النوع الثاني: إقطاع الإرفاق

الإسلام > الأوقاف والملكية > الإقطاع > النوع الثاني: إقطاع الإرفاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

النوع الثاني: إقطاع الإرفاق - الأقوال والأدلة

النوعُ الثانِي: إِقطاعُ الإرفاقِ:

إِقطاعُ الإِرفاقِ: هو أنْ يُقطِعَ الإمامُ أو نائبُه مِنْ إِنسانٍ مَوضعًا مِنْ مَقاعدِ الأَسواقِ والطَّريقِ الواسعةِ ليَجلسَ فيه للبَيعِ والشِّراءِ (١).

ويُسمَّى أيضًا: إِقطاعَ الإِمتاعِ أو الانتِفاعِ.

أجازَ جُمهورُ الفَقهاءِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وغيرُهم للإمامِ أنْ يُقطِعَ إِقطاعَ إِرفاقٍ، مثلُ أنْ يُقطِعَ مَقاعدَ السُّوقِ والطُّرقِ الواسِعةِ ورحبِ المَساجدِ، وإذا أقطَعَه الإمامُ شيئًا مِنْ ذلك صارَ أحقَّ به مِنْ غيرِه.

قالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ إِقطاعُ مَقاعدِ الأَسواقِ والطُّرقِ الواسِعةِ وما بينَ العَمائرِ مِنْ الشَّوارعِ إذا لَم يَكنْ ملكَ أحدٍ ولا يَضُرُّ المارةَ، فإذا أقطعَه الإمامُ شيئًا مِنْ ذلك صارَ أحقَّ به مِنْ غيرِه، فإنْ قامَ عنه ونقلَ رحلَه عنه ثُم رجعَ إليه ووجدَ غيرَه فيه فالأولُ الذي أقطعَه الإمامُ أحقُّ به، وهذا هو الفرقُ في الارتفاقِ بهذه المواضعِ بغيرِ الإِقطاعِ وبالإِقطاعِ.

وليسَ لِلسلطانِ ولا لأحدٍ أنْ يَأخذَ على ذلك عوضًا، سواءٌ جلسَ بإذن السلطانِ أو بغيرِ إذنِه، فإنْ سبقَ أحدٌ إلى ما لَم يُقطِعْه السلطانُ مِنْ ذلك جازَ له الارتفاقُ، فإنْ قامَ عنه بمتاعِه كانَ لغيرِه أنْ يَرتفقَ به.

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: المَقاعدُ بالأَسواقِ التي هي طُرقُ المُسلِمينَ كافَّةً، فمَن قعَدَ في مَوضعٍ منها لبيعٍ كانَ أحقَّ به بقَدرِ ما يَصلحُ له، ومتى قامَ

(١) «الحاوي للفتاوى» (١/ ١٢٦)، و «القواعد الفقهية» (١/ ٢٢٣).

عنه لَم يَكنْ له أنْ يَمنعَه مِنْ غيرِه، قالَ: وهكذا القومُ مِنْ العَربِ يَحلُّونَ المَوضعَ مِنْ الأرضِ في أَبنيتِهم مِنْ الشَّعرِ وغيرِه ثُم يَنتجِعونَ عنه لا تَكونُ هذه عِمارةً يَملِكونَ بها حيثُ نزَلوا، وكذلك لو بَنَوا خِيامًا؛ لأنَّ الخِيامَ تَجفُّ وتَحولُ تَحويلَ أَبنيةِ الشَّعرِ والفَساطيطِ، وهذا والمَقاعدُ بالسُّوقِ ليسَ بإِحياءِ مَواتٍ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الارتِفاقُ بمَقاعدِ الأَسواقِ وأَفنيةِ الشِّوارعِ وحَريمِ الأَمصارِ ومَنازلِ الأَسفارِ أنْ يَجلِسَ فيه الباعةُ وأنْ تُحَطُّ فيه الرِّحالُ، فهذا مُباحٌ قد أقَرَّ رَسولُ اللهِ الناسَ عليه بمَكةَ والمَدينةِ، ومكَّنَ الخُلفاءُ الراشِدونَ بعدَه في الأَمصارِ كلِّها فُتوحَها ومُحياها، ولأنَّ حاجةَ الناسِ إلى ذلك ماسَّةٌ وضَرورتُهم إليه داعِيةٌ، فجَرى مَجرى الاستِطراقِ والارِتفاقِ …

فإذا تَقرَّرَ جوازُ الارتِفاقِ بما وصَفْنا فهو على ثَلاثةِ أَضربٍ:

ضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بالصَّحاري والفَلواتِ، وضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ المَنازلِ والأَملاكِ، وضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ.

فأما الضربُ الأولُ: وهو ما يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بالصَّحاري والفَلواتِ كمَنازلِ المُسافِرينَ إذا حَلّوا في أَسفارِهم بمَنزلِ استِراحةٍ فلا نظَرَ للإمامِ

(١) «الأم» (٤/ ٤٣)، ويُنظَر: «البيان» (٧/ ٤٩٦)، و «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإِسلام» (١/ ١١٦).

عليهم فيه لبُعدِه عنهم، ويَجوزُ لهم النُّزولُ حيثُ لا يَضرونَ المُجتازَ ولا يَمنعونَ سائلًا، ثُم لهم الماءُ والمَرعى مِنْ غير مَنعٍ ولا حُمى، وهكذا البادِيةُ إذا انتَجعوا أرضًا طلبًا للماءِ والكَلأِ مكَثوا فيها ولم يُزالوا عنها، وليسَ لهم أنْ يَمنعوا غيرَهم مِنْ انتِجاعِها ورَعيِها إلا أنْ يَضيقَ بهم، فيَكونُ السابِقونَ إليها أَولى بها ممن جاءَ بعدَهم، رَوى يُوسفُ بنُ ماهكَ عن أَبيه عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «قُلتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، ألَا نَبنِي لك بمنًى بِناءً يُظللُكَ مِنْ الشَّمسِ؟ فقالَ: لا، إنَّما هو مناخُ مَنْ سبَقَ إليه» (١)، فلو ضاقَ المَنزلُ عن جَميعِ ما ورَدَ إليه نزَلوا فيه بحَسبِ مَسيرِهم إليه يَترتَّبونَ النُّزولَ كما كانوا مُترتِّبينَ في المَسيرِ، فمَن قصَرَ عنهم عن لُحوقِ المَنزلِ نزَلَ حيثُ بلَغَ، ولو ضاقَ بهم الماءُ فإنْ كانوا لو تَواسَوا به عمَّهم لزِمَهم أنْ يَتواسَوا فيه، ومُنِعوا مِنْ أنْ يَحوزَ بعضُهم أكثرَ مِنْ حاجتِه، وإنْ ضاقَ عن مُواساتِهم فيه كانَ الأَسبقُ إليه أحقَّ بقَدرِ كِفايتِه عنهم، فإنْ غلَبَ عليه المَسبوقُ لَم يَسترجِعْ منه؛ لأنَّه قد ملَكَه بالإِجارةِ بعدَ أنْ كانَ مُباحًا، وإنْ جاءوا إليه على سَواءٍ لَم يَسبِقْ بعضُهم بعضًا وهو يَنقصُ عن كَفايتِهم اقتَرعوا عليه، فأيُّهم قُرعَ كانَ أحقَّ بما يُمسِكُ رَمقَه حتى يَرتويَ الآدَميونَ، وليسَ لمَن قُرعَ منهم أنْ يُقدِّمَ بهائمَه على ارتِواءِ الآدَميينَ، فإذا ارتَوى الآدَميونَ جَميعًا استُؤنفَتِ القُرعةُ

(١) رواه أبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وقَالَ الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٣٠٠٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٨٩١)، والحاكم في «المستدرك» (١٧١٤)، وقال: هذا حَديثٌ صَحيحٌ على شَرطِ مُسلمٍ ولم يُخرِّجاهُ.

بينَ البَهائمِ، ولَم يَحملُوا على القُرعةِ المُتقدِّمةِ؛ لأنَّهما جِنسانِ يَختلِفُ حُكمُهما، وهل تُستأنَفُ القُرعةُ على أَعيانِ البَهائمِ أو على أَعيانِ أَربابِها؟ على وَجهينِ …

وأما الضربُ الثانِي: وهو ما يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ المَنازلِ والأَملاكِ كمَقاعدِ الباعةِ والسّوقةِ في أَقنيةِ الدُّورِ فيُنظَرُ فيه، فإنْ أضَرَّ ذلك بأَربابِ الدُّورِ مُنعِوا مِنْ الجُلوسِ إلا بإذنِهم، وإنْ لم يَضُرَّ بهم نُظرَ، فإنْ كانَ الجُلوسُ على عَتبةِ الدارِ لَم يَجزْ إلا بإذنِ مالكِ الدارِ، وهو أحقُّ بالإذنِ مِنْ الإمامِ، وإنْ كانَ في فِناءِ الدارِ وحَريمِها الذي لا يَضرُّ بالدارِ ولا بمالِكِها ففيه قَولانِ:

أحدُهما: أنَّه يَجوزُ لهم الجُلوسُ فيه بغيرِ إذنِ مالِكها؛ لأنَّ حَريمَ الدارِ مُرفقٌ عامٌّ كالطريقِ، وليسَ لربِّ الدارِ أنْ يَمنعَ مَنْ جلَسَ ولا يُقدِّمَ عليه غيرَه.

والقولُ الثانِي: أنَّه لا يَجوزُ لهم الجُلوسُ فيه إلا بإذنِ مالكِها؛ لأنَّ مالكَ الدارِ أحقُّ بحَريمِها، ولا يَجوزُ للمالكِ وإنْ كانَ أحقَّ بالإذنِ أنْ يَأخذَ عليه أجرةً كما يَجوزُ أنْ يَأخذَ عليه بانفِرادِه ثمنًا؛ لأنَّه يَقعُ للملكِ وليسَ بملكٍ، فلو كانَ مالكُ الدارِ مَولى عليه لَم يَجزْ لوليِّه أنْ يَأذَنَ في الجُلوسِ فيه؛ لأنَّه غيرُ مُستحَقٌّ في الملكِ ولا مُعاوضٍ عليه ولا مُنتفَعٍ به، وسواءٌ كانَ مالكُ الدارِ مُسلمًا أو ذِميًّا، ولمالكِ الدارِ إذا أَجلسَ رَجلًا أنْ يُقيمَه منه إذا شاءَ ويُقدِّمَ عليه مَنْ يَشاءُ.

فأما فناءُ المَسجدِ فإنْ كانَ في الجُلوسِ فيهِ إِضرارٌ بأهلِ المَسجدِ مُنعوا منه، وإنْ لَم يَكنْ فيه إِضرارٌ بأهلِ المَسجدِ فهل يَلزمُ استِئذانُ الإمامِ فيه أم لا؟ على وَجهينِ، إنْ قيلَ إنَّ فناءَ الملكِ لا يَلزمُ استِئذانُ ربِّه فيه لَم يَلزمِ استِئذانُ الإمامِ في فِناءِ المَسجدِ، وإذنُ الإمامِ إذنُ اجتِهادٍ في الأَصلحِ، وسَواءٌ في فِناءِ المَسجدِ جِيرانُه والأَباعدُ.

وأما الضَّربُ الثالثُ: وهو ما يَختَصُّ بالارتِفاقِ فيه بأَقنيةِ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ أنْ يَجلسَ فيها السّوقةُ بأَمتعتِهم ليَبيعوا ويَشتروا فهذا مُباحٌ؛ لمَا قدَّمْنا مِنْ الدَّليلِ عليه، وللإمامِ أنْ يَنظُرَ فيه، واختَلفَ أَصحابُنا في حُكمِ نَظرِ الإمامِ فيه على وَجهينِ:

أحدُهما: أنَّ نظَرَه فيه مَقصورٌ على كفِّهِم عن التَّعدِّي ومَنعِهم مِنْ الإِضرارِ، وليسَ له أنْ يَمنعَ جالسًا ولا أنْ يُقدِّمَ أحدًا.

والوجهُ الثانِي: أنَّ نَظرَه نَظرُ مُجتهِدٍ فيما يَراه صَلاحًا، مِنْ إِجلاسِ مَنْ يُجلِسُه ومنعِ مَنْ يَمنعُه وتَقديمِ مَنْ يُقدِّمُه، كما يَجتهدُ في أَموالِ بَيتِ المالِ، فإذا أخَذَ الباعةُ مَقاعدَهم في أَقنيةِ الأَسواقِ والطُّرقاتِ رُوعِي في جُلوسِهم ألَّا يَضُرُّوا بمارٍّ ولا يُضيِّقوا على سائلٍ، وليسَ للإمامِ أنْ يَأخذَ منهم أُجرةَ مَقاعدِهم، فلو جلَسَ رَجلٌ بمَتاعِه في مَكانٍ فجاءَ غيرُه لِيُقيمَه منه ويَجلسَ مَكانَه لَم يَجزْ ما كانَ الأولُ جالسًا بمَتاعِه، فلو قامَ ومَتاعُه في المَكانِ فهو على حقِّه فيه ومَنعِ غيرِه منه، فإذا قاموا مِنْ مَقاعدِهم بأَمتعتِهم عندَ دُخولِ اللَّيلِ ثُم غدَوا إليها مِنْ الغدِ كانَ كلُّ مَنْ سبَقَ إلى مَكانٍ أَحقَّ به، ولا يَستحِقُّ العَودَ إلى المَكانِ الذي كانَ فيه وعُرفَ به.

وقالَ مالكٌ: إذا عُرفَ أَحدُهم بمَكانِه طالَ جُلوسُه فيه فهو أَحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لِمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بقَطعِ التَّنازعِ ووُقوعِ الاختِلافِ، وهذا عنه صَحيحٌ؛ لقولِه : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ»، ولأنَّه لو جُعلَ أَحقَّ به لصارَ في حُكمِ ملكِه، ولحَماه عن غيرِه، فلو تَنازعَ رَجلانِ في مَقعدٍ ولَم يُمكنْهما الجُلوسُ بِناءً على نَظرِ الإمامِ فيه: أحدُهما: يُقرَعُ بينهما، فأيُّهما قُرعَ كانَ به أَحقَّ، وهذا على الوجهِ الذي يَجعَلُ نظَرَ الإمامِ مَقصورًا على مَنعِ الضَّررِ وقَطعِ التَّنازعِ، والوجهُ الثانِي: أنَّ الإمامَ يَجتهدُ رأيَه في إِجلاسِ مَنْ يَرى منهما، وهذا على الوجهِ الذي يَجعلُ نظرَ الإمامِ نظرَ اجتِهادٍ ومَصلحةٍ.

فلو أقطَعَ الإمامُ رَجلًا مَوضعًا مِنْ مَقاعدِ الأَسواقِ لِيَبيعَ فيه متاعَه ففيه وَجهانِ:

أحدُهما: أنَّه أحقُّ بالمَكانِ ما لَم يُسبَقْ إليه، فإنْ سُبِقَ إليه كانَ السابقُ أحقَّ به، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه مَقصورٌ على مَنعِ الضَّررِ.

والوجهُ الثانِي: أنَّه أحقُّ مِنْ السابقِ بذلك المَكانِ، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه اجتِهادٌ في الأَصلحِ، فلو أنَّ رَجلًا ألِفَ مَقعدًا في فِناءِ طَريقٍ حتى تَقادمَ عهدُه فيه وعُرفَ به ففيهِ لأَصحابِنا وَجهانِ:

أحدُهما: يُقرُّ في مَكانِه ما لَم يَسبقْه إليه غيرُه.

والوجهُ الثانِي: أنَّه يُقامُ عنه ويُمنَعُ منه؛ لئلَّا يَصيرَ ذريعةً إلى تَملُّكِه وادِّعائِه، فلو أرادَ رَجلٌ أنْ يَبنيَ في مَقعدٍ مِنْ فِناءِ السُّوقِ بِناءً مُنعَ؛ لأنَّ

إِحداثَ الأَبنيةِ يُستحقُّ في الأَملاكِ، وأما إذا حلَّقَ الفَقهاءُ في المَساجدِ والجَوامعِ حِلقًا مُنعَ الناسُ مِنْ استِطراقِها والاجتِيازِ فيها؛ لقولِه : «لا حِمى إلا في ثَلاثٍ: ثُلةِ البئرِ، وطولِ الفرسِ، وحَلقةِ القومِ»، فلو عُرفَ فَقيهٌ بالجُلوسِ مع أَصحابِه في مَوضعٍ مِنْ الجامعِ لَم يَكنْ له مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وكانَ السابقُ أحقَّ به، وقالَ مالكٌ: قد صارَ مَنْ عُرفَ بذلك المَوضعِ مِنْ الفَقهاءِ والقُرَّاءِ أحقَّ به، وله مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] واللهُ أَعلمُ بالصَّوابِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فصلٌ في القَطائعِ وهي ضَربانِ:

أحدُهما: إِقطاعُ إِرفاقٍ، وذلك إِقطاعُ مَقاعدِ السُّوقِ والطُّرقِ الواسِعةِ ورِحابِ المَساجدِ التي ذكَرْنا أنَّ للسَّابقِ إليها الجُلوسَ، فللإمامِ إِقطاعُها لمَن يَجلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجتِهادًا مِنْ حيثُ إنَّه لا يَجوزُ الجُلوسُ إلا فيما لا يَضرُّ بالمارَّةِ، فكانَ للإمامِ أنْ يُجلِسَ فيها مَنْ لا يَرى أنَّه يُتضرَّرُ بجُلوسِه، ولا يَملكَها المُقطَعُ بذلك، بل يَكونُ أحقَّ بالجُلوسِ فيها مِنْ غيرِه بمَنزلةِ السابقِ إليها مِنْ غيرِ إِقطاعٍ سَواءً إلا في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ السابقَ إذا نقَلَ مَتاعَه عنها فلغيرِه الجُلوسُ فيها؛ لأنَّ استِحقاقَه لها بسَبقِه إليها ومُقامِه فيها، فإذا انتَقلَ عنها زالَ استِحقاقُه؛ لزَوالِ المَعنى الذي استَحقَّ به، وهذا استَحقَّ بإِقطاعِ الإمامِ فلا يَزولُ حقُّه بنَقلِ مَتاعِه ولا يَضرُّه الجُلوسُ

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٩٣، ٤٩٦).

فيه، وحُكمُه في التَّظليلِ على نَفسِه بما ليسَ بناءً ومَنعِه مِنْ البناءِ ومنعِه إذا طالَ مُقامُه حُكمُ السابقِ على ما أسلَفْناه (١).

وقالَ أيضًا قبلَ ذلك: وما كانَ مِنْ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ والرِّحابِ بينَ العُمرانِ فليسَ لأحدٍ إِحياؤُه، سَواءٌ كانَ واسعًا أو ضيِّقًا، وسَواءٌ ضيَّقَ على الناسِ أو لَم يُضيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشتركُ فيه المُسلِمونَ وتَتعلَّقُ به مَصلحتُهم فأشبَه مَساجدَهم، ويَجوزُ الارتِفاقُ بالقُعودِ في الواسعِ مِنْ ذلك للبيعِ والشِّراءِ على وجهٍ لا يُضيِّقُ على أحدٍ ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لاتِّفاقِ أهلِ الأَمصارِ في جميعِ الأَعصارِ على إِقرارِ الناسِ على ذلك مِنْ غيرِ إِنكارٍ، ولأنَّه ارتِفاقٌ مُباحٌ مِنْ غيرِ إِضرارٍ فلَم يَمنعْ منه كالاجتِيازِ، قالَ أحمدُ في السابقِ إلى دَكاكينِ السُّوقِ غَدوةً فهو له إلى اللَّيلِ، وكانَ هذا في سُوقِ المَدينةِ فيما مَضى، وقد قالَ النَّبيُّ : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ» (٢)، وله أنْ يُظلِّلَ على نفسِه بما لا ضَررَ فيه مِنْ بارِيَّةِ وتابوتٍ وكِساءٍ ونحوِه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه مِنْ غير مضرَّةٍ فيه، وليسَ له البِناءُ لا دكةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضيِّقُ على الناسِ ويَعثُرُ به المارةُ باللَّيلِ والضَّريرُ في الليلِ والنهارِ ويَبقى على الدوامِ، فرُبَّما ادَّعى ملكَه بسَببِ ذلك، والسابقُ أحقُّ به ما دامَ

(١) «المغني» (٥/ ٣٣٦).
(٢) رواه أبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وقَالَ الترمذي: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ. وابن ماجه (٣٠٠٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٨٩١)، والحاكم في «المستدرك» (١٧١٤)، وقَالَ: هذا حَديثٌ صَحيحٌ على شَرطِ مُسلمٍ ولم يُخرِّجاهُ.

فيه، فإنْ قامَ وتركَ متاعَه فيه لَم يَجزْ لغيرِه إِزالتُه؛ لأنَّ يدَ الأولِ عليه، وإنْ نقَلَ مَتاعَه كانَ لغيرِه أنْ يَقعدَ فيه؛ لأنَّ يدَه قد زالَت، وإنْ قعَدَ وأطالَ مُنعَ مِنْ ذلك؛ لأنَّه يَصيرُ كالمُتملِّكِ، ويَختَصُّ بنَفعٍ يُساويه غيرُه في استِحقاقِه، ويَحتمَلُ ألَّا يُزالَ لأنَّه سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ، وإنِ اسْتَبقَ اثنانِ إليه احتَملَ أنْ يُقرَعَ بينَهما، واحتَملَ أنْ يُقدِّمُ الإمامُ مَنْ يَرى منهما، وإنْ كانَ الجالسُ يُضيِّقُ على المارَّةِ لَم يَحلَّ له الجُلوسُ فيه ولا يَحلُّ للإمامِ تَمكينُه بعِوضٍ ولا غيرِه، قالَ أحمدُ: ما كانَ يَنبغي لنا أنْ نَشتريَ مِنْ هؤلاءِ الذين يَبيعونَ على الطَّريقِ، قالَ القاضِي: هذا مَحمولٌ على أنَّ الطَّريقَ ضَيقٌ أو يَكونَ يُؤذي المارَّةَ لِمَا تقدَّمَ ذِكرُنا له، وقالَ: لا يُعجبُني الطَّحنُ في العُروبِ إذا كانَت في طَريقِ الناسِ -وهي السُّفنُ التي يُطحَنُ فيها في الماءِ الجارِي- إنَّما كُرهَ ذلك؛ لتَضييقِها طَريقَ السُّفنِ المارَّةِ في الماءِ، قالَ أحمدُ: ربَّما غرِقَت السُّفنُ، فأَرى للرَّجلِ أنْ يَتوقَّى الشِّراءَ مما يُطحنُ بها (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٣٥، ٣٣٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
باب إقطاع المعادن وغيرها

باب إقطاع المعادن وغيرها

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَفِي إِقْطَاعِ الْمَعَادِنِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُخَالِفُ إِقْطَاعَ الْأَرْضِ لِأَنَّ مَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا فِيهَا مَعَادِنُ أَوْ عَمِلَهَا وَلَيْسَتْ لأحدٍ سواءٌ كَانَتْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ نُحَاسًا أَوْ مَا لَا يَخْلُصُ إِلَا بمؤنةٍ لِأَنَّهُ باطنٌ مستكنٌّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ ترابٍ أَوْ حجارةٍ كَانَتْ هَذِهِ كَالْمَوَاتِ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُقْطِعَهُ إِيَّاهَا ومخالفةٌ لِلْمَوَاتِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ الْمَوَاتَ إِذَا أُحْيِيَتْ مَرَّةً ثَبَتَ إِحْيَاؤُهَا وَهَذِهِ فِي كُلِّ يومٍ يُبْتَدَأُ إِحْيَاؤُهَا لِبُطُونِ مَا فِيهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَعَادِنَ ضَرْبَانِ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ وَذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَةَ مِنْهَا لَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا شَيْءَ فِي ظَاهِرِهَا حَتَّى تُحْفَرَ أَوْ تُقْطَعَ فَيَظْهَرَ مَا فِيهَا بِالْحَفْرِ وَالْقَطْعِ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، سَوَاءٌ احْتَاجَ مَا فِيهَا إِلَى سَبْكٍ وَتَخْلِيصٍ كَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ كَالتِّبْرِ مِنَ الذَّهَبِ، فَفِي جَوَازِ إِقْطَاعِهَا قَوْلَانِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 103 - 111

ارجع إلى الإقطاع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر