ثانيا: القبول

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ثانيا: القبول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثانيا: القبول - الأقوال والأدلة

ثَانِيًا: القَبولُ:

الوَقفُ له حَالَتانِ: إمَّا أنْ يَكونَ على جِهةٍ لا يُتصوَّرُ منها القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطرِ، أو جِهةٍ غيرِ مَحصورةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ.

وإمَّا أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ مثلًا، أو جَمعًا مَحصورًا.

الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ على جِهةٍ لا يُتصوَّرُ منها القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطِرِ، أو جِهةٍ غيرِ مَحصورةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ، فهذا لا يُشترطُ فيهِ القَبولُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المذهبِ لتَعذُّرِ ذلكَ مِنْ المَساجدِ ونَحوِها، ولأنه لو اشتُرطَ قَبولُ مُستحِقِّه لَمَا صَحَّ على المَساجدِ والفُقراءِ ونَحوِهم.

وذكرَ النَّاظِمُ مِنْ الحَنابلةِ احتِمالًا: أنَّ نائِبَ الإمامِ يَقبلُه (١).

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ مثلًا أو جَمعًا مَحصورًا، فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوقوفِ عليه في هذه الحالَةِ، هل يُشترطُ قَبولُه أم لا؟

(١) يُنظَر: «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٢)، و «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٧/ ٢٨١)، و «الشرح الكبير مَعَ حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٢)، و «المغني» (٥/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٦)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ قَبولُه؛ لأنه تَبَرُّعٌ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ، فكانَ مِنْ شَرطِه القَبولُ كالهِبةِ والوصِيةِ، يُحقِّقُه أنَّ الوَصيةَ إذا كانَتْ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ وُقفَتْ على قَبولِه، وإنْ كانَتْ لغيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو لمَسجدٍ أو نَحوِه لم تَفتقرْ إلى قَبولٍ، كذا هاهُنا.

قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ قَبولُ المَوقوفِ عليهِ لو غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ، فلو لشَخصٍ بعَينِه وآخِرُه للفُقراءِ اشتُرطَ قَبولُه في حقِّه، فإنْ قَبِلَه فالغلَّةُ له، وإنْ رَدَّه فللفُقراءِ، ومَن قَبِلَ ليسَ له الرَّدُّ بعدَه، ومَن رَدَّه أوَّلَ الأمرِ ليسَ له القَبولُ بعدَه (١).

قالَ المالِكيةُ: الوقفُ إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساجدِ وما أشبَهَ ذلكَ فإنه لا يُشترطُ قَبولُه؛ لتَعذُّرِ ذلكَ مِنْ المَساجدِ ونحوِها، ولأنه لو اشتُرطَ قَبولُ مُستحِقِّه لَمَا صَحَّ على المَساجدِ والفُقراءِ ونحوِهم.

وأمَّا لو كانَ الوقفُ على مُعيَّنٍ كزَيدٍ مثلًا وهو أهلٌ للرَّدِّ والقَبولِ فإنه يُشترطُ في صحَّةِ الوَقفِ عليه قَبولُه، فإنْ لم يَكنْ أهلًا لذلكَ كالمَجنونِ والصغيرِ فإنَّ وَليَّه يَقبلُ له، فإنْ لم يَكنْ له وَليٌّ أُقيمَ له مَنْ يَقبلُ عنهُ كما في الهِبةِ.

فإنْ رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ ما وقَفَه الغَيرُ عليه في حَياةِ الواقفِ أو بعدَ

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٢)، و «الإسعاف» ص (١٧).

مَوتِه فإنَّ الوَقفَ يَرجعُ حَبسًا للفُقراءِ والمَساكينِ يُفرَّقُ عليهم رِيعُه بالاجتِهادِ، وفي قَولٍ: يَرجعُ مِلكًا للمُحبِّسِ الواقفِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ الوَقفُ على جِهةٍ كالفُقراءِ وعلى المَساجدِ والرِّباطِ لم يُشترطِ القَبولُ جَزمًا؛ لعدمِ الإمكانِ، ولا يَكونُ الحاكِمُ نائِبًا عنهُم في القَبولِ.

ولو قالَ: «جَعلْتُ هذا للمَسجدِ» فهو تَمليكٌ لا وَقفٌ، فيُشترطُ قَبولُ القَيِّمِ وقَبضُه كما لو وهَبَ شَيئًا لصَبيٍّ.

وإنْ كانَ الوَقفُ على شَخصٍ كزَيدٍ أو جَماعةٍ مُعيَّنينَ فوَجهانِ:

أصَحُّهما: أنه يُشترطُ فيه القَبولُ؛ لأنه يَبعدُ دُخولُ عَينٍ أو مَنفعةٍ في مِلكِ شَخصٍ مِنْ غيرِ رِضاهُ، ويَكونُ القَبولُ مُتصِلًا بالإيجابِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ القَبولِ، وإلا فقَبولُ وَليِّه كالهِبةِ والوَصيةِ.

والوَجهُ الثاني: أنه لا يُشترطُ القَبولُ كالعِتقِ.

ولو رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ العينَ المَوقوفةَ بطَلَ حقُّه، سَواءٌ شرَطْنا القَبولَ مِنْ المُعيَّنِ أم لا، كالوَصيةِ والوَكالةِ، ولو رجَعَ بعدَ الرَّدِّ لم يَعُدْ له، ولا يُشترطُ القَبضُ على المَشهورِ، والثَّاني: لا يَتمُّ إلا بالقَبضِ كالهِبةِ (٢).

(١) «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٧/ ٢٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٦).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٢، ١٤٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٦، ٤٢٨)، و «كنز الراغبين مَعَ حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٤٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «الديباج» (٢/ ٥٢١، ٥٢٢).

وقالَ الحَنابلةُ في هذه الرِّوايةِ: أنه يُشترطُ قَبولُه؛ لأنه تَبَرُّعٌ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ، فكانَ مِنْ شَرطِه القَبولُ كالهِبةِ والوَصيةِ، يُحقِّقُه أنَّ الوَصيةَ إذا كانَتْ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ وُقِفتْ على قَبولِه، وإنْ كانَتْ لغيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو لمَسجدٍ أو نَحوِه لم تَفتقرْ إلى قَبولٍ، كذا هاهُنا.

فعَلى هذا إنْ رَدَّه بطَلَ في حقِّهِ دونَ مَنْ بعدَه، وصارَ كالوَقفِ المُنقطعِ الابتِداءِ يُخرَّجُ في صحَّتِه في حقِّ مَنْ سِواه وبُطلانِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ …

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنَّ قُلنا بصِحَّتِه فهلْ يَنتقلُ مِنْ الحالِ إلى مَنْ بعدَه؟ أو يُصرَفُ في الحالِ إلى مَصرِفٍ في الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَموتَ الذي رَدَّه ثمَّ يَنتقلُ إلى مَنْ بعدَه؟ على وَجهينِ (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وعلى القَولِ بالاشتِراطِ قالَ الحارِثيُّ: يُشترطُ اتِّصالُ القَبولِ بالإيجابِ، فإنْ تَراخى عنه بطَلَ كما يَبطلُ في البَيعِ والهبةِ، وعلَّلَه ثمَّ قالَ: وإذا عُلِمَ هذا فيَتفرَّعُ عليه عَدمُ اشتِراطِ القَبولِ مِنْ المُستحِقِّ الثاني والثالثِ ومَن بعدُ؛ لتَراخِي استِحقاقهم عن الإيجابِ، ذكَرَه بَعضُ الأصحابِ.

قالَ: وهذا يُشكِلُ بقَبولِ الوَصيةِ مُتراخِيًا عن الإيجابِ. انتهى

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦).

وقالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: إذا اشتُرطَ القَبولُ على المُعيَّنِ فلا يَنبغي أنْ يُشترطَ المَجلسُ، بل يُلحَقُ بالوَصيةِ والوَكالةِ، فيَصحُّ مُعجَّلًا ومُؤجَّلًا بالقَولِ والفِعلِ، فأخذُ ريعِه قَبولٌ.

وقطَعَ واختارَ في القاعِدةِ الخامِسةِ والخَمسينَ أنَّ تَصرُّفَ المَوقوفِ عليهِ المُعيَّنِ يَقومُ مَقامَ القَبولِ بالقَولِ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقف إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ والغُزاةِ والعُلماءِ، أو كانَ الوَقفُ على مَنْ لا يُتصوَّرُ منه القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطرِ لم يَفتقِرِ الوَقفُ إلى القَبولِ مِنْ ناظرِها -أي المَساجدِ ونحوِها- ولا إلى القَبولِ مِنْ غيرِه كنائِبِ الإمامِ؛ لأنه لو اشتُرطَ لامتَنعَ صِحةُ الوَقفِ عليها.

وكذا إنْ كانَ الوَقفُ على آدَميٍّ مُعيَّنٍ كزَيدٍ فلا يَفتقرُ إلى قَبولِه على الصَّحيحِ مِنْ المذهبِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ يَمنعُ البَيعَ، فلم يُعتبَرْ فيهِ القَبولُ كالعِتقِ، ولأنه أحَدُ نَوعَي الوَقفِ، فلم يُشترطْ له القَبولُ كالنَّوعِ الآخَرِ.

فعلى هذا لا يَبطلُ بالرَّدِّ كالعِتقِ، فرَدُّه وقَبولُه وعَدمُهما سَواءٌ في الحُكمِ.

قالَ في «الإنصَاف»: وقالَ أبو المَعالي في «النِّهايَة» أنه يَرتدُّ برَدِّه كالوَكيلِ إذا رَدَّ الوَكالةَ وإنْ لم يُشترطْ لها القَبولُ، قالَ الحارِثيُّ: وهذا أصَحُّ (٢).

(١) «الإنصاف» (٧/ ٢٨).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٨)، ويُنظَر: «المغني» (٥/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٢، ١٤٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٦، ٤٢٨)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٤٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 55 - 59

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله