَوقوفةُ إذا انهَدمَتْ وخَرِبتْ وتَعطَّلتْ مَنافِعُها لا يَجوزُ بَيْعُها، ولا يَجوزُ نَقلُ شيءٍ منها إلى مَوضِعٍ آخَرَ.
وقالَ الصَّيمَريُّ في «شَرح الكِفايةِ»: بَيعُ المَوقوفِ حَرامٌ مُطلَقًا، سَواءٌ قُلنا: «المَوقوفُ عليه ملَكَ رَقبةِ الوَقفِ» أَمْ لا.
فهذه كُتبُ المَذهبِ مِنْ الطَّريقَينِ شاهِدةٌ بخِلافِ ما ذكَرَه الرَّافعيُّ، فظهَرَ أنَّ الإمامَ مُنفرِدٌ بنَقلِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، والرَّافعيُّ مُنفرِدٌ بذِكرِ الخِلاف في المُنهدِمةِ، وباقتِضاءِ كلامِه التَّصحيحَ فيها، وفي المُشرِفةِ
بالجَوازِ، على أنَّ الإمامَ لمَّا حَكى الخِلافَ في المُشرِفةِ عَزَا للأكثَرينَ المَنعَ، فقالَ: ومِمَّا يَتَّصلُ بهذا الأصلِ أنَّ مَنْ وقَفَ دارًا فأشرَفَتْ على الخَرابِ وعَرَفْنا أنها لو انهدَمَتْ عَسُرَ رَدُّها وإقامَتُها ذهَبَ الأكثَرونَ إلى مَنعِ البَيعِ، وجوَّزَه مُجَوِّزونَ. اه، وعليه اعتَمدَ الرافِعيُّ في حِكايةِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، لكِنَّه زادَ في الإلباسِ، فاقتَضَى كَلامُه تَصحيحَ الجَوازِ فيها وفي المُنهَدِمةِ، وأمَّا حِكايتُه الخِلافَ في المُنهدِمةِ فكأنهُ إذا جازَ بَيعُ المُشرِفةِ على رَأيٍ فبَيعُ المُنهدِمةِ أَولَى، وقالَ السُّبكيُّ وغَيرُه: إنَّ منْعَ بَيعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القائِلينَ بالاستِبدالِ، ويُمكِنُ حَملُ كَلامِ القَائلِ بالجَوازِ على البِناءِ خاصَّةً كما أشارَ إليه ابنُ المُقرِي في «الرَّوض» بقَولِه: «وجِدارِ دارِه المُنهدِمِ»، وهذا الحَملُ أسهَلُ مِنْ تَضعيفِه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقالَ مالكٌ والشَّافِعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «لا يُباعُ أَصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ (٢).
وقد تقدَّمَ الكَلامُ عليهِ في حُكمِ بَيعِ الوَقفِ.
(١) «فتاوى الرملي» (١/ ٣٥٦، ٣٥٧).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «المبدع» (٥/ ٣٥٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠٠، ١٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٨٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.