الحكم بإسلام اللقيط

الإسلام > الأوقاف والملكية > إذا كان اللقيط محكوما بكفره وتنازعه مسلم وكافر > الحكم بإسلام اللقيط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحكم بإسلام اللقيط - الأقوال والأدلة

الحُكمُ بإِسلامِ اللَّقيطِ:

اللَّقيطُ لا يَخلو إما أنْ يُوجدَ في دارِ الإِسلامِ وإما أنْ يُوجدَ في دارِ الكُفرِ:

أَولاً: أنْ يُوجدَ اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ:

اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ له ضَربانِ: إما أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، وإما أنْ يُوجدَ في بَلدِ المُسلِمينَ.

الضَّربُ الأَولُ: أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في اللَّقيطِ يُوجدُ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ ليسَ فيها مُسلِمٌ أو يُوجدُ في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، هل يُحكمُ بإِسلامِه أم لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.

قالَ الحَنفيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ -الخاضِعةِ لحُكمِ الإِسلامِ- ليسَ فيها مُسلِمٌ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ يَكونُ ذِميًّا؛ تَحكيمًا للظاهِرِ؛ لأنَّ المَوجودَ في مَكانٍ هو في أَيدي أَهلِ الذِّمةِ، وتَصرُّفُهم في أَيديهم، واللَّقيطُ الذي هو في يدِ الذِّميِّ وتَصرُّفِه يَكونُ ذِميًّا، وهذا إذا كانَ الواجِدُ له ذِميًّا بلا خَلافٍ عندَهم، وأما إنْ كانَ الواجِدُ له مُسلِمًا فعلى أَقوالٍ في المَذهبِ:

الأَولُ وهو رِوايةُ الأَصلِ: أنَّه يُحكمُ بكُفرِه كذلك على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ تَغليبًا للمَكانِ لأنَّ المَكانَ إليه أَسبقُ مِنْ يدِ الواجِدِ والحُكمُ للسابِقِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ أَهلَ الذِّمةِ يَضعونَ أَولادَهم في مَساجدِ المُسلِمينَ

وأنَّ المُسلِمينَ لا يَضعونَ أَولادَهم في البِيعِ والكَنائسِ، والحُكمُ بالظاهِرِ واجِبٌ عندَ تَعذُّرِ الوُقوفِ على الحَقيقةِ.

ولأنَّ اللَقيطَ في حُكمِ المُباحِ، فمَن سبَقَت يدُه إليه صارَ مُحرِزًا له، وكانَ الحُكمُ ليدِه؛ إذ ليسَ للمَكانِ يَدٌ مُعتبَرةٌ، ألَا تَرى أنَّ المُباحَ يُملكُ بالإِحرازِ باليَدِ دونَ المَكانِ.

والرِّوايةُ الثانِيةُ وهي رِوايةُ ابنِ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: أنَّه اعتبَرَ حالَ الواجِدِ مِنْ كَونِه مُسلِمًا أو ذِميًّا، فإنْ كانَ الواجِدُ في هذه الأَماكنِ مُسلِمًا فاللَّقيطُ مُسلِمٌ، وإنْ كانَ الواجِدُ ذِميًّا فاللَّقيطُ ذِميٌّ؛ لأنَّ اليَدَ أَقوى مِنْ المَكانِ.

والرِّوايةُ الثالِثةُ: أنَّه يُعتبرُ الحُكمُ بالزِّيِّ والسِيما، فإنْ كانَ عليه سِيما المُسلِمينَ فمُسلِمٌ، وإلا فكافِرٌ، والأَصلُ فيه قَولُه تعالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] فإذا كانَ في عُنقِه صَليبٌ وعليه ثَوبُ دِيباجٍ ووَسطَ رَأسِه مُحرزٌ فالظاهِرُ أنَّه مِنْ أَولادِ النَّصارى، فلا يُحكمُ له بإِسلامِه، وإلا حُكمَ بإِسلامِه.

وفي رِوايةٍ: يُحكمُ بإِسلامِه نَظرًا للصَّغيرِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في بِلادِ المُسلِمينَ فإنَّه يُحكمُ بإِسلامِه بلا خِلافٍ؛ لأنَّه الأَصلُ والغالِبُ، وسَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ.

(١) «المبسوط» (١٧/ ١٣٠، ١٣١)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩٨)، و «الهداية» (٢/ ١٧٣)، و «الاختيار» (٣/ ٣٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٣، ١٨٤)، و «العناية» (٨/ ١٩١)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٥٨)، و «اللباب» (١/ ٦٥٩).

وكذا يُحكمُ بإِسلامِه إذا وُجدَ في قَريةٍ ليسَ فيها مِنْ المُسلِمينَ سِوى بَيتَينِ أو ثَلاثةٍ تَغليبًا للإِسلامِ، بشَرطِ أنْ يَكونَ الذي التَقطَه مُسلِمًا، فإنِ التَقطَه ذِميٌّ فإنَّه يُحكمُ بكُفرِه على المَشهورِ، والبَيتُ كالبَيتَينِ على ظاهِرِ «المُدوَّنة».

وأما إنْ كانَ فيها أَكثرُ مِنْ ثَلاثةِ بُيوتٍ فيُحكمُ بإِسلامِه قَطعًا وإنِ التَقطَه كافِرٌ، وكذا لو كانَ المُسلِمونَ مُساوينَ أو أَكثرَ أو قَريبًا مِنْ التَّساوي، فيُحملُ اللَّقيطُ على الإِسلامِ وإنِ التَقطَه مُشرِكٌ.

وإذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى الشِّركِ أو في مَوضعٍ مِنْ مَواضِعهم كالبَيعةِ والكَنيسةِ -ولو كانَت بينَ قُرى المُسلِمينَ- فإنَّه يَكونُ مُشرِكًا، سَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ تَغليبًا للدارِ، والحُكمُ للغالِبِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقيلَ: إنِ التَقطَه مُسلِمٌ فمُسلِمٌ وإنِ التَقطَه كافِرٌ فكافِرٌ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا وُجدَ لَقيطٌ بدارِ الإِسلامِ بأنْ سكَنَها المُسلِمونَ وإنْ كانَ فيها أَهلُ ذِمةٍ أو مُعاهدونَ، أو وُجدَ لَقيطٌ بدارٍ فتَحَها المُسلِمونَ وأقرُّوها بيَدِ الكُفارِ صُلحًا على وَجهِه وإنْ لمْ يَملِكُوها، أو وُجدَ بدارٍ أقَرَّها المُسلِمونَ بيدِ كفارٍ بعدَ مِلكِها عَنوةً بجِزيةٍ، أو وُجدَ اللَّقيطُ بدارٍ كانَ المُسلِمونَ يَسكنونَها ثُم جَلاهم الكُفارُ عنها، وفيها مُسلِمٌ في الصُّورِ الأَربعِ

(١) «مواهب الجليل» (٤٣، ٤٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٦)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٩/ ٢٨٠، ٢٨١).

يُمكنُ أنْ يُولدَ للمُسلِمِ ذلك اللَّقيطُ ولو كانَ المُسلِمُ أَسيرًا مُنتشِرًا أو تاجِرًا أو مُجتازًا أو نَفاه حُكمَ بإِسلامِ اللَّقيطِ في المَسائلِ الأَربعِ تَغليبًا للإِسلامِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «الإِسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه».

وأما إذا كانَ جَميعُ مَنْ في القَريةِ كُفارًا بعدَ أنْ أَجلوا المُسلِمينَ منها فهو كافِرٌ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يُحتملُ أنْ يَكونَ ابنَ مُسلِمٍ.

وقيلَ: إنَّه مُسلِمٌ؛ لأنَّ الدارَ دارُ إِسلامٍ، ويُحتملُ أنْ يَكونَ بقِيَ فيها مُسلِمٌ أخفَى نَفسَه وهذا ابنُه.

وإذا وُجدَ اللَّقيطُ بدارِ الإِسلامِ ولا مُشركَ فيها كالحَرمِ فهو مُسلِمٌ ظاهِرًا وباطنًا وإلا ففي الظاهِرِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ وُجدَ اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ في بلدٍ كلُّ أَهلِها أَهلُ ذِمةٍ فكافِرٌ؛ لأنَّ تَغليبَ حُكمِ الإِسلامِ إنما يَكونُ معَ الاحتِمالِ، وهذه لا مُسلِمَ فيها يُحتملُ كَونُه منه.

وقالَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ: هو مُسلِمٌ؛ لأنَّ الدارَ للمُسلِمينَ، ولاحتِمالِ كَونِه مِنْ مُسلِمٍ يَكتمُ إِيمانَه.

وإنْ وُجدَ اللَّقيطُ في بَلدِ الإِسلامِ الذي كلُّ أَهلِه أَهلُ ذِمةٍ وكانَ فيها

(١) «البيان» (٨/ ١٢، ١٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٦٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٢٩، ٥٣٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٦٣، ٦٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٥٢٠، ٥٢١)، و «الديباج» (٢/ ٥٧١، ٥٧٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
باب في اللقيط

وَأَمَّا إِذَا قَبَضَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْوَجْهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ.

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ ثَوْبًا فَيَأْخُذَهُ، وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ.

وَتَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَهُوَ الْعَبْدُ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ اسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فَهُوَ الضَّامِنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ كَانَتْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ مُتَطَوِّعٌ بِحِفْظِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَنْ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الْبَابِ.

بَابٌ فِي اللَّقِيطِ

بَابٌ

فِي اللَّقِيطِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 363 - 366

ارجع إلى إذا كان اللقيط محكوما بكفره وتنازعه مسلم وكافر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله