الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > الحالة الثانية: أن يخلطها بما لا يمكن تميزها عنه أو يعسر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَخلطَها بما لا يُمكنُ تَميزُها عنه أو يَعسرُ:
إذا خلَطَ المُودَعُ الوَديعةَ بما لا يُمكنُ تَمييزُه عنها، بحَيثُ يَعسرُ تَمييزُ وتَفريقُ أَحدِ المالَينِ عن الآخرِ، فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ يَفعلَ ذلك بإِذنِ ربِّ الوَديعةِ:
إذا خلَطَ الوَديعةَ بما لمْ تَتميزْ منه مِنْ مالِه أو مالِ غيرِه فقد نصَّ الحَنابِلةُ أنَّه لا ضَمانَ عليه، سَواءٌ خلَطَها بمالِه أو بمالِ غيرِه؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ به مِنْ ربِّها، فكانَ نائبًا عن المالِكِ فيه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقد نقَلَ مُهنَّا عن أَحمدَ في رَجلٍ استُودِعَ عَشرةَ دَراهمَ واستودَعَه آخرُ عَشرةً وأمَرَه أنْ يَخلطَها فخلَطَها فضاعَت الدَّراهمُ فلا شَيءَ عليه، فإنْ أمَرَه أَحدُهما بخَلطِ دَراهمِه ولمْ يَأمرْه الآخرُ فعليه ضَمانُ دَراهمِ مَنْ لمْ يَأمرْه دونُ الأُخرى (١).
الأَمرُ الثانِي: أنْ يَخلطَ الوَديعةَ بما لا يُمكنُ تَمييزُها عنه بغيرِ إِذنِ ربِّ الوَديعةِ:
وهذا له صُورٌ مُتعدِّدةٌ بَيانُها فيما يلي:
أ- خَلطُ الوَديعِ الوَديعةَ بمالِه أو بمالِ غيرِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُودَعَ إذا خلَطَ الوَديعةَ بما هو غيرُ مُماثلٍ لها جِنسًا أو صِفةً مِنْ مالِه أو مِنْ مالِ غيرِه -كخَلطِ القَمحِ بالشَّعيرِ ونحوِه- أنَّه
(١) «المغني» (٦/ ٣٠١).
يَلزمُه الضَّمانُ لتَعدِّيه بذلك؛ حيثُ إنَّه فوَّتَ عينَها بالخَلطِ، فلا يَقدرُ على تَخليصِها، ولأنَّه إذا كانَ لا يَتميزُ فقد عجَزَ المالِكُ مِنْ الانتفاعِ بالوَديعةِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا فيَضمنُ.
إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو خلَطَها بجِنسِها المُماثِلِ لها جَودةً ورَداءةً كحِنطةٍ بمِثلِها أو ذَهبٍ بمِثلِه، هل يَضمنُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا خلَطَ الوَديعةَ بمالِه أو بغيرِ مالِه على وَجهٍ يَتعسَّرُ معه تَمييزُ المالَينِ عن بَعضِهما فعليه الضَّمانُ، سَواءٌ خلَطَها بمِثلِها أو دونَها أو أَجودَ منها، مِنْ جِنسِها أو غيرِه، وسَواءٌ أكانَ خَلطَ مُجاوَرةٍ كقَمحٍ بقَمحٍ أو قَمحٍ بشَعيرٍ، أو خَلطَ مُمازَجةٍ كالخلِّ بالزَّيتِ؛ لأنه صارَ مُستهلكًا لها حُكمًا بالخَلطِ لتَعذُّرِ ردِّها إلى مالِكِها بعدَه؛ لأنَّه إذا كانَ لا يَتميزُ فقد عجَزَ المالِكُ مِنْ الانتفاعِ بالوَديعةِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا فيَضمنُ (١).
قالَ الحَنفيةُ: الخَلطُ على وُجوهٍ:
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٨٩)، و «الاختيار» (٣/ ٣٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٥٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٤)، و «المهذب» (١/ ٣٦١)، و «البيان» (٦/ ٤٨٨، ٤٨٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٨٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٦٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٧)، و «المغني» (٦/ ٣٠٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٩٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٥).
أَحدُها: الجِنسُ بالجِنسِ كالحِنطةِ بالحِنطةِ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والدَّراهمِ بالدَّراهمِ، والبِيضِ بالبِيضِ، والسُّودِ بالسُّودِ.
والثانِي: خَلطُ الجِنسِ بغيرِه كالحِنطةِ بالشَّعيرِ، والخلِّ بالزَّيتِ ونحوِهما.
والثالِثُ: خَلطُ المائِعِ بجِنسِه.
إلا أنَّ فُقهاءَ الحَنفيةِ اختلَفُوا، هل يَنقطعُ حقُّ المالِكِ عنها أم لا؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
الأَولُ: لأَبي حَنيفةَ، وهو أنْ يَنقطعَ حقُّ المالِكِ عن الوَديعةِ بكلِّ حالٍ مائِعًا كانَ أو غيرَ مائِعٍ، ويَصيرُ المَخلوطُ مِلكَ الخالِطِ، ويَضمنُ الخالِطُ للمُودِعِ حقَّه، وعليه الفَتوى عندَ الحَنفيةِ.
الثانِي: لمُحمَّدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ، وهو أنَّ الوَديعَ يَصيرُ شَريكًا لمالِكِ الوَديعةِ شَركةَ مِلكٍ اختِيارِيةٍ، فإذا هلَكَت أو ضاعَت بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، ووافَقَه أَبو يُوسفَ في غيرِ المائِعِ.
والثالِثُ: لأَبي يُوسفَ، وهو أنَّه يَجعلُ الأَقلَّ تابِعًا للأَكثرِ، اعتِبارًا للغالِبِ، يَعني أنَّ مَنْ كانَ مالُه أَكثرَ يَكونُ المَخلوطُ مِلكَه، ويَضمنُ للآخرِ حقَّه، وذلك في المائِعِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إنْ خلَطَها بجِنسِها المُماثِلِ لها جَودةً ورَداءةً، كحِنطةٍ بمِثلِها أو ذَهبٍ بمِثلِه أو نَحوِ ذلك مما هو مُماثِلٌ في الجِنسِ والصِّفةِ فلا ضَمانَ عليه في ذلك إذا وقَعَ على وَجهِ الإِحرازِ -أي الحِفظِ والرِّفقِ- لا على وَجهِ التَّملكِ وإلا ضمِنَ؛ لأنَّه يُمكنُ إذا بقِيَ كلٌّ على حِدتِه أنْ يَضيعَ أَحدُهما دونَ الآخرِ.
ثُم إذا خلَطَ المُودَعُ قَمحًا ونَحوَه بمِثلِه أو دَراهمَ أو شَبهَها بمِثلِها للإِحرازِ وتلِفَ بعضُ ذلك فإنَّ التالِفَ بينَهما على قَدرِ نَصيبِ كلِّ واحدٍ منهما، فإذا كانَ الذاهِبُ واحدًا مِنْ ثَلاثةٍ لأَحدِهما واحدٌ وللآخرِ اثنانِ، فعلى صاحِبِ الواحِدِ ثُلثُه وعلى صاحِبِ الاثنَينِ ثُلُثاه على المُعتمَدِ، إلا أنْ يَتميزَ التالِفُ ويُعرفُ أنَّه لشَخصٍ مُعينٍ منهما فمُصيبتُه مِنْ ربِّه.
ومِن «المُدوَّنة»: مَنْ أودَعْتَه دَنانيرَ أو دَراهمَ فخلَطَه بمِثلِها ثُم ضاعَ المالُ كلُّه لمْ يَضمنْ، وإنْ ضاعَ بَعضُه كانَ ما ضاعَ وما بقِيَ بينهما؛ لأنَّ دَراهمَك لا تُعرفُ مِنْ دَراهمِه، ولو عُرفَت بعَينِها كانَت مُصيبةُ كلِّ واحدةٍ مِنْ ربِّها، ولا يُغيِّرُها الخَلطُ.
وإنْ أودَعْتَه حِنطَةً فخلَطَها بحِنطةٍ مِثلِها وفعَلَ ذلك على وَجهِ الإِحرازِ والدَّفعِ فهلَكَ الجَميعُ لمْ يَضمنْ؛ لأنَّ المُودِعَ على مِثلِ ذلك دخَلَ، وقد يَشقُّ على المُودَعِ أنْ يَجعلَ كلَّ ما أُودعَه على حِدةٍ، ولأنَّه لو تَعدَّى على الوَديعةِ فأكَلَها ثُم ردَّ مِثلَها ثُم ضاعَت بعدَ ردِّه لمْ يَلزمْه شيءٌ، فخَلطُه بمِثلِها كردِّ مِثلِها لمْ يَضمنْ إذا ضاعَت، وإنْ كانَت مُختلفةً ضمِنَ، وكذلك إنْ خلَطْتَ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣)، و «المبسوط» (١١/ ١١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٣٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، و «اللباب» (١/ ٦٤٤، ٦٤٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٣)، و «قرة عيون الأخيار» (٢/ ٢٤٨)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٦)، و «درر الحكام» (٢/ ٢٦٢)، و «شرح المجلة» للأتاسي (٣/ ٢٦٩)، و «مرشد الحيران» (٣/ ١٢٢٢، ١٢٢٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.