الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > وقف المرتد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوالغَزوِ وكِتابةِ الفِقهِ وكِتابةِ العِلمِ وكِتابةِ القُرآنِ وكالسِّقاياتِ والقَناطرِ وإصلاحِ الطُّرقِ والمَساجدِ والمَدارسِ (١) …
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: والشرطُ الثاني: أنْ يَكونَ الوَقفُ على بِرٍّ، وسَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلمًا أو ذِميًّا، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه، كالمَساكينِ والمَساجدِ والقَناطرِ والأقاربِ، وهذا المَذهبُ وعليه جَماهيرُ الأصحابِ وقطَعَ به كَثيرٌ مِنهم (٢).
وَقفُ المُرتدِّ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في وَقفِ المُرتدِّ، هل يَصحُّ منه أم لا؟
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ للواقِفِ مِلَّةٌ، فلا يَصحُّ وَقفُ المُرتدِّ إنْ قُتلَ أو ماتَ على رِدتِه، وإنْ أسلَمَ صَحَّ.
ويَبطلُ وَقفُ المُسلمِ الذي وقَفَه حالَ إسلامِه إنِ ارتَدَّ ويَصيرُ مِيراثًا، سَواءٌ قُتلَ على رِدتِه أو ماتَ أو عادَ إلى الإسلامِ، إلَّا إنْ أعادَ الوَقفَ بعد عَودِه إلى الإسلامِ.
ويَصحُّ وَقفُ المُرتدَّةِ؛ لأنها لا تُقتَلُ.
قالَ في «الدُّر»: وفي «الوَهبانيةِ»: وتَبطلُ أوقافُ امرِئٍ بارتِدادِه، فحالَ ارتِدادٍ منه لا وقْفَ أجدَرُ.
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٩).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١٢، ١٣).
قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قولُه: (وتَبطلُ أوقافُ امرِئٍ بارتِدادِه)، وحاصِلُه مَسألَتانِ:
إحداهُما: لو وقَفَ ثمَّ ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ تعالى- بطَلَ وَقفُه وإنْ عادَ إلى الإسلامِ ما لم يُعِدْ وقْفَه بعد عَودِه؛ لحُبوطِ عَملِه بالرِّدةِ، ونظَرَ فيهِ ابنُ الشِّحنةِ في شَرحِه بأنَّ الحُبوطَ في إبطالِ الثَّوابِ لا فيما تَعلَّقَ به حقُّ الفُقراءِ، وأجابَ الشُّرنبلالِيُّ في شَرحِه بما في «الإسْعَاف» مِنْ أنه لمَّا جعَلَ آخِرَه للمَساكينِ وذلكَ قُربةٌ فبطَلَ. اه
قُلتُ: وهذا الجَوابُ غيرُ مُلاقٍ للسُّؤالِ، وإنَّما ذكَرَه في «الإسْعَاف» جَوابًا عن سُؤالٍ آخَرَ، وهو أنه إذا وقَفَه على قَومٍ بأعيانِهِم لم يَكنْ قُربةً، فأجابَ بما ذُكِرَ، فالجَوابُ الصَّحيحُ: أنَّ الوَقفَ على الفُقراءِ قُربةٌ باقيةٌ إلى حالِ الرِّدةِ، والرِّدةُ تُبطِلُ القُربةَ التي قارَنَتْها، كما لو ارتَدَّ في حالِ صَلاتِه أو صَومِه، بخِلافِ ما إذا ارتَدَّ بعد صلاتِه أو صِيامِه فإنه لا يَبطلُ نَفسُ الفِعلِ، بل ثَوابُه فقط، وأمَّا حقُّ الفُقراءِ فإنَّما هو في الصَّدقةِ فقط، فإذا بطَلَ التصدُّقُ الذي هو معنَى الوَقفِ بطَلَ حقُّهُم ضِمنًا وإنْ كانَ لا يُمكِنُ إبطالُه قَصدًا كما يَبطلُ في خَرابِ الوَقفِ وخُروجِه عن المَنفعةِ، هذا ما ظهَرَ لي فافهَمْ.
الثانيةُ: لو وقَفَ في حالِ رِدتِه فهو مَوقوفٌ عندَ الإمامِ، فإنْ عادَ إلى الإسلامِ صَحَّ، وإلا بأنْ ماتَ أو قُتلَ على رِدَّتِه أو حُكِمَ بلحاقِهِ بطَلَ، ولا رِوايةَ فيهِ عن أبي يُوسفَ، وعند مُحمدٍ: يَجوزُ منه ما يَجوزُ مِنْ القَومِ الذينَ انتَقلَ إلى دِينِهم.
ويَصحُّ وَقفُ المُرتدَّةِ؛ لأنها لا تُقتلُ، إلا أنْ يَكونَ على حَجٍّ أو عُمرةٍ ونحوِ ذلكَ فلا يَجوزُ، كما في شَرحِ «الوَهبانيةِ» مُلخَّصًا.
(قَولُه: فحالَ ارتِدادٍ) مَنصوبٌ على الظَّرفيةِ مُتعلِّقٌ باسمِ «لا»، وأجدَرُ-أي أحَقُّ- خبَرُها، والمعنى: لا يَكونُ الوَقفُ حالَ الرِّدةِ أحَقَّ بالبُطلانِ مِنْ الوَقفِ قبلَها، بل ذاكَ أحَقُّ بالبُطلانِ؛ لعَدمِ تَوقُّفِه، هذا ما ظهَرَ لي، فافهَمْ، واللهُ سُبحانَه أعلَمُ (١).
وقالَ الطَّرابُلسيُّ رحمة الله عليه في «الإسْعَاف»: لو وقَفَ رَجلٌ مُسلمٌ أرْضَه على المَساكينِ أو في الحَجِّ عنه في كُلِّ سَنةٍ أو الغَزوِ عنه أو في أكفانِ المَوتى أو حَفرِ القُبورِ وما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى ثُمَّ ارتَدَّ وقُتلَ أو ماتَ على رِدتِه بطَلَ وَقفُه وصارَ مِيراثًا عنه؛ لحُبوطِ عَملِهِ بها، والوَقفُ قُربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلا تَبقَى معها، وإنْ عادَ إلى الإسلامِ لا يَعودُ إلى الوَقفيةِ بمُجرَّدِ العَودِ، فإنْ ماتَ قبل أنْ يُجدِّدَ فيه الوَقفيةَ كانَ مِيراثًا عنه، ولو جعَلَها وَقفًا على وَلدِه ونَسلِه وعَقبِه ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ ثمَّ ارتَدَّ بعد ذلكَ عن الإسلامِ فماتَ أو قُتلَ عليها يَبطلُ الوَقفُ وتَرجعُ مِيراثًا.
فإنْ قِيلَ: كَيفَ يَبطلُ الوَقفُ وقد جعَلَه على قَومٍ بأعيانِهِم؟
قُلنا: يَجعلُ آخِرَه للمَساكينِ وذلكَ قُربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلمَّا بطَلَ ما
(١) «ابن عابدين على الدر المختار» (٤/ ٣٩٩، ٤٠٠)، ويُنظَر: «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤)، و «النهر الفائق شرح كنز الدقائق» (٣/ ٣١٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٦٨)، و «الهندية» (٢/ ٣٥٤).
يَتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى بطَلَ الباقي؛ لأنه لمَّا بطَلَ ما جعَلَه للمَساكينِ بارتِدادِه فكأنه وقَفَ ولم يَجعلْ آخِرَه للمَساكينِ، وإذا لم يَكنْ آخِرُه لهم لا يَصحُّ الوَقفُ على قَولِ مَنْ لا يُجيزُه إلا بجَعلِ آخِرِه لهم، وكذلكَ لو وقَفَ على أهلِ بَيتِه أو على قَرابتِه أو على مَواليهِ أو على بَني فُلانٍ أبدًا ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ فإنه يَبطلُ بمَوتِه مُرتدًّا، ولو وقَفَ وهو مُرتدٌّ كانَ وَقفُه باطِلًا؛ لأنَّ أبا حَنيفةَ رضي الله عنه لا يُجيزُ تَصرُّفَه في المالِ الذي في يَدِه، حتى لو قُتلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها يَكونُ جَميعُ تَصرُّفاتِه في مالِه باطِلةً، والمَحفوظُ عن أبي يُوسفَ أنَّ بَيعَه وشِراءَه واستِئجارَهُ ونحوَه جائِزٌ، قالَ الخَصَّافُ: ولم يُرْوَ عنه فيما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى شيءٌ نَعرفُه، وقالَ: ألَا تَرَى أنه لو أَوصَى بعِتقِ عَبدٍ له أو أَوصى بحَجٍّ أو بعُمرةٍ أو أَوصى للمَساكينِ بشيءٍ أنَّ ذلكَ باطِلٌ لا يَجوزُ؛ لأنه لا يَملكُ مِنْ مالِه شيئًا بعدَ مَوتِه، فكيفَ تَجوزُ وَصيَّتُه بحَجٍّ أو بغَزوٍ أو بصَدقةٍ وهو كافِرٌ بالذي يَتقرَّبُ إليهِ بذلكَ؟! نَسألُ اللهَ الثَّباتَ على الدِّينِ والمَوتَ على الإسلامِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُرتدَّ إذا أوقَفَ شَيئًا ثم ارتَدَّ لا يَبطلُ ما أوقَفَه قبلَ ردَّتِه، قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: وما أعتَقَه أو أعطاهُ لغَيرِه قبلَ ردَّتِه فإنه لا يَبطلُ، وانظُرْ ما حُكمُ وَقفِه، والظَّاهرُ أنَّ وقْفَه لا يَبطلُ قِياسًا على العِتقِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
(١) «الإسعاف» ص (١٤٥).
(٢) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٧١)، و «منح الجليل» (٩/ ٢٢٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.