ثانيا: الحجر لفلس

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ثانيا: الحجر لفلس

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

ثانيا: الحجر لفلس - الأقوال والأدلة

فيَصيرُ الحُكمُ بلُزومِ وَقفِه مُركَّبًا مِنْ مَذهَبَينِ، هذا حاصِلُ ما ذكرَهُ في «أَنفَع الوَسائِلِ»، وأجابَ عنهُ بأنه في «المُنْيَة» المُفتِي جَوَّزَ الحُكمَ المُلفَّقَ، وقدَّمْنا ما فيهِ عند الكَلامِ على وَقفِ المَشاعِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: شَرطُ الواقفِ أنْ يَكونَ أهلًا للتَّبرعِ، وهو مَنْ لا حَجْرَ عليه لسَفهٍ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ المَحجورِ عليه لسَفهٍ ولو بمُشاوَرةِ ومُباشَرةِ ولِيِّه؛ لعَدمِ أهليةِ التَّبرعِ منهُ (٣).

وقالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ سَفيهٍ (٤).

ثانِيًا: الحَجْرُ لفَلَسٍ:

المَدينُ إمَّا أنْ يُوقِفَ قبلَ الحَجْرِ عليه لفَلسٍ أو بعدَه.

فإنْ وقَفَ قبلَ الحَجرِ عليه فقدْ ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في الجُملةِ إلى أنَّ المُفلِسَ المَديونَ إذا أوقَفَ قبلَ الحَجْرِ عليه أنَّ تَصرُّفَه نافِذٌ والوَقفَ صَحيحٌ.

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٨).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٧، ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٢)، و «حاشية البيجوري» (٢/ ٨٨)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٩٧)، و «الديباج» (٢/ ٥١٥).
(٤) «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٧١).

واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ بعدَ الحَجْرِ عليهِ:

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما فعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ عليه مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرماءِ أو غيرِ ذلكَ فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم، ولأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، فنفَذَ تَصرُّفُه كغَيرِه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ولأنه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ ولم يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أَكرَى جَملًا بعَينِه أو دارًا لم تَنفسِخْ إجارَتهُ بالفَلسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقضيَ مدَّتُه (١).

قالَ الحَنفيةُ: ولا يَصحُّ مِنْ المَديونِ المَحجورِ على قَولِ مَنْ يَرَى به، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرَمائِه؛ لثُبوتِ حقِّهِم في ذمَّتِه (٢).

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: (قَولُه: بخِلافِ صَحيحٍ) أي: وَقفِ مَديونٍ صَحيحٍ، فأنه يَصحُّ ولو قصَدَ به المُماطَلةَ؛ لأنه صادَفَ مِلكَه كما في «أَنفَع الوَسائِل» عن «الذَّخيرَة»، قالَ في «الفَتْح»: وهو لازِمٌ لا يَنقضُه أربابُ الدُّيونِ إذا كانَ قبلَ الحَجرِ بالاتِّفاقِ؛ لأنه لم يَتعلَّقْ حقُّهُم في حالِ صِحَّتِه. اه

وبه أفتَى في «الخَيريَّة» مِنْ البُيوعِ، وذكرَ أنه أَفتَى به ابنُ نُجيمٍ، وسَيأتي فيهِ كلامٌ عن «المَعروُضات» (٣).

(١) «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤).
(٢) «الإسعاف» ص (١٠).
(٣) «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٧).

وذهَبَ بَعضُ الحَنفيةُ كأبي السُّعودِ وتِلميذِه الشَّيخِ إسماعيلَ الحائِكِ لعَدمِ صِحَّةِ الوَقفِ في هذه الحالةِ.

فقدْ سُئِلَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه في رَجُلٍ صَحيحٍ مَديونٍ دَينًا مُستَغرِقًا إذا وقَفَ وَقفًا على جِهةِ بِرٍّ لا تَنقطِعُ، وسجَّلَه القاضي تَسجيلًا شَرعيًّا، ثمَّ ماتَ، فهل يُنقَضُ وَقفُه لأربابِ الدُّيونِ أو لا؟

أجابَ: حَيثُ صارَ الوَقفُ مُسجَّلًا شَرعًا لا يُنقَضُ لذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ تَبرعٌ، ولم يُشترطْ لصحَّتِه بَراءةُ الذِّمةِ مِنْ الدَّينِ المُستغرِقِ بالإجماعِ، هذا إذا لم يَكُنْ مَحجورًا عليه بسَفهٍ أو بدَينٍ على رَأيِ مَنْ يَراهُ، ولا يَثبتُ الحَجرُ إلَّا بالقَضاءِ كما صَرَّحوا به، قالَ في «الإسْعَاف»: وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصِحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرمائِه. اه

وصرَّحَ به غَيرُه، فقدْ خالَفَ وقْفَ المَريضِ مرَضَ المَوتِ المُحيطِ دَينُه بمالِه؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغُرَماءِ حِينئذٍ بالعَينِ، وهُنا بالذِّمةِ مَحضًا، وبَنى عُلماؤُنا الأحكامَ على ذلكَ، وأمَّا إذا كانَ مَحْجورًا عليه فأطلَقَ الخَصَّافُ أنه لا يَصحُّ، وقالَ ابنُ الهُمامِ: يَنبغي أنْ يَصحَّ، وهو الصَّحيحُ عندَ المُحَقِّقينَ، وعندَ الكُلِّ إذا حكَمَ به حاكِمٌ. اه

(أقولُ): قالَ العَلائيُّ في «الدُّرّ المُختَار»: وبطَلَ وَقفُ راهِنٍ مُعسِرٍ ومَريضٍ مَديونٍ بمُحيطٍ بخِلافِ صَحيحٍ لو قبلَ الحَجرِ، ثمَّ قالَ: قلتُ: لَكنْ في «مَعروُضات» المُفتِي أبي السُّعودِ سُئلَ عمَّنْ وقَفَ على أولادِه وهرَبَ مِنْ الدُّيونِ، هل يَصحُّ؟

فأجابَ: لا يَصِحُّ ولا يَلزمُ، والقُضاةُ مَمنوعونَ مِنْ الحُكمِ وتَسجيلِ الوَقفِ بمِقدارِ ما شُغِلَ بالدَّيْنِ. اه، فلْيُحفظْ، فقدْ استَدرَكَ العَلائيُّ بما في «المَعْروُضات» وأقَرَّهُ، وقد تَبِعَه تِلميذُه العَلَّامةُ الشَّيخُ إسماعيلُ الحائِك في فَتاويهِ؛ سُئِلَ في رَجلٍ عليه دَينٌ لزَيدٍ وله دارٌ مِلكٌ فقط لا يَفي ثَمنُها بقَدرِ دَينِه، وليسَ له ما يُوَفِّي به دَينَه فوقَفَ الدَّارَ لمَنعِ صاحِبِ الدَّينِ؟

أجابَ: ليس للقاضي أنْ يُنفِذَ هذا الوَقفَ، ويُجبَرُ الرَّجلُ المَزبورُ على بَيعِه ووَفاءِ الدَّينِ، والقُضاةُ مَمنوعونَ عن تَنفيذِ مثلِ هذا الوَقفِ كما أفادَهُ المَرحومُ المُفتِي الأعظَمُ أبو السُّعودِ أفَنْدِي غمَرَه اللهُ بغُفرانِه (١).

وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقونَ بينَ أنْ يَكونَ الوَقفُ قبل الدَّينِ أو بعدُ، وبينَ حَوزِ المَوقوفِ وعَدمِه.

فإنْ كانَ الوَقفُ بعدَ تَحقُّقِ الدَّينِ بطَلَ الوَقفُ ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ، سَواءٌ وقَفَ على مَحجورِه أو على غيرِه.

وإنْ كانَ الوَقفُ قبلَ الدَّينِ: فإنْ كانَ المَوقوفُ عليه قد حازَ المَوقوفَ عليه قبل الدَّينِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ صَحيحًا ويَتعلَّقُ الدَّينُ بذمَّةِ الواقفِ.

وإنْ كانَ المَوقوفُ عليه لم يَحُزِ الوَقفَ حتى حصَلَ الدَّينُ فالغَريمُ مُخيَّرٌ بينَ إمضاءِ الوَقفِ وبينَ إبطالِه وأخذِه في دَينِه؛ لأنَّ الحَقَّ له.

وإنْ جهِلَ سبْقَ أحَدِهما بأنْ وقَفَ وَقفًا وعلى الواقفِ دَينٌ، ولم يعلَمْ هل الدَّينُ قبل الوَقفِ أو بعدَه، فإنْ كانَ المَوقوفُ قد خرَجَ مِنْ تحتِ يَدِ

(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، و «الدر المختار» (٤/ ٣٩٩).

الواقفِ وحازَه المَوقوفُ عليه وهو غيرُ مَحجورِه صَحَّ الوَقفُ، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدَيهِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ.

وإنْ وقَفَ شَخصٌ على مَحجورِه وحصَلَ الدَّينُ بعد الوَقفِ وحازَه الأبُ لمَحجورِه قبلَ حَصولِ الدَّينِ صَحَّ الوَقفُ بشُروطٍ أربَعةٍ:

١ - أنْ يُشهِدَ الواقفُ على الوَقفِ.

٢ - وأنْ يَصرِفَ الغلَّةَ في مَصرِفِها مِنْ مَنافعِ مَحجورِه لا مَنافعِ نَفسِه.

٣ - وألَّا يَكونَ المَوقوفُ دارًا يَسكنُها الواقفُ.

٤ - وألَّا يَكونَ ما وقَفَه الواقفُ على مَحجورِه مَشاعًا ولم يُعيِّنْ له حصَّةً فيه.

فإنْ لم تَتوفَّرْ هذه الشُّروطُ أو أحَدُها بطَلَ الوَقفُ.

وأمَّا إنْ وقَفَ وَقفًا على مَحجورِه وحازَه له -مع الشُّروطِ الأربَعةِ السابقةِ بأنْ أشهَدَ على الوَقفِ، وصرَفَ الغلَّةَ للمَوقوفِ عليه، وليس المَوقوفُ دارَ سُكنى للواقِفِ، ولا مَشاعًا لم يُعيِّنْ له حصَّتَه- وعلى الواقفِ دَينٌ وجُهِلَ السابقُ منهُما، بأنْ لم يُعلَمْ هل الدَّينُ قبلَ الوَقفِ أو بعدَه- فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا، ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ؛ لضَعفِ هذا الحَوزِ الحاصِلِ مِنْ الواقفِ؛ لكَونِ الوَقفِ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدِه؛ لأنهم يَقولونَ: «قد حُزْناهُ بحَوزِ أبِينَا له»، ولذا لو حازَه للمَحجورِ أجنَبيٌّ بإذنِ

الوَليِّ في صحَّتِه لَصَحَّ الوَقفُ، كالوَلدِ الكبيرِ أو الأجنَبيِّ يَحوزُ لنَفسِهِ في صحَّةِ الواقفِ، فلا يَبطلُ بجَهلِ السَّبقِ بل بتَحقُّقِه.

وكذا لو حازَ المَحجورُ مِنْ صَغيرٍ أو سَفيهٍ لنَفسِه فلا يَبطلُ الوَقفُ، وحَوزُهم مُعتبَرٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا كانَ الواقفُ مَدينًا غيرَ مَحجورٍ عليه صَحَّ تَصرُّفُه، وهُوَ أيضًا قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ، وإنْ كانَ مَحجورًا عليه بطَلَ تَصرُّفُه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما فعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجرِ الحاكِمِ عليهِ مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرَماءِ أو غيرِ ذلكَ فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم، ولأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، فنفَذَ تَصرُّفُه كغيرِه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجْرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ولأنه مِنْ أهلِ التَّصرفِ ولمْ يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أَكرَى جَملًا بعَينِه أو دارًا لم تَنفسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقضيَ مدَّتُه.

ومتى حُجِرَ عليه لم يَنفذْ تَصرفُه في شيءٍ مِنْ مالِه، فإنْ تَصرَّفَ ببَيعٍ أو هِبةٍ أو وَقفٍ أو أصدَقَ امرأةً مالًا له أو نحوَ ذلكَ لم يَصحَّ، وبهذا قالَ مالكٌ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٦٢، ٤٦٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨٥، ٤٨٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦٦، ٥٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٣، ٨٥)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٤، ٦٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٦٠، ١٦١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 116 - 121

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل