الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > تخصيص المسجد بأهل مذهب بعينه أو طائفة بعينها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةأو عيَّنَ بالتَّفضيلِ واحِدًا مُعيَّنًا أو ولَدَه أو ما أشبَهَ هذا فهو على ما قالَ؛ لأنَّ ابتِداءَ الوَقفِ مُفوَّضٌ إليهِ، فكذلكَ تَفضيلُه وتَرتيبُه، وكذلكَ إنْ شرَطَ إخراجَ بَعضِهم بصِفةٍ ورَدَّه بصِفةٍ مِثل أنْ يَقولَ: «مَنْ تَزوَّجَ مِنهم فله ومَن فارَقَ فلا شيءَ له، أو عكْسَ ذلكَ، أو مَنْ حَفظَ القُرآنَ فله ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له، ومَن اشتَغلَ بالعِلمِ فله ومَن ترَكَ فلا شيءَ له، أو مَنْ كانَ على مَذهبِ كذا فله ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له» فكلُّ هذا صَحيحٌ على ما شرَطَ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةٌ على بَنيهِ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِهِ أنْ تَسكنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ»، وليسَ هذا تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل الوَقفُ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له بصِفةٍ، وكلُّ هذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (١).
٤ - تَخصيصُ المَسجدِ بأهلِ مَذهبٍ بعَينِه أو طائِفةٍ بعَينِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شرَطَ الواقِفُ في المَسجدِ الذي أوقَفَه أنْ يَختصَّ به جَماعةٌ أو طائِفةٌ مُعيَّنةٌ أو أهلُ مَذهبٍ مُعيَّنٍ، هل يَختصُّ بهم أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنه إذا شرَطَ الواقفُ في ابتِداءِ وَقفِ المَسجدِ اختِصاصَه بطائِفةٍ كالشافِعيةِ اختَصَّ بهم؛ رِعايةً
(١) «المغني» (٥/ ٣٦٠)، و «الإنصاف» (٧/ ٥٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٥، ٣٥٦).
لغَرضِ الواقفِ واتِّباعًا لشَرطِه وقَطعًا للنِّزاعِ في الشَّعائرِ، فلا يُصلِّي فيه ولا يَعتكِفُ فيهِ غَيرُهم ويَحرمُ عليهم، وما دامَ واحِدٌ مِنهم مَوجودًا فله مَنعُ الغَيرِ منه، إلا أنه يُكرَهُ هذا الشَّرطُ وإنْ كانَ، فإنِ انقَرَضوا صارَ عامًّا.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَختصُّ المَسجدُ بهم ولا يُتَّبعُ شَرطُه؛ لأنَّ جعْلَ البُقعةِ مَسجدًا كالتَّحريرِ، فلا مَعنى لاختِصاصِه بجَماعةٍ، وصحَّحَه الإمامُ والغزاليُّ والشَّيخُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولقَولِه ﷺ: «إنَّ المَساجدَ لم تُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيتْ لذِكرِ اللهِ والصَّلاةِ عامَّةً».
فعَلى هذا قالَ المُتَولِّي رحمة الله عليه: يَفسُدُ الوَقفُ بفَسادِ الشَّرطِ، وقالَ الإمامُ: لا يَفسدُ؛ إذْ لا أثَرَ للشُّروطِ الفاسِدةِ في التَّحريرِ (١).
وقالَ الحَنابلةٌ -وقَولٌ للشافِعيةِ كما تقدَّمَ-: إنْ خصَّصَ الواقفُ المُصلِّينَ في المَسجدِ أو الرِّباطِ أو المَدرسةِ بأهلِ مَذهبٍ لم يَختصَّ بهم؛ لأنَّ إثباتَ المَسجديةِ يَقتضي عدَمَ الاختِصاصِ، فأمَّا إنْ عيَّنَ لإمامتِه أو عيَّنَ لنَظرِه أو الخَطابةِ فيهِ شَخصًا فلا يَصحُّ تَقريرُ غيرِه؛ إعمالًا للشَّرطِ، وإنْ خَصَّصَ الإمامةَ في المَسجدِ أو رباطٍ أو مَدرسةٍ أو الخَطابةِ بمَذهبٍ تَخصَّصتْ به، ما لم يَكنِ المَشروطُ له الإمامةُ في شيءٍ مِنْ أحكامِ الصَّلاةِ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٥٣)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٥٥).
مُخالِفًا لصَريحِ السُّنةِ أو ظاهِرِها، سَواءٌ كانَ خِلافُه لعدمِ الاطِّلاعِ على السُّنةِ أو لتأويلٍ ضَعيفٍ؛ إذْ لا يَجوزُ اشتِراطُ مثلِ هذا (١).
وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالوا: إنَّ المَسجدَ المَوقوفَ على قَومٍ مَخصوصينَ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَدخُلَه أو يُصلِّيَ فيه إلا بإذنِهم، فهلِ المَدارِسُ والرُّبطُ كذلكَ؟ وهل يَجوزُ للمَوقوفِ عليهم الإذنُ في الانتفاعِ مُطلَقًا بالنَّومِ والجُلوسِ والأكلِ واجتِماعِ الخُصومِ والقَضاءِ بينَهُم وإِقراءِ الصِّبيانِ؟ أو هو مُقيَّدٌ بما كانَ على وَفقِ شَرطِ الواقفِ؟
الجَوابُ: المَسجدِ المَوقوفُ على مُعيَّنينَ هل يَجوزُ لغَيرِهم دُخولُه والصَّلاةُ فيهِ والاعتكافُ بإذنِ المَوقوفِ عليهم؟ نقَلَ الأسنَويُّ في «الأَلْغَاز» أنَّ كلامَ القفَّالِ في فَتاويهِ يُوهِمُ المَنعَ، ثم قالَ الأسنَويُّ مِنْ عِندِه: والقِياسُ جَوازُه.
وأقولُ: الذي يَترجَّحُ التَّفصيلُ، فإنْ كانَ مَوقوفًا على أشخاصٍ مُعيَّنةٍ كزَيدٍ وعَمرٍو وَبَكرٍ مثلًا أو ذُرِّيتِه أو ذُريَّةِ فُلانٍ جازَ الدُّخولُ بإذنِهم، وإنْ كانَ على أجناسٍ مُعيَّنةٍ كالشافِعيةِ والحَنفيةِ والصُّوفيةِ لم يَجُزْ لغَيرِ هذا الجِنسِ الدُّخولُ ولو أَذِنَ لهم المَوقوفُ عليهم، فإنْ صرَّحَ الواقفُ بمَنعِ دُخولِ غيرِهم لم يَطرُقْه خِلافٌ البتَّةَ، وإذا قُلنا بجَوازِ الدُّخولِ بالإذنِ
(١) «الإنصاف» (٧/ ٥٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٦).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان
فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.