الوقف على المباح

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على المباح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الوقف على المباح - الأقوال والأدلة

الوَقفُ على المُباحِ:

قدْ تقدَّمَ الكَلامُ أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ على جِهةِ بِرٍّ وقُربَةٍ عند بَعضِ العُلماءِ كالحَنفيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، لكنْ نَظرًا لأَهمِّيةِ هذه المَسألةِ أَفرَدْتُ ذِكرَها، وهي حُكمُ الوَقفِ على مُباحٍ، فأكثَرُ مَنْ شدَّدَ في عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على المُباحِ هو شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وتِلميذُه ابنُ القَيِّمِ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: الأصلُ أنَّ كلَّ ما شُرِطَ مِنْ العَملِ في الوُقوفِ التي تُوقَفُ على الأعمالِ فلا بُدَّ أنْ يَكونَ قُربةً، إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستحبًّا، أمَّا اشتِراطُ عَملٍ مُحرَّمٍ فلا يَصحُّ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل كذلكَ المَكروهُ وكذلكَ المُباحُ على الصَّحيحِ …

إذا كانَتْ شُروطُ الواقفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ، فإنه لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ.

وإنْ شرَطَ مُباحًا لا قُربةَ فيهِ كانَ أيضًا باطِلًا؛ لأنه شرَطَ شَرطًا لا مَنفعةَ فيهِ لا له ولا للمَوقوفِ عليه، فإنه في نَفسِه لا يَنتفعُ إلا بالإعانةِ على البِرِّ والتَّقوَى.

وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنه يَنتفعُ بتَناوُلِ المُباحاتِ في حَياتِه.

وأمَّا الواقفُ والمُوصِي فإنهما لا يَنتفعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه مِنْ المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلكَ

في الآخِرةِ، فلو بذَلَ المالَ في ذلكَ عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيهِ حُجَّةٌ على تَناوُلِ المالِ، فكيفَ إذا أَلزَمَ بمُباحٍ لا غرَضَ له فيهِ؟! فلا هو يَنتفعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسَخَّرٌ مُعَذَّبٌ آكِلٌ لِلمالِ بالباطِلِ.

وإذا كانَ الشارعُ قد قالَ: «لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلمْ يُجوِّزْ بَذْلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيهِ مَنفعةٌ كما في المُصارَعةِ والمُسابَقةِ على الأقدامِ، فكيفَ يَبذلُ العِوضَ المُؤبَّدَ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيهِ؟! لا سِيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيفَ يحبسُ المالَ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفعُ به العامِلُ؟! فيَكونُ في ذلكَ ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَتْ لأحَدٍ، وفي ذلكَ ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيهِ مُسخَّرونَ يَعوقُهُم عن مَصالِحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصلُ له ولا لهم (١).

وقد قسَّمَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه شُروطَ الواقِفينَ إلى أربَعةِ أقسامٍ:

١ - شُروطٌ مُحرَّمةٌ في الشَّرعِ.

٢ - وشُروطٌ مَكروهةٌ للهِ تعالى ورَسولِه .

٣ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ ترْكَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه.

٤ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ فِعلَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ تعالى ورَسولِه.

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٤٨، ٥٠).

قالَ ابنُ القَيِّمِ: فالأقسامُ الثَّلاثةُ الأُوَلُ لا حُرمةَ لها ولا اعتِبارَ، والقِسمُ الرَّابعُ هو الشَّرطُ المُتَّبَعُ الواجِبُ الاعتِبارِ.

وقد أبطَلَ النبيُّ هذه الشُّروطَ كلَّها بقَولِه: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهو ردٌّ» (١)، وما رَدَّه رسولُ اللهِ لم يَجُزْ لأحَدٍ اعتِبارُه ولا الإلزامُ به وتَنفيذُه، ومَن تَفطَّنَ لتَفاصيلِ هذه الجُملةِ التي هيَ مِنْ لَوازِمِ الإيمانِ تَخلَّصَ بها مِنْ آصارٍ وأغلالٍ في الدُّنيا، وإثمٍ وعُقوبةٍ ونَقصِ ثَوابٍ في الآخِرةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (٢).

قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ وغَيرِه أنَّ الشَّرطَ المُباحَ الذي لا يَظهرُ قَصدُ القُربةِ منه يَجبُ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ.

قالَ الحارِثيُّ: وهو ظاهِرُ كَلامِ الأصحابِ، والمَعروفُ في المَذهبِ الوُجوبُ، قالَ: وهو الصَّحيحُ.

وقالَ في «الفائِق»: وقالَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ رحمة الله عليه: يُخَرَّجُ مِنْ شَرطِ كَونِه قُربةً اشتِراطُ القُربةِ في الأصلِ، يَلزمُ الشُّروطَ المُباحةَ. انتهى.

وقالَ في «الفُرُوع»: واختارَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ- لُزومَ العملِ بشَرطٍ مُستحَبٍّ خاصَّةً، وذكَرَهُ صاحِبُ «المَذهَب»؛ لأنه لا يَنفعُه ويُعذرُ عليه، فبَذلُ المالِ فيهِ سَفهٌ ولا يَجوزُ. انتهى

(١) أخرجه مسلم (١٧١٨).
(٢) «إعلام الموقعين» (٣/ ٩٧، ٩٨).

قالَ الحارِثيُّ: ومِن مُتأخِّري الأصحابِ مَنْ قالَ: لا يَصحُّ اشتِراطُه -يَعني المُباحَ- في ظاهِرِ المَذهبِ وعلَّلَه، قالَ: وهذا له قوَّةٌ على القَولِ باعتِبارِ القُربةِ في أصلِ الجِهةِ كما هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإياه أرادَ بقَولِه: «في ظاهِرِ المَذهبِ» فيما أَرى، ويُؤيِّدُه مِنْ نَصِّ الإمامِ أحمَدَ، وذكَرَ النَّصَّ في الوَصيةِ. انتهى

والظاهِرُ أنه أرادَ بقَولِه: «مِنْ مُتأخِّري الأصحابِ» الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ رحمة الله عليه، وكانَ في زَمنِه، وفي كَلامِ صاحِبِ «الفُرُوع» إيماءٌ إلى ذلكَ.

وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا: الشَّرطُ المَكروهُ باطِلٌ اتِّفاقًا (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفْضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو إمَّا واجِبٌ وإمَّا مُستحَبٌّ، فأمَّا المُحافَظةُ على بَعضِ الشُّروطِ مع فَواتِ المَقصودِ بالشُّروطِ فلا يَجوزُ (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ، كما سبَقَ مُفصَّلًا، فيَجوزُ الوَقفُ على المُباحِ عندَهُم (٣).

(١) «الإنصاف» (٤/ ٥٣، ٥٥)، ويُنظَر: «الفروع» (٤/ ٤٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٨١، ٣٨٢)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٦، ٣٢٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣١، ٣٣٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١٦).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٨)، و «الشرح الصغير» (٩/ ١٣٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١١٤)، «الأشباه والنظائر» ص (٤٩)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٣)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 253 - 256

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده