إذا اختلفا فقال الراكب: «أكريتنيها»، وقال المالك: «بل أعرتكها»

الإسلام > الأوقاف والملكية > الانتفاع بالعارية > إذا اختلفا فقال الراكب: «أكريتنيها»، وقال المالك: «بل أعرتكها»

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

إذا اختلفا فقال الراكب: «أكريتنيها»، وقال المالك: «بل أعرتكها» - الأقوال والأدلة

اختَلفا في صِفةِ القَبضِ، والأَصلُ فيما يَقبضُه الإِنسانُ مِنْ مالِ غيرِه الضَّمانُ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤديَه»، فإذا حلَفَ المالكُ استَحقَّ القِيمةَ، والقولُ في قَدرِها قولُ الراكِبِ معَ يَمينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ الزِّيادةَ المُختلَفَ فيها والأَصلُ عَدمُها.

وإنِ اختَلفا في ذلك بعدَ مُضيِّ مدةٍ لمِثلِها أَجرٌ وتلَفِت البَهيمةِ وكانَ الأَجرُ بقدرِ قِيمتِها أو كانَ ما يَدَّعيه المالكُ منهما أَقلَّ مما يَعتَرفُ به الراكِبُ فالقولُ قولُ المالكِ بغيرِ يَمينٍ، سَواءٌ ادَّعى الإِجارةَ أو الإِعارةَ؛ إذ لا فائِدةَ في اليَمينِ على شيءٍ يَعتَرفُ له به.

ويُحتمَلُ ألَّا يَأخذَه إلا بيَمينٍ؛ لأنَّه يَدَّعي شيئًا لا يُصدَّقُ فيه، ويَعتَرفُ له الراكِبُ بما يَدَّعيه فيَحلِفُ على ما يدَّعيه، وإنْ كانَ ما يَدَّعيه المالكُ أَكثرَ -مثلُ: إنْ كانَت قِيمةُ البَهيمةِ أكثرَ مِنْ أَجرِها- فادَّعى المالكُ أنَّها عارِيةٌ لتَجبَ له القِيمةُ وأنكَرَ استِحقاقَ الأُجرةِ وادَّعى الراكِبُ أنَّها مُكتَراةٌ أو كانَ الكِراءُ أَكثرَ مِنْ قِيمتِها فادَّعى المالكُ أنَّه أجَّرَها ليَجبَ له الكِراءُ وادَّعى الراكِبُ أنَّها عارِيةٌ فالقولُ قولُ المالكِ في الصُّورتَينِ؛ لِمَا قدَّمْنا، فإذا حلَفَ استَحقَّ ما حلَفَ عليه، ومَذهبُ الشافِعيِّ في هذا كلِّه نحوُ ما ذكَرْنا (١).

٢ - إذا اختَلفا فقالَ الراكِبُ: «أَكْريتَنِيها»، وقالَ المالكُ: «بل أَعرْتُكَها»:

إذا كانَ الاختِلافُ عَكسَ الحالةِ الأُولى بأنْ قالَ الراكِبُ: «أكْريتَنِيها»، وقالَ المالكُ: «بل أَعرْتُكَها» والدابَّةُ باقِيةٌ، فالقولُ قولُ المالكِ في نَفيِ

(١) «المغني» (٥/ ١٣٦، ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٩٢، ٩٣).

الإِجارةِ، فإنْ حلَفَ أنَّه ما أجَّرَه استَرَدَّها، فإنْ نكَلَ حلَفَ الراكِبُ واستَحقَّ الإِمساكَ، وهذا مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ.

وإذا مضَت مُدةٌ لها أُجرةٌ، والراكِبُ يُقرُّ بالأُجرةِ، والمالكُ يُنكرُها، فلا يَستحِقُّها إلا بالتَّصديقِ.

قالَ الشافِعيةُ: وإنْ كانَ هذا الاختِلافُ بعدَ هَلاكِ الدابَّةِ، فإنْ تلِفَت عُقيبَ الدَّفعِ قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ فإنَّ المالكَ يَدَّعي أنَّها عارِيةٌ ليَستحقَّ قِيمتَها والراكِبُ يُنكرُ العارِيةَ فالقولُ قولُ المالكِ قولًا واحدًا؛ لأنَّ الاختِلافَ هاهنا في العَينِ لا في المَنفعةِ، والعَينُ قد قبَضَها الراكِبُ، والأَصلُ فيما يَقبضُه الإِنسانُ مِنْ مالِ غيرِه الضَّمانُ؛ لِقولِه : «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤديَه».

وإنْ كانَ الاختِلافُ بعدَ مُضي المُدةِ فإنَّ الراكِبَ يُقرُّ له بالأُجرةِ، والمالكُ يَدَّعي القِيمةَ، فإن كانَت القِيمةُ بقَدرِ الأُجرةِ فقيلَ: يَدفعُ إليه مِنْ غيرِ يَمينٍ؛ لأنَّهما اتَّفَقا أنَّ المالكَ يَستحِقُّ ذلك.

وقيلَ: لا تَثبتُ الأُجرةُ؛ لأنَّه لا يَدَّعيها، ولكنْ يَحلِفُ المالكُ على القِيمةِ، وهكذا الوَجهانِ لو كانَت القِيمةُ أقلَّ، هل يَستحِقُّها المالكُ مِنْ غيرِ يَمينٍ؟

وإنْ كانَت القِيمةُ أكثرَ لَم يَستحقَّ المالكُ ما زادَ على الأُجرةِ حتى يَحلِفَ، وهل يَستحِقُّ قَدرَ الأُجرةِ مِنْ غيرِ أنْ يَحلِفَ؟ على الوَجهَينِ (١).

(١) «البيان» (٦/ ٥٣٢، ٥٣٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٣٣، ٦٣٤)، و «المغني» (٥/ ١٣٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٩٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)

مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.

فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 198 - 199

ارجع إلى الانتفاع بالعارية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر