ب- وقف الإمام والسلاطين

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ب- وقف الإمام والسلاطين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 39 دقيقة قراءة

ب- وقف الإمام والسلاطين - الأقوال والأدلة

إلى أنَّ وقْفَ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولا يَنفذُ وإنْ أجازَهُ المالِكُ كبَيعِه.

قالَ المالِكيةُ: وَقفُ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولو أجازَهُ المالِكُ؛ لخُروجِه بغَيرِ عِوضٍ، بخِلافِ بَيعِه فصَحيحٌ؛ لخُروجِه بعِوضٍ، ومِثلُ وَقفِ الفُضوليِّ هِبتُه وصَدَقتُه وعِتقُه فهو باطِلٌ ولو أجازَهُ المالِكُ (١).

ب- وَقفُ الإمامِ والسَّلاطِينِ:

ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ وَقفِ الإمامِ في الجُملةِ مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينَ على الخَيراتِ ومَصالحِ المُسلمينَ.

قالَ الحَنفيةُ: ولو وقَفَ السُّلطانُ مِنْ بَيتِ مالِنا لمَصلحةٍ عَمَّتْ كالوَقفِ على المَسجدِ فإنه يَجوزُ ويُؤجَرُ، بخِلافِه على مُعيَّنٍ وأولادِه فإنه لا يَصحُّ وإنْ جعَلَ آخِرَه للفُقراءِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ هو لمَصالحِ المُسلمينَ، فإذا أبَّدَه على مَصرِفِه الشَّرعيِّ يُثابُ، لا سِيَّما إذا كانَ يَخافُ عليه أُمراءَ الجَورِ الذينَ يَصرفونَه في غَيرِ مَصرِفِه الشَّرعيِّ، فيَكونُ قد منَعَ مَنْ يَجيءُ مِنهم ويَتصرَّفُ ذلكَ التَّصرفَ.

وكذا يَصحُّ إِذنُه بذلكَ إنْ فُتحَتْ عُنوَةً لا صُلحًا؛ لبَقاءِ مِلكِ مالِكِها قبلَ الفَتحِ (٢).

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٦)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٣١).
(٢) «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤).

وفي حاشِيَةِ العلَّامةِ ابنِ عابدِينَ الحَنفيِّ رحمة الله عليه على «الدُّر» أنَّ أوقافَ المُلوكِ والأُمراءِ إنْ عُلِمَ مِلكُهم لها بالشِّراءِ صَحَّ وَقفُهم لها ورُوعِيَ فيهِ شَرطُ الوَقفِ، وإنْ لم يُعلَمْ شِراؤُهم لها ولا عَدمُه فالظَّاهرُ أنه لا يُحكَمُ بصِحةِ وَقفِها؛ لأنه لا يَلزمُ مِنْ وَقفِهم لها مِلكُهم لها، بل يُحكَمُ بأنَّ ذلكَ السُّلطانَ الذي وقَفَها أَخرجَها مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَها لمُستحِقِّيها مِنْ العُلماءِ والطَّلبةِ ونَحوِهم عَونًا لهم على وُصولِهم إلى بَعضِ حقِّهِم مِنْ بَيتِ المالِ، فهو إرصادٌ لا وَقفٌ حَقيقةً، فلِهذا أَفتَى علَّامةُ الوُجودِ المَولَى أبو السُّعودِ مُفتِي السَّلطَنةِ السُّلَيمانيةِ بأنَّ أوقافَ المُلوكِ والأُمراءِ لا يُراعَى شَرطُها؛ لأنها مِنْ بَيتِ المالِ أو تَرجِعُ إليهِ، وإذا كانَ كذلكَ لا يَجوزُ الإحداثُ إذا كانَ المُقرَّرُ في الوَظيفةِ أو المُرتَّبُ مِنْ مَصاريفِ بَيتِ المالِ.

قالَ ابنُ عابِدينَ: ولا يَخفى أنَّ المَولَى أبا السُّعودِ أَدرَى بحالِ أوقافِ المُلوكِ، ومِثلُه في «المَبسُوط» مِنْ أنَّ السُّلطانَ يَجوزُ له مُخالَفةُ الشَّرطِ إذا كانَ غالِبُ جِهاتِ الوَقفِ قُرًى ومَزارِعَ؛ لأنَّ أصلَها لبَيتِ المالِ. اه، يَعني: إذا كانَتْ لبَيتِ المالِ ولَم يُعلَمْ مِلكُ الواقفِ لها فيَكونُ ذلكَ إرصادًا لا وَقفًا حَقيقةً، أي أنَّ ذلكَ السُّلطانَ الذي وقَفَه أخرَجَه مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَهُ لمُستحِقِّيه مِنْ العُلماءِ والطَّلَبةِ ونَحوِهم عَونًا لهم على وُصولِهم إلى بَعضِ حقِّهِم مِنْ بَيتِ المالِ.

ولذا لمَّا أرادَ السُّلطانُ نِظامُ المَملَكةِ بَرْقوقُ في عامِ نَيِّفٍ وثَمانينَ وسَبعِمِائةٍ أنْ يَنقضَ هذه الأوقافَ لكونِها أُخِذتْ مِنْ بَيتِ المالِ وعقَدَ لذلكَ

مَجلِسًا حافِلًا حضَرَه الشَّيخُ سِراجُ الدِّينِ البَلقينيُّ والبُرهانُ ابنُ جَماعةَ وشَيخُ الحَنفيةِ الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ شارِحُ «الهِدايَة»، فقالَ البَلقينيُّ: ما وُقفَ على العُلماءِ والطَّلَبةِ لا سَبيلَ إلى نَقضِه؛ لأنَّ لهم في الخُمسِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وما وُقفَ على فاطِمةَ وخَديجةَ وعائِشةَ يُنقضُ، ووافَقَه على ذلكَ الحاضِرونَ كما ذكَرَه السُّيُوطيُّ في «النَّقْل المَستُور في جَوازِ قَبضِ مَعلومِ الوَظائِفِ بلا حُضورٍ».

ثمَّ رَأيتُ نَحوَه في «شَرح المُلتَقى»، ففي هذا صَريحٌ بأنَّ أوقافَ السَّلاطِينِ مِنْ بَيتِ المالِ إرصادَاتٌ لا أوقافٌ حَقيقةً، وأنَّ ما كانَ منها على مَصاريفِ بَيتِ المالِ لا يُنقضُ، بخِلافِ ما وقَفَه السُّلطانُ على أولادِه أو عُتَقائِه مثلًا، وأنه حيثُ كانَتْ أرصادًا لا يَلزمُ مُراعاةُ شُروطِها؛ لعَدمِ كَونِها وَقفًا صَحيحًا، فإنَّ شرْطَ صِحتِه مِلكُ الواقفِ، والسُّلطانُ بدونِ الشِّراءِ مِنْ بَيتِ المالِ لا يَملكُه.

وقد عَلِمْت مُوافَقةَ العَلَّامةِ الأكمَلِ على ذلكَ، وهو مُوافِقٌ لِما مَرَّ عن «المَبسُوط» وعن المَولى أبي السُّعودِ، ولِما سَيذكُرُه الشَّارحُ في الوَقفِ عن «النَّهْر» مِنْ أنَّ وقْفَ الإقطاعاتِ لا يَجوزُ إلا إذا كانَتْ أرضًا مَواتًا أو مِلكًا للإمامِ فأقطَعَها رَجلًا، وهذا خِلافُ ما في «التُّحْفَة المَرْضِيَّة» عن العَلَّامةِ قاسِمٍ مِنْ أنَّ وقْفَ السُّلطانِ لأرضِ بَيتِ المالِ صَحيحٌ.

قُلتُ: ولعلَّ مُرادَه أنه لازِمٌ لا يُغيَّرُ إذا كانَ على مَصلحةٍ عامَّةٍ، كما نقَلَ الطَّرسوسيُّ عن قاضِيخَان مِنْ أنَّ السُّلطانَ لو وقَفَ أرضًا مِنْ بَيتِ مالِ المُسلمينَ على مَصلحةٍ عامَّةٍ للمُسلمينَ جازَ.

قالَ ابنُ وَهْبانَ: لأنه إذا أبَّدَهُ على مَصرِفِه الشَّرعِيِّ فقدْ منَعَ مَنْ يَصرِفُه مِنْ أُمَراءِ الجَورِ في غَيرِ مَصرِفِه اه.

فقدْ أفادَ أنَّ المُرادَ مِنْ هذا الوَقفِ تَأبيدُ صَرفِه على هذه الجِهةِ المُعيَّنةِ التي عَيَّنَها السُّلطانُ مِمَّا هو مَصلحةٌ عامَّةٌ، وهو معنَى الإرصادِ السَّابقِ، فلا يُنافي ما تقدَّمَ، واللهُ سُبحانَه أعلَمُ (١).

إلا أنهُم لم يُجَوِّزُوا وقْفَ الإقطاعَاتِ -وهي ما يُعطيهِ الإمامُ مِنْ الأراضي رَقَبةً أو مَنفعةً لمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ- إلَّا إذا كانَتِ الأرضُ مَواتًا أو مِلكًا للإمامِ فأقطَعَها رَجلًا، فلو وقَفَ أرضًا أقطَعَه إيَّاها السُّلطانُ فإنْ كانَتْ مِلكًا له أو مَواتًا صَحَّ، وإنْ كانَتْ مِنْ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ، وأغْلَبُ أوقافِ الأُمَراءِ بمِصرَ إنَّما هِي إقطاعَاتٌ يَجعلونَها مُشتراةً صورَةً مِنْ وَكيلِ بَيتِ المالِ.

ولا يَجوزُ وَقفُ أرضِ الحَوزِ للإمامِ؛ لأنه ليس بمالِكٍ لها، وكذا لو وقَفَها مَنْ أدخَلَهُ السُّلطانُ فيها لِعِمارَتِها لا يَصحُّ؛ لكونِهِ مُزارِعًا لمالِكِها.

وتَفسيرُ أرضِ الحَوزِ: أرضٌ عجَزَ صاحِبُها عن زِراعَتِها وأداءِ خَراجِها فدفَعَها إلى الإمامِ لتَكونَ مَنافِعُها جَبْرًا للخَراجِ (٢).

وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قَولُه: (وأمَّا وَقفُ الإقطاعاتِ … إلخ)

(١) «ابن عابدين» (٤/ ١٨٣، ١٨٤).
(٢) «الإسعاف» ص (٢٠، ٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٣)، و «النهر الفائق» (٣/ ٣١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٣).

هي ما يُقطِعُه الإمامُ، أي يُعطيهِ مِنْ الأراضي رَقَبةً أو مَنفعةً لمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ.

وحاصِلُ ما ذكَرَهُ صاحِبُ «البَحْر» في رِسالَتِه «التُّحْفَة المَرضِيَّة في الأَراضي المِصرِيةِ» أنَّ الواقفَ لأرضٍ مِنْ الأراضي لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ مالِكًا لها مِنْ الأصلِ بأنْ كانَ مِنْ أَهلِها حينَ يَمُنُّ الإمامُ على أهلِها، أو تَلَقَّى المِلكَ مِنْ مالِكِها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ أو غَيرِهما، فإنْ كانَ الأوَّلَ فلا خَفاءَ في صِحةِ وَقفِه؛ لوُجودِ مِلكِه، وإنْ كانَ الواقفُ غَيرَهما فلا يَخْلو: إمَّا إنْ وصَلَتْ إلى يَدِه بإقطاعِ السُّلطانِ إيَّاها له أو بشِراءٍ مِنْ بَيتِ المالِ مِنْ غيرِ أنْ تَكونَ مِلكَه، فإنْ كانَ الأولَ فإنْ كانَتْ مَواتًا أو مِلكًا للسُّلطانِ صَحَّ وَقفُها، وإنْ كانَتْ مِنْ حقِّ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ.

قالَ الشَّيخُ قاسِمٌ: إنَّ مَنْ أقطَعَه السُّلطانُ أرضًا مِنْ بَيتِ المالِ ملَكَ المَنفعةَ بمُقابَلةِ ما أعَدَّ له، فلَهُ إجارَتُها، وتَبطلُ بمَوتِه أو إخراجِه مِنْ الإقطاعِ؛ لأنَّ للسُّلطانِ أنْ يُخرِجَها منه. اه

وإنْ وصَلَتِ الأرضُ إلى الواقفِ بالشِّراءِ مِنْ بَيتِ المالِ بوَجهٍ مَسوغٍ فإنَّ وقْفَه صَحيحٌ؛ لأنه ملَكَها، ويُراعَى فيها شُروطُه، سَواءٌ كانَ سُلطانًا أو أميرًا أو غَيرَهما، وما ذكَرَهُ السُّيوطِيُّ مِنْ أنه لا يُراعَى فيها الشَّرائِطُ إنْ كانَ سُلطانًا أو أميرًا فمَحمولٌ على ما إذا وصَلَتْ إلى الواقفِ بإقطاعِ السُّلطانِ مِنْ بَيتِ المالِ، أو بِناءً على أصلٍ في مَذهبِه، وإنْ كانَ الواقفُ لها السُّلطانَ مِنْ بَيتِ المالِ مِنْ غيرِ شِراءٍ، فأفتَى العَلَّامةُ قاسِمٌ بأنَّ الوَقفَ صَحيحٌ،

أجابَ به حينَ سُئِلَ عن وَقفِ السُّلطانِ جَقْمَقَ، فإنه أرصَدَ أرضًا مِنْ بَيتِ المالِ على مَصالحِ مَسجِدٍ، وأَفتَى بأنَّ سُلطانًا آخَرَ لا يَملكُ إبطالَه. اه حاصِلُ ما في الرِّسالَةِ.

قلتُ: وما أَفتى به العَلَّامةُ قاسِمٌ مُشكِلٌ؛ لِما تقدَّمَ مِنْ أنها إنْ كانَتْ مِنْ حقِّ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ، وكذا ما سَيَذكرُه الشَّارحُ في فُروعِ الفَصلِ الآتي عن «المَبسُوط» مِنْ أنَّ للسُّلطانِ مُخالَفةَ شَرطِ الواقفِ إذا كانَ غالِبُ جِهاتِ الوَقفِ قُرًى ومَزارعَ؛ لأنَّ أصلَها لبَيتِ المالِ، أي: فلم تَكنْ وَقفًا حَقيقةً، بل هي أرصادٌ أخرَجَها الإمامُ مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَها لمَن يَستحِقُّ منه مِنْ العُلماءِ ونَحوِهم كما أوضَحناهُ في بابِ العُشرِ والخَراجِ والجِزيةِ، وقَدَّمْنا هُناكَ أنه إذا لم يُعلَمْ شِراؤُه لها ولا عَدمُه فالظَّاهِرُ أنه لا يُحكَمُ بصِحَّةِ وَقفِها؛ لأنَّ شرْطَه المِلكُ ولمْ يُعلَمْ، ولا يَلزمُ عِلمُه مِنْ وَقفِهِ لها؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُها لبَيتِ المالِ كما يُفيدُه المَذكورُ عن «المَبسُوط» (١).

وقالَ المالِكيةُ: وَقفُ السَّلاطينِ على الخَيراتِ صَحيحٌ مع عَدمِ مِلكِهم لِما حَبَسوهُ؛ لأنَّ السُّلطانَ وَكيلٌ عن المُسلمينَ، فهو كوَكيلِ الواقفِ.

قالَ الدُّسوقِيُّ رحمة الله عليه: وما ذكرَ مِنْ صِحةِ تَحبيسِهم نقَلَه ابنُ عَرفةَ عن سَماعِ مُحمدِ بنِ خالِدٍ، لَكنْ تأوَّلَه القَرافِيُّ في «الفُرُوق» على ما إذا حبَسَ المُلوكُ مُعتقِدينَ فيهِ أنهم وُكَلاءُ المُلَّاكِ، فإنْ حَبَسوهُ مُعتقِدينَ أنه مِلكُهم

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤).

بطَلَ تَحبيسُهم، وبذلكَ أَفتَى العَبدوسِيُّ، ونقَلَه ابنُ غازي في «تَكمِيل التَّقييدِ» (١).

وقالَ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ: قالَ: إذا وقَفَ المُلوكُ وَقفًا على جِهةٍ وهُم مُتمكِّنونَ مِنْ تَمليكِها لتلكَ الجِهةِ شَرعًا جازَ كالرُّبَطِ والمَدارسِ، وإنْ لم يَكونوا مُتَمكِّنينَ كإنفاقِهم على دَراريهِم لم يَصحَّ؛ لأنَّ مَنْ تَعذَّرَ تَمليكُه تَعَذَّرَ إنفاقُه بطَريقِ الأَولى، فإنْ وَقَفوا على مَدرسةٍ أكثَرَ مِمَّا يُحتاجُ بطَلَ فيما زادَ فقط؛ لأنهم مَعزولونَ عن التَّصرُّفِ إلا على وَجهِ المَصلحةِ، والزَّائدُ لا مَصلحةَ فيه فهو مِنْ غيرِ مُتَوَلٍّ فلا يَنفذُ.

وإنْ وَقَفوا أموالَ الزَّكاةِ على جِهاتِها لم يَجُزْ؛ لِما فيهِ مِنْ التَّحجيرِ على الفُقراءِ.

فإنْ غَصَبوا أموالًا يُوقِفونَها على المَصالِحِ العامَّةِ أو الخاصَّةِ فإنْ وَقَفوا عَيْنَ المَغصوبِ أو اشتَرَوا به مُعاطَاةً لم يَصحَّ الوَقفُ، وإنْ كانَ على الذِّمةِ لم يَضمَنْ مَنِ انتَفعَ بذلكَ العينَ المُشتراةَ بخِلافِ الأوَّلِ، وهل يَغرمُ السُّلطانُ لأنه أفسَدَ أو لا يَغرَمُ لأنه ما انتَفعَ به في نَفسِه؟ فيه نظَرٌ، وهذا الفَرعُ يُخالِفُ قَواعِدَنا في بَيعِ المُعاطاةِ، فإنه عندنا مَتى كانَ بالدَّنانيرِ أو الدَّراهِمِ فإنها لا تَتعيَّنُ، وهو كالعَقدِ على الذِّمةِ سَواءٌ، وكذلكَ إذا لم يَنتفِعِ السُّلطانُ ضَمِنَ؛ لأنه غاصِبٌ يَضمَنُ وإنْ لم يَنتفِعْ (٢).

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٣٠).
(٢) «الذخيرة» (٦/ ٣٣٧).

وقالَ في «الفُرُوق»: المَسألةُ الرَّابعةُ: وقَعَ في كِتابِ «البَيان والتَّحصيل» لأبي الوَليدِ ابنِ رُشدٍ مِنْ أصحابِنا رحمة الله عليه ما ظاهِرُه أنَّ للإمامِ أنْ يُوقِفَ وَقفًا على جِهةٍ مِنْ الجِهاتِ، ووقَعَ للشافِعيةِ رحمهم الله مِثلُ ذلكَ، ومُقتَضَى ذلكَ أنَّ أوقافَهُم -أعني المُلوكَ والخُلَفاءَ- إذا وقَعَتْ على وَجهِ الصِّحةِ والأوضاعِ الشَّرعيةِ لمَصالِحِ المُسلِمينَ أنها تَنفذُ، ولا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَتناوَلَ منها شيئًا إلَّا إذا قامَ بشَرطِ الواقفِ، ولا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُطلِقَ ذلكَ الوَقفَ بعد ذلكَ لمن لم يَقُمْ بذلكَ الوَقفِ، فقد صارَ ذلكَ الشَّرطُ لازِمًا للنَّاسِ وللإمامِ كسائِرِ الأوقافِ، فليسَ للإمامِ تَحويلُه عن تِلكَ الجِهةِ وإطلاقُه لمَن لم يَقُمْ بتِلكَ الوَظيفةِ.

فإنْ وَقَفوا على أولادِهم أو جِهاتِ أقارِبِهم لهَواهُم وحِرصِهم على حَوزِ الدُّنيا لهم وذَراريهِم واتِّباعًا لغَيرِ الأوضاعِ الشَّرعيةِ لم يَنفذْ هذا الوَقفُ، وحَرُمَ على مَنْ وُقِفَ عليه تَناولُه بهذا الوَقفِ، وللإمامِ انتِزاعُه منه وصَرفُه له ولغَيرِه على حَسَبِ ما تَقتضيهِ مَصالِحُ المُسلِمينَ، وأمَّا الوَقفُ الأوَّلُ فهو باطِلٌ، ومَن تَناولَ منه شيئًا بهذا الوَقفِ كانَ للإمامِ أخذُه منه، وله وَقفُ هذه الجِهةِ على جِهةٍ أُخرى على الأوضاعِ الشَّرعيةِ، ولو صَحَّ الوَقفُ الأولُ لِمُصادَفتِه للأوضاعِ الشَّرعيةِ لم يَكنْ للإمامِ تَحويلُه.

فإنْ قُلتَ: فإنْ وقَفَ على وَلدِه بعضَ أراضي المُسلِمينَ وقُراهُم أو أحَدٍ مِنْ أقارِبِه واشتَرَى ذلكَ مِنْ مالِه الذي اكتَسَبَه في زَمَنِ مَملكَتِه، هل يَصِحُّ ذلكَ الوَقفُ أم لا؟

قلتُ: المُلوكُ فُقراءُ مَدينُونَ بسَببِ ما جَنَوهُ على المُسلِمينَ مِنْ تَصرُّفاتِهم في أموالِ بَيتِ المالِ بالهَواءِ في أبنِيةِ الدُّورِ العالِيةِ المُزخرَفةِ والمَراكِبِ النَّفيسَةِ والأطعِمةِ الطَّيبةِ وإعطاءِ الأصدِقاءِ والمُزاحِ بالباطِلِ مِنْ أموالٍ وغيرِ ذلكَ مِنْ التَّصرُّفاتِ المَنهيِّ عنها شَرعًا، فهذه كلُّها دُيونٌ عليهم فتَكثُرُ مِنْ تَطاوُلِ الأيَّامِ، فيَتعذَّرُ بسَببِها أمرانِ:

أحَدُهما: الأوقافُ والتَّبرعاتُ والبُيوعاتُ على مَذهبِ مالِكٍ رحمة الله عليه ومَن وافَقَه، فإنَّ تَبَرُّعاتِ المَديونِ المُتأخِّرَةَ عن تَقرُّرِ الدَّينِ باطِلةٌ، فيَتخرَّجُ ذلكَ على هذا الخِلافِ.

وثانيهِما: الإِرْثُ؛ لانه لا مِيراثَ مع الدَّينِ إجماعًا فلا يُورَثُ عنهم شيءٌ، وما تَرَكوهُ مِنْ المَماليكِ لا يَنفذُ عِتقُ الوارِثِ فيهم، بل هُمْ أموالُ بَيتِ المالِ مُستَحقُّونَ بسببِ ما عليهم مِنْ الدَّينِ، فلا يَنفذُ فيهم إلَّا عِتقُ مُتَولِّي بَيتِ المالِ على الوَجهِ الشَّرعيِّ، وإعتاقُهم لغَيرِ مَصلحةِ المُسلمينَ لا يَجوزُ، فإنْ وَقَفوا وَقفًا على جِهاتِ البِرِّ والمَصالِحِ العامَّةِ ونَسَبوهُ لأنفُسِهم بِناءً على أنَّ المالَ الذي في بَيتِ المالِ لهم كما يَعتقِدُه جَهَلةُ المُلوكِ بطَلَ الوَقفُ، بل لا يَصحُّ إلا أنْ يُوقِفُوا مُعتقِدينَ أنَّ المالَ للمُسلمينَ والوَقفَ للمُسلمينَ، أمَّا إنَّ المالَ لهم والوَقفَ لهم فلا، كمَن وقَفَ مالَ غَيرِه على أنه له فلا يَصحُّ الوَقفُ، فكذلكَ هاهُنا (١).

(١) «الفروق» (٣/ ١١، ١٢).

وأمَّا الشافِعيةُ فقدْ اختَلَفوا في حُكمِ وَقفِ الإمامِ شيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ على جِهاتِ الخيرِ أو على أولادِهم، فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ عندَهُم أنه يَجوزُ الوَقفُ ولو على أولادِهِم.

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: واستَثنَى مِنْ اعتِبارِ المِلكِ وقْفَ الإمامِ شيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ، فإنه يَصحُّ كما صَرَّحَ به القاضي حُسينٌ وإنْ تَوقَّفَ فيه السُّبكيُّ، سَواءٌ أكانَ على مُعيَّنٍ أم جِهةٍ عامَّةٍ، وأفتَى به المُصَنِّفُ وأَفتَى به أبو سَعيدٍ ابنُ أبي عَصرونَ للسُّلطانِ نورِ الدِّينِ الشَّهيدِ مُتَمسِّكًا بوَقفِ عُمرَ رضي الله عنه سَوادَ العِراقِ، ونقَلَه ابنُ الصَّلاحِ في فَوائدِ حُلَّتِه عن عَشرةٍ أو يَزيدونَ ثُمَّ وافَقَهُم على صِحَّتِه، ونقَلَ صاحِبُ «المَطْلَب» في بابِ قَسْمِ الفَيءِ والغَنيمةِ صِحَّتَه عن النَّصِّ، وفي «الشَّرح» و «الرَّوضَة» لو رَأَى الإمامُ وقْفَ أرضِ الغَنيمةِ كما فعَلَ عُمرُ رضي الله عنه جازَ إذا استَطابَ قُلوبَ الغانِمينَ في النُّزولِ عنها بعِوضٍ أو بغَيرِه (١).

وقالَ الرَّملِيُّ رحمة الله عليه: يَصحُّ وَقفُ الإمامِ نحوَ أراضي بَيتِ المالِ على جِهةٍ ومُعيَّنٍ على المَنقولِ المَعمولِ به، بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ في ذلكَ؛ إذْ تَصرُّفُه فيهِ مَنوطٌ بها كوَلِيِّ اليَتيمِ، ومِن ثَمَّ لو رَأى تَمليكَ ذلكَ لهم جازَ (٢).

وقالَ البَيجُوريُّ رحمة الله عليه: يَصحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ ولو على أولادِه خِلافًا للجَلالِ السُّيوطِيِّ ومَن تَبِعَه (٣).

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٣، ٤٥٤).
(٢) «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٧).
(٣) «حاشية البيجوري على شرح العلامة ابن قاسم الغزي» (٢/ ٨٨).

وكذا قالَ عُمَيرةُ رحمة الله عليه: ويَصحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ على مُعيَّنٍ ولو على أولادِه أو جِهةٍ على المُعتمَدِ (١).

وقالَ الجَمَلُ: وحيثُ صحَّحَ وقْفَه لا يَجوزُ تَغييرُه، وأمَّا ما عَمَّتْ به البَلوى مِمَّا يَقعُ الآنَ كَثيرًا مِنْ الرُّزُقِ المُرصَدةِ على أماكِنَ أو على طائِفةٍ مَخصوصةٍ حيثُ تُغيَّرُ وتُجعَلُ على غيرِ ما كانَتْ مَوقوفةً عليه أوَلًا فإنه باطِلٌ ولا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه لغَيرِ مَنْ عُيِّنَ عليه مِنْ جِهةِ الواقفِ الأوَّلِ، فليُتَنبَّهْ له فإنه يَقعُ كَثيرًا، ومِن هُنا يُفرَّقُ بينَ ما هُنا وبينَ عَدمِ صِحةِ عِتقِ عَبدِ بَيتِ المالِ بأنَّ المَوقوفَ عليه هُنا مِنْ جُملَةِ المُستحِقِّينَ فيهِ كما يُصرِّحُ به قَولُه، بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ، فوَقفُه كإيصالِ الحَقِّ لمُستحِقِّه ولا كذلكَ العِتقُ نَفسُه، فإنه تَفويتٌ لِلمالِ اه …

(قَولهُ أيضًا: نعمْ، يَصِحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ) أي: على مُعيَّنٍ أو على جِهةٍ عامَّةٍ كما أَفتَى به ابنُ أَبي عُصرونَ السُّلطانَ نُورَ الدِّينِ الشَّهيدَ، لكنْ قالَ السُّبكِيُّ: أنا لا أُفتِي به ولا أحكُمُ به، والذي أَراهُ أنه لا يَجوزُ وَقفُه على شَخصٍ أو طوائِفَ خاصَّةٍ. اه … نعم يَصحُّ وَقفُ الإمامِ أراضِيَ بَيتِ المالِ على جِهةٍ ومُعيَّنٍ على المَنقولِ المَعمولِ له بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ في ذلك؛ إذْ تَصرُّفُه مَنوطٌ بالمَصلحةِ كوَليِّ اليَتيمِ، ومِن ثمَّ لو رَأَى تَمليكَ ذلكَ لهم جازَ.

(١) «حاشية قليوبي على كنز الراغبين» (٣/ ٢٣٩).

وحَيثُ صَحَّ وَقفُه فهل يَجبُ على المُباشِرِ لوَظيفةٍ مِنْ وَقفِه كقِراءَةِ دَرسِ عِلمٍ وإمامةِ مَسجِدٍ العَملُ بشَرطِهِ أو لا؟ ذهَبَ الجَلالُ السُّيوطِيُّ ومَن تَبِعَه إلى أنه لا يَجبُ عليه العَملُ بما ذكَرَه مِنْ الشُّروطِ حيثُ كانَ مُستحِقًّا في بَيتِ المالِ، وذهَبَ الرَّملِيُّ ومَن تَبِعَه إلى أنه يَجبُ عليه العَملُ بشَرطِه، ولا يَستحِقُّ المَعلومَ إلَّا إنْ باشَرَ العَملَ بنفسِه أو نائِبِه، تأمَّلْ. اه (١).

وذهَبَ العِزُّ ابنُ عَبدِ السَّلامِ والسُّبكيُّ والسُّيوطِيُّ وغَيرُهُم مِنْ الشافِعيةِ إلى عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على أولادِهِم …

قالَ الدَّميرِيُّ رحمة الله عليه: وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ: للمُلوكِ أنْ يَقفُوا ما لهم أنْ يَملكُوهُ ابتِداءً على جِهةِ الخيرِ ما تَستَحِقُّه تلكَ الجِهةُ كالمَدارِسِ والرُّبطِ، دونَ ما لا يَجوزُ لهم تَملُّكُه، كوَقفِ الضِّياعِ على أولادِهم وأُمَرَائِهِم فإنه لا يَجوزُ.

ولو وَقَفُوا على جِهةٍ أكثَرَ مِمَّا تَستحِقُّه كنِصفِ إقليمٍ على مَدرَسةٍ صَحَّ في قَدْرِ ما تَستحِقُّه دُونَ غَيرِه.

قالَ الشَّيخُ: والذي أرَاهُ أنه لا يَجوزُ أنْ يَقِفَ مِنْ بَيتِ المالِ على شَخصٍ أو أشخاصٍ، ولا على طائِفةٍ أو طوائِفَ خاصَّةٍ؛ تَمسُّكًا بقَولِ الأصحابِ: شَرطُ المَوقوفِ أنْ يَكونَ مَملوكًا للواقِفِ، والواقفُ هُنا ليس بمالِكٍ، فكَيفَ يَصِحُّ وَقفُه؟ وكذلكَ حُكمُ ما يَقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضي

(١) «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٣/ ٥٧٦، ٥٧٧).

الفَيءِ، نَصَّ عليه وجَرَى عليه الجُمهورُ، وكذلكَ ما يَقِفُه الحاكِمُ مِنْ بَدَلِ المَوقوفِ عند تَلفِه، وما يَقِفُه مِنْ ريع اشترط أن يَشتَريَ به ويُوقَفَ، فكلُّ هذا صَحيحٌ مِنْ غَيرِ أهلِ تَبرعٍ فيهِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: الأوقافُ التيمِنْ بَيتِ المالِ كأوقافِ الأُمَراءِ أو المُلوكِ فلَيستْ بأوقافٍ حَقيقةً، وإنَّما هي أوقافٌ بالصُّورَةِ، فكلُّ مَنْ له الأَكلُ مِنْ بَيتِ المالِ له التَّناولُ منها، قالَ الرُّحَيبانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ لم يُباشِرِ المَشروطَ، كما أَفتَى به صاحِبُ «المُنتَهى» مُوافَقةً للشَّيخِ الرَّملِيِّ وغَيرِه في وَقفِ جامِعِ طُولُونَ ونَحوِه، وفي «اليَنبُوع» للسُّيوطِيِّ: فرعٌ: نَذكرُ ما ذكَرَه أصحابُنا الفُقهاءُ في الوَظائِفِ المُتعلِّقةِ بأوقافِ الأُمَراءِ والسَّلاطينِ كُلِّها إنْ كانَ لها أصلٌ مِنْ بَيتِ المالِ أو تَرجعُ إليهِ، فيَجوزُ لمَن كانَ بصِفةِ الاستِحقاقِ مِنْ عالِمٍ للعُلومِ الشَّرعيةِ وطالِبِ العِلمِ كذلكَ وصُوفِيٍّ على طَريقةِ الصُّوفيةِ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ أنْ يَأكلَ ممَّا وَقَفوهُ غيرَ مُتقيِّدٍ بما شَرَطوهُ، ويَجوزُ في هذه الحالةِ الاستِنابةُ لعُذرٍ وغَيرِه، ويَتناوَلُ المَعلومَ وإنْ لم يُباشِرْ ولا استَنابَ، ومَن لم يَكنْ بصِفةِ الاستِحقاقِ مِنْ بَيتِ المالِ لم يَحِلَّ له الأكلُ مِنْ هذا الوَقفِ -ولو قرَّرَه النَّاظِرُ وباشَرَ الوَظيفةَ-؛ لأنَّ هذا مِنْ بَيتِ المالِ لا يَتحوَّلُ عن حُكمِه الشَّرعِيِّ بجَعلِ أحدٍ. انتهى (٢).

(١) «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٥، ٤٥٦).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٣٩، ٣٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٨١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٢٤).

وقالَ أيضًا: فأمَّا وَقفُ الأُمَراءِ والسَّلاطينِ فلا يَتبعُ شُروطَهم؛ لأنهم لا مِلكَ لهم؛ إذْ ما بأيديهِم إمَّا مُجتَمِعٌ مِنْ المَظالِمِ أو مِنْ الغَنائِمِ أو مِنْ الجِزيةِ أو مِنْ مالٍ لا وارِثَ له ونَحوِ ذلكَ، وعلى كُلِّ حالٍ ليس لهم ممَّا بأيديهم شيءٌ، وإنَّما هو للمُسلِمينَ يُصرَفُ في المَصالِحِ العامَّةِ، فلو اشتَرَوا مِمَّا بأيديهِم عَقاراتٍ ووَقَفوها وشَرَطوا في أوقافِهِم شُروطًا فلا يَجبُ العملُ بها، فمَنْ كانَ له حقٌّ في بَيتِ المالِ ومُنِعَ منه فله أنْ يَتناوَلَ مِنْ أوقافِهم كِفايتَه ولو لم يَعملْ بما شَرَطوهُ، إلا إنْ كانَ فيما شَرَطوهُ مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ كمُدَرِّسِ كذا مِنْ العُلومِ النافِعةِ وطالِبِ كذا منها كذلكَ، وكشَرطِهم إنْ ماتَ عن وَلدٍ وهو -أي: الوَلدُ- في مَرتَبتِه -أي: مَرتَبةِ والِدِه بأنْ يَكونَ فيهِ أهلِيةٌ للقِيامِ بوَظيفةِ أبيهِ- فالوَظيفةُ له- أي: الوَلدِ-؛ لاستِحقاقِه إيَّاها، ففي هذا كُلِّه يَجبُ العَملُ بشُروطِهم؛ إذْ في العَملِ بها مَصلحةٌ للمُسلِمينَ فيَجبُ العَملُ بها، ولا يَجبُ العَملُ بشَرطِهم إذا شَرَطوا أنَّ وَظيفةَ الوالِدِ لوَلدِه وإنْ لم يَكنْ مثلَه -أي: مثلَ والِدِه-؛ لأنَّ ذلكَ رَفعُ الشَّيءِ لغَيرِ أَهلِه ووَضعُه في غَيرِ مَحَلِّه، أو شُرِطَ لأحَدِهم أنْ يَدفَعَ كذا مِنْ رَيعِ وَقفِه لمَن يَقرَأُ الدَّرسَ مِنْ العُلومِ النَّافِعةِ في مَدرَستِه، فلا يَتعيَّنُ عليه فِعلُه في تِلكَ المَدرَسةِ، بل عليه أنْ يَقرأَ الدَّرسَ المَشروطَ في أيِّ مَوضعٍ كانَ؛ عَملًا بشَرطِ الواقفِ في الجُملةِ، أو شرَطَ أنْ يَدفعَ له كذا على أنْ يَقرأَ على قَبْرِه شيئًا مِنْ القُرآنِ في كُلِّ يَومٍ أو شَهرٍ، فلا يَجبُ العملُ بهذا الشَّرطِ؛ لأنه مُجرَّدُ غَرضٍ للواقِفِ، بل يَقرأُ في أيِّ مَوضِعٍ كانَ ويُهدي له الثَّوابَ؛

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 155 - 168

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله