الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ثانيا: وقف العين المؤجرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةثانِيًا: وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المُؤجَّرةِ، هل يَصحُّ وَقفُها أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى صِحةِ وَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ، فإنِ انقَضتْ مدَّةُ الإجارةِ صُرِفتْ إلى جِهةِ الوَقفِ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ عدَمُ تَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ به، فلو وقَفَ ما في إجارةِ الغَيرِ صَحَّ، ولا تَبطلُ الإجارةُ، فإذا انقَضَتْ أو ماتَ أحَدُهما صُرِفتْ إلى جِهاتِ الوَقفِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ المُؤجِّرُ أرضَهُ التي أجَّرَها أو الوارِثُ المُوصِي بمَنفعتِه مُدَّةً أو المُستأجِرُ لأرضٍ بناءه أو غِراسه الذي بَناهُ أو غرَسَه فيها صَحَّ؛ لأنَّ كُلًّا مِنهُما مَملوكٌ يُمكِنُ الانتفاعُ به في الجُملةِ مع بَقاءِ عَينِه، سَواءٌ أكانَ الوَقفُ في الأخيرةِ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ أم بعدَه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المَوقوفِ عندَهُم ألَّا يَتعلَّقَ به حقُّ الغَيرِ، وهذا إذا أرادَ الواقفُ وقْفَ العَينِ المُؤجَّرةِ مِنْ الآنَ مع كَونِه مُستأجِرًا، وأمَّا لو وقَفَ ما ذُكِرَ قاصِدًا بوَقفِها مِنْ الآنَ أنها بعدَ الخَلاصِ مِنْ الإجارةِ تَكونُ وَقفًا صحَّ ذلكَ؛ إذْ لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّنجيزُ (٣).
أمَّا الحَنابلةُ فلمْ أَقِفْ لهم على قَولٍ صَريحٍ في وَقفِ العينِ المُؤجَّرةِ.
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٩١).
(٢) «أسنى المطالب» (٢/ ٤٥٨)، و «حاشية عميرة» (٣/ ٢٤١).
(٣) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.