الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > وقف الذمي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةوَقفُ الذِّميِّ:
اتفَقَ فُقهاء المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ وقْفَ الذِّميِّ صَحيحٌ كالمُسلِمِ في الجُملةِ، وأنه لا يُشترطُ الإسلامُ لصِحَّةِ الوَقفِ، فلو أوقَفَ ذمِّيٌّ فيما يَجوزُ أنْ يُوقِفَ عليه صَحَّ الوَقفُ منه كالمُسلمِ، على تَفصيلٍ سَيأتي بَيانُه في كلِّ مَذهبٍ …
فعَلى هذا لا يَجوزُ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ على البِيَعِ والكَنائِسِ وبُيوتِ النارِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنه لا يَجوزُ وَقفُ المُسلمِ على هذه الأشياءِ كما سَيأتي مُفصَّلًا في مَسألةِ: الوَقف على جِهةِ مَعصِيةٍ كالكَنائِسِ والمَعابدِ.
قالَ الحَنفيةُ: الإسلامُ ليس بشَرطٍ في صِحةِ الوَقفِ، فلو وقَفَ الذِّميُّ على وَلدِه ونَسلِه وجعَلَ آخِرَه للمَساكينِ فإنْ عمَّمَ جازَ الصَّرفُ إلى كُلِّ فَقيرٍ مُسلمٍ أو كافرٍ، وإنْ خَصَّ في وَقفِه مَساكينَ أهلِ الذِّمةِ جازَ واتُّبعَ شَرطُه، كالمُعتَزليِّ إذا خصَّصَ أهلَ الاعتِزالِ، ويُفرَّقُ على اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ منهُم، إلا إنْ خَصَّ صِنفًا منهم، فلو دفَعَ القَيِّمُ إلى غَيرِهم كانَ ضامِنًا إنْ قُلنا: إنَّ الكُفرَ كلَّه ملَّةٌ واحِدةٌ، ولو وقَفَ على وَلدِه ونَسلِه ثمَّ للفُقراءِ على أنَّ مَنْ أسلَمَ مِنْ وَلدِه فهو خارِجٌ مِنْ الصَّدقةِ لَزمَ شَرطُه أيضًا، كشَرطِ المُعتزليِّ أنَّ مَنْ صارَ سُنيًّا أُخرجَ، وليسَ هذا مِنْ قَبيلِ اشتِراطِ المَعصيةِ؛ لأنَّ التَّصدقَ على الكافرِ غيرِ الحَربيِّ قُربةٌ، وكذا إنْ قالَ: «مَنْ انتَقلَ إلى غيرِ النَّصرانيةِ خرَجَ» اعتُبِرَ، نَصَّ على ذلكَ الخصَّافُ.
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ولا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ المَذهبِ تعَقَّبَه غيرَ مُتأخِّرٍ يُسمَّى الطَّرطوسيَّ شَنَّعَ بأنه جعَلَ الكُفرَ سبَبَ الاستِحقاقِ والإسلامَ سبَبَ الحِرمانِ، وهذا للبُعدِ مِنْ الفِقهِ؛ فإنَّ شَرائطَ الواقفِ مُعتبَرَةٌ إذا لم تُخالِفِ الشرعَ، والواقفُ مالِكٌ له أنْ يَجعلَ مالَه حيثُ شاءَ ما لم يَكنْ مَعصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صِنفًا مِنْ الفُقراءِ دونَ صِنفٍ وإنْ كانَ الوَضعُ في كلِّهم قُربةً، ولا شَكَّ أنَّ التَّصدقَ على أهلِ الذِّمةِ قُربةٌ، حتى جازَ أنْ تُدفَعَ إليهمْ صَدقةُ الفِطرِ والكفَّاراتُ عندَنا، فكيفَ لا يُعتبَرُ شَرطُه في صِنفٍ دونَ صِنفٍ مِنْ الفُقراءِ؟! أرَأيتَ لو وقَفَ على فُقراءِ أهلِ الذِّمةِ ولم يَذكرْ غيرَهم أليسَ يُحرَمُ منه فُقراءُ المُسلِمينَ؟! ولو دفَعَ المُتولِّي إلى المُسلمينَ كانَ ضامِنًا؟! فهذا مِثلُه، والإسلامُ ليس سَببًا للحِرمانِ، بل الحِرمانُ لعَدمِ تَحقُّقِ سَببِ تَملُّكِه هذا المالَ، والسَّببُ هو إعطاءُ الواقفِ المالِكِ (١).
وشَرطُ صِحةِ وَقفِه أنْ يَكونَ قُربَةً عندَنا وعندَهُم، فإذا وقَفَ على بيعَةٍ فإذا خَرِبتْ كانَ للفُقراءِ لم يَصحَّ وكانَ مِيراثًا عنه؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَنا كالوَقفِ على الحَجِّ أو العُمرةِ؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَهُم، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ فإنه صَحيحٌ؛ لأنه قُربةٌ عندَنا وعندَهُم.
وفي «الحاوِي»: لو وقَفَ المَجوسِيُّ على بَيتِ النارِ واليَهوديُّ والنَّصرانِيُّ على البيعَةِ والكَنيسةِ باطِلٌ إذا كانَ في عَهدِ الإسلامِ، وما كانَ
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٠٠).
منها في أيَّامِ الجاهِليةِ مُختلَفٌ فيهِ، والأصَحُّ أنه إذا دخَلَ في عَهدِ عَقدِ الذِّمة لا يُتعرَّضُ له (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ فيما ليس بمَعصيةٍ كالمُسلِم، أمَّا ما فيهِ مَعصيةٌ فباطِلٌ، كما لو وقَفَ الذِّميُّ على الكَنيسةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ لعُبَّادِها أو لمَرَمَّتِها؛ لأنَّ المَذهبَ خاطَبَهم بفُروعِ الشَّريعةِ في المُعتمدِ.
ولابنِ رُشدٍ قَولٌ ثانٍ فيهِ تَفصيلٌ: وحاصِلُه أنَّ وقْفَ الكافِرِ على عُبَّادِ الكَنيسةِ باطِلٌ؛ لأنه مَعصيةٌ، وأمَّا على مَرَمَّتِها أو على الجَرحَى أو المَرضَى التي فيها فالوَقفُ صَحيحٌ مَعمولٌ به، فإذا أرادَ الواقفُ أو الأسْقُفُ بيْعَه ونُوزِعَ في ذلكَ وتَرافَعوا إلينا راضِينَ بحُكمِنا فإنَّ للحاكمِ أنْ يَحكمَ بينَهُم بحُكمِ الإسلامِ مِنْ صِحَّةِ الحَبسِ وعَدمِ بَيعِه.
ولعِياضٍ قَولٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الوَقفَ على الكَنيسةِ مُطلَقًا صَحيحٌ غيرُ لازِمٍ، سواءٌ أشهَدُوا على ذلكَ الوَقفِ أم لا، بانَ مِنْ تحتِ يَدِ الواقفِ أم لا، وللواقِفِ الرُّجوعُ فيه مَتى شاءَ.
قالُوا: ويَبطلُ ولا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الكافرِ ولو ذِميًّا على مَسجدٍ مِنْ مَساجِدِ المُسلِمينَ، أو على رِباطٍ أو قُربةٍ مِنْ القُرَبِ الدِّينيةِ، ولذلكَ رَدَّ الإمامُ مالِكٌ دينارَ النَّصرانيةِ عليها حيثُ بعَثَتْ به إلى الكَعبةِ (٢).
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «المحيط البرهاني» (٦/ ١٣٤)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٦٨)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤١)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢٣٥).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٩، ٤٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٢)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٦٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٤).
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ بشَرطِ أنْ لا يَكونَ على جِهةِ مَعصيةٍ، كعِمارةِ الكَنائسِ ونَحوِها مِنْ مُتعبَّداتِ الكفَّارِ للتعبُّدِ فيها أو حُصرِها أو قَناديلِها أو خُدَّامِها، أو كُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ أو السِّلاحِ لقُطَّاعِ الطَّريقِ فباطِلٌ بلا خِلافٍ؛ لأنه إعانةٌ على مَعصيةٍ، والوَقفُ شُرعَ للتَّقربِ، فهُمَا مُتضادَّانِ، وسَواءٌ فيه إنشاءُ الكَنائسِ وتَرميمُها، وسَواءٌ مُنِعوا مِنْ ذلكَ أم لا، بأنْ تَكونَ في بلادٍ فُتِحتْ صُلحًا على أنْ تَكونَ رِقابُها لهم، وكذا لو وقَفَ على حُصرِها وسُرجِها وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنهم حَرَّفوا وبَدَّلوا، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ أنْ يَكونَ الواقفُ مُسلِمًا أو ذِميًّا.
قالَ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولا يُعتبَرُ تَقييدُ ابنِ الرِّفعةِ عدَمَ صِحةِ الوَقفِ على التَّرميمِ بمَنعِه، فقد قالَ السُّبكيُّ: إنه وهمٌ فاحِشٌ؛ لاتِّفاقِهم على أنَّ الوَقفَ على الكَنائسِ باطِلٌ وإنْ كانَتْ قَديمةً قبلَ البِعثةِ، فإذا لم نُصحِّحِ الوَقفَ عليها ولا على قَناديلِها وحُصرِها فكيفَ نُصحِّحُه على تَرميمِها؟! وإذا قُلنا ببُطلانِ وَقفِ الذِّميِّ على الكَنائسِ ولم يَترافَعوا إلينا لم نَتعرَّضْ لهم، حيثُ لا يُمنَعونَ مِنْ الإظهارِ، فإنْ تَرافَعوا إلينا أبطَلْناه وإنْ أنفَذَه حاكِمُهم، لا ما وَقَفوهُ قبلَ المَبعَثِ على كَنائسِهم القَديمةِ فلا نُبطِلُه، بل نُقِرِّه حيثُ نُقرُّها.
أمَّا عِمارةُ كَنائسِ غيرِ التعبُّدِ ككَنائسِ نُزولِ المارَّةِ فيَصحُّ الوَقفُ عليها، كما قالَه الزَّركَشيُّ وابنُ الرِّفعةِ وغيرُهما كالوَصيةِ (١).
وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: بِناءُ الكَنيسةِ حَرامٌ بالإجماعِ، وكذا تَرميمُها، وكذلكَ قالَ الفُقهاءُ: لو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ فالوَصيةُ باطلةٌ؛ لأنَّ بناءَ الكَنيسةِ مَعصيةٌ وكذا تَرميمُها، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المُوصي مُسلِمًا أو كافِرًا، وكذا لو وقَفَ على كَنيسةٍ كانَ الوَقفُ باطلًا، مُسلِمًا كانَ الواقفُ أو كافرًا، فبِناؤُها وإعادَتُها وتَرميمُها مَعصيةٌ، مُسلِمًا كانَ الفاعِلُ لذلكَ أو كافرًا، هذا شَرعُ النبيِّ ﷺ، وهو لازِمٌ لكلِّ مُكلَّفٍ مِنْ المُسلمينَ والكفَّارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ كالمُسلمِ، بشَرطِ ألا يَكونَ مَعصيةً، ولا يَصحُّ على مَعصيةٍ كبَيتِ النَّارِ والبِيعِ والكَنائسِ وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّ ذلكَ مَعصيةٌ؛ فإنَّ هذه المَواضعَ بُنيَتْ للكُفرِ، وهذه الكُتبَ مُبدَّلةٌ مَنسوخةٌ، ولذلكَ غَضِبَ النبيُّ ﷺ حينَ رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ وقالَ: «أَفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ؟! ألَمْ آتِ بها بَيضاءَ نَقيَّةً؟ لو كانَ مُوسى أخي حَيًّا ما وَسِعَه إلا اتِّباعي»، ولولا أنَّ ذلكَ مَعصيةٌ ما غَضِبَ منه، والوَقفُ على قَناديلِ البيعَةِ وفُرشِها ومَن
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٢، ٤٢٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٦٩)، و «الديباج» (٢/ ٥١٩).
(٢) «فتاوى السبكي» (٢/ ٣٦٩، ٣٧٠).
يَخدِمُها ويَعمُرُها كالوَقفِ عليها؛ لأنه يُرادُ لتَعظيمِها، وسَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلمًا أو ذِميًّا.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمَدُ في نَصارى وَقَفوا على البيعَةِ ضِياعًا كَثيرةً وماتوا ولهُم أبناءُ نَصارى فأسلَموا والضِّياعُ بيَدِ النَّصارى فلهم أخذُها، وللمُسلِمينَ عَونُهم حتى يَستخرِجوها مِنْ أيديهِم، وهذا مَذهبُ الشافعيِّ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ، كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ.
فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتمْ: «إنَّ أهلَ الكِتابِ إذا عَقَدوا عُقودًا فاسِدةً وتَقابَضوا ثمَّ أسلَموا وتَرافَعوا إلينا لم نَنقضْ ما فَعَلوهُ»، فكيفَ أَجَزتُم الرُّجوعَ فيما وَقَفوهُ على كَنائسِهم؟
قُلنا: الوَقفُ ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، وإنَّما هو إزالةُ للمِلكِ في المَوقوفِ على وَجهِ القُربةِ، فإذا لم يَقعْ صَحيحًا لم يَزُلِ المِلكُ، فيَبقى بحالِه كالعِتقِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ولا يَصحُّ الوَقفُ على كَنائسَ وبُيوتِ نارٍ وبِيَعٍ وصَوامعَ ودُيورةٍ ومَصالِحِها كقَناديلِها وفُرشِها ووَقودِها وسَدَنتِها؛ لأنه مَعونةٌ على مَعصيةٍ، ولو كانَ الوَقفُ على ما ذُكِرَ مِنْ ذِميٍّ فلا يَصحُّ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ أنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ.
(١) «المغني» (٥/ ٣٧٦).
قالَ في «أحكَام أهلِ الذِّمةِ»: وللإمامِ أنْ يَستوليَ على كُلِّ وَقفٍ وُقِفَ على كَنيسةٍ وبَيتِ نارٍ أو بيعَةٍ ويَجعلَها على جِهةِ قُرباتٍ. انتهى
والمُرادُ إذا لم يعلَمْ وَرثةُ واقِفِها، وإلا فللوَرثةِ أخذُها كما تقدَّمَ.
بل يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ يَنزِلُها -أي الكَنائسَ والدُّيورةَ ونحوَها- مِنْ مارٍّ ومُجتازٍ بها فقط؛ لأنَّ الوَقفَ عليهم لا على البُقعةِ، والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ، ولو كانَ الوَقفُ على مَنْ يَمُرُّ بها أو يَجتازُ فقط فيَصحُّ الوَقفُ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على اليَهودِ والنَّصارى، ولا يَصحُّ الوَقفُ على كِتابةِ التَّوراةِ والإنجيلِ ولو كانَ الوَقفُ مِنْ ذِميٍّ؛ لوُقوعِ التَّبديلِ والتَّحريفِ.
وقد رُويَ مِنْ غيرِ وَجهٍ أنَّ النبيَّ ﷺ غَضِبَ لمَّا رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ، وكذا كُتبُ بِدعةٍ، ووَصيةٌ كوَقفٍ في ذلكَ المَذكورِ ممَّا تقدَّمَ، فتَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه، وتَبطلُ فيما لا يَصحُّ عليه (١).
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (ولا يَصحُّ على الكَنائسِ وبُيوتِ النارِ) وكذا البِيَعُ، وهذا المَذهبُ وعليه الأصحابُ، ونَصَّ عليه في الكَنائسِ والبِيَعِ.
وفي «المُوجَزِ» رِوايةٌ على الكَنيسةِ والبيعَةِ كمارٍّ بهِما.
فوائدُ:
الأُولى: الذِّميُّ كالمُسلمِ في عَدمِ الصِّحةِ في ذلكَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، فلا يَصحُّ وَقفُ الذِّميِّ على الكَنائسِ والبيَعِ وبُيوتِ النارِ
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٣)، و «الإنصاف» (٧/ ١٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.