الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > الرد على وكيل المالك
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالبَلدِ، كالقِراضِ إذا نضَّ ثُم طلَبَه ربُّه فقالَ له ضاعَ مِنْ سِنينَ وكنْتُ أَرجوه فلا ضَمانَ عليه (١).
إذا طلَبَ الوَديعةَ فقالَ المُستودَعُ: لا يُمكنُني إِحضارُها الساعَةَ:
قالَ الحَنفيةُ: إذا طلَبَ صاحِبُ الوَديعةِ الوَديعةَ منه فقالَ المُستودَعُ: لا يُمكنُني أنْ أُحضرَها الساعَةَ، فترَكَها وذهَبَ ثُم هلَكَت، فإنْ كانَ المُودَعُ صادِقًا في قَولِه فلا يَضمنُ مُطلقًا؛ لأنَّه لمَّا طلَبَ منه الوَديعةَ فقد عزَلَه عن الحِفظِ، ثُم لمَّا ترَكَ ورجَعَ كانَ ذلك ابتِداءَ إِيداعٍ.
وإنْ كانَ المُودَعُ يُمكنُه أنْ يَأتيَه بالوَديعةِ لكنَّه كذَبَ عليه فإنْ ترَكَها المُودِعُ عن رضًا وذهَبَ لا يَضمنُ؛ لأنَّه لمَّا ذهَبَ فقد أنشَأَ الوَديعةَ، وإنْ كانَ عن غيرِ رضًا يَضمنُ.
ولو كانَ الذي طلَبَها وَكيلُ المالِكِ يَضمنُ؛ لأنَّه ليسَ له إِنشاءُ الوَديعةِ بخِلافِ المالِكِ (٢).
الردُّ على وَكيلِ المالِكِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جاءَ وَكيلُ المالِكِ وطلَبَ مِنْ المُودَعِ ردَّ الوَديعةِ إليه، هل يَلزمُه دَفعُها إليه أم لا؟
(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦٠، ٣٦١).
(٢) «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٦)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٢٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٤١)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ١٨٥، ١٨٦).
فذهَبَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ وَكيلَ المالِكِ إذا طلَبَ الوَديعةَ مِنْ المُودَعِ أو أمَرَه ربُّ الوَديعةِ أنْ يَردَّ الوَديعةَ على وَكيلِه وصدَّقَه المُودَعُ وجَبَ دَفعُها إليه، سَواءٌ طلَبَها الوَكيلُ أم لمْ يَطلبْها، فإنْ لمْ يَفعلْ وتلِفَت ضمِنَها؛ لأنَّه أمسَكَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه.
إلا أنَّه إنْ أخَّرَ الدَّفعَ عن الوَكيلِ حتى يَشهدَ عليه لمْ يَضمنْ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّه لا يُقبلُ قَولُه في الردِّ على الوَكيلِ، بل يَجبُ عليه الإِشهادُ في الردِّ على الوَكيلِ في أَحدِ الوَجهينِ عندَهم، كما رجَّحَه البَغويُّ، والثانِي: لا يَجبُ عليه الإِشهادُ، وهو قَولُ الغَزاليِّ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا قالَ: إنِّي وَكيلٌ بقَبضِ الوَديعةِ فصدَّقَه المُودَعُ لمْ يُؤمرْ بالدَّفعِ إليه؛ لأنَّه أقَرَّ له بقَبضِ مالِ الغيرِ، فلا يَصحُّ لمَا فيه مِنْ إِبطالِ حقِّه في العَينِ، بخِلافِ ما إذا ادَّعى أنَّه وَكيلٌ بقَبضِ الدَّينِ فصدَّقَه؛ حيثُ يُؤمرُ بالدَّفعِ إليه لأنَّه أقَرَّ بمالِ نَفسِه؛ إذ الدُّيونُ تُقضى بأَمثالِها لا بأَعيانِها على ما بيَّنَّا، ولو هلَكَت الوَديعةُ عندَه بعدَما منَعَ قيلَ: لا يَضمنُ، وقيلَ: يَنبغي أنْ يَضمنَ؛ لأنَّ المَنعَ مِنْ وَكيلِ المُودِعِ في زَعمِه بمَنزلةِ المَنعِ مِنْ المُودِعِ وهو يُوجبُ الضَّمانَ، فكذا هذا، ولو سلَّمَ الوَديعةَ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٥٩٥، ٥٩٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٥١)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٦)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٢٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٤١)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٥٢).
إليه فهلَكَت في يدِه وأنكَرَ المُودِعُ الوَكالةَ يَضمنُ المُودَعُ؛ لأنَّه مُتعدٍّ بالتَّسليمِ إليه، وله أنْ يُحلفَ المُودِعَ أنَّه ما وكَّله، فإذا نكَلَ برِئَت ذِمتُه، وإذا حلَفَ ضمِنَ وليسَ له أنْ يَرجعَ على الوَكيلِ؛ لأنَّ في زَعمِه أنَّ المُودِعَ ظالِمٌ في تَضمينِه إيَّاه وهو مَظلومٌ، والمَظلومُ ليسَ له أنْ يَظلمَ غيرَه، إلا إذا ضمِنَه وَقتَ الدَّفعِ له على الصِّفةِ التي ذكَرْنا في الدَّينِ، فحينَئذٍ يَرجعُ عليه، ولو دفَعَ إليه مِنْ غيرِ تَصديقٍ له على الوِكالةِ رجَعَ عليه مُطلقًا، ولو كانَت العَينُ باقِيةً أخَذَها في الصُّورِ كلِّها؛ لأنَّه ملَكَها بأداءِ الضَّمانِ، ولو أرادَ أنْ يَستردَّها منه بعدَما دفَعَها إليه لا يَملكُ ذلك؛ لأنَّه ساعٍ في نَقضِ ما تمَّ مِنْ جِهتِه (١).
وأما المالِكيةُ فقالوا: مَنْ أودَعَ وَديعةً عندَ شَخصٍ ثُم ادَّعى المُودَعُ أنَّه دفَعَها إلى وَكيلِ ربِّ الوَديعةِ أو رَسولِه وكذَّبَه المالِكُ فلا يُقبلُ قَولُ المُودَعِ في ذلك إلا أنْ تَقومَ بَينةٌ أنَّ ربَّ الوَديعةِ أمَرَه بالدَّفعِ إلى الوَكيلِ أو الرَّسولِ، ويَحلفُ ربُّها أنَّه ما أمَرَه بالدَّفعِ، فإنْ نكَلَ حلفَ المودَع ولا شَيءَ عليه.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: مَنْ دفَعَ الوَديعةَ إلى غيرِ اليدِ التي دفَعَتْها إليه فعليه ما على وَليِّ اليَتيمِ مِنْ الإِشهادِ، فإنْ لمْ يُشهِدْ فلا يُصدقُ في الدَّفعِ إذا أنكَرَ القابِضُ (٢).
(١) «المبسوط» (١١/ ٨)، و «الهداية» (٣/ ١٥٢)، و «العناية» (١١/ ٢٢٣)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٨٤)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢١٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٤١).
(٢) «مواهب الجليل» (٧/ ٢٣٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العارية
فصل
كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ الْمَالُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما ومنه قول لبيد الرَّاعِي:
(قومٌ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمَّا يَمْنَعُوا ... مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا)
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ الْمَنَافِعُ وَهُوَ قَوْلُ أبي جعفر الحميري استشهد عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَعْشَى بْنِ ثَعْلَبَةَ:
(بَأجود مِنْهُ بِمَاعُونِهِ ... إِذَا مَا سَمَاؤُهُمْ لَمْ تَغِمْ)
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول العارية مؤادةٌ وَالْمِنْحَةُ مردودةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ مَضْمُونٌ وَالزَّعِيمُ غارمٌ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قرقرٍ فَتَطَأُهُ بِخِفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا قِيلَ فَمَا حَقُّهَا فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ قال: يعطي الكريمة ويمنح العزيرة وَيَعْقِرُ الظَّهْرَ وَيُطْرِقُ الْفَحْلَ وَيَسْقِي اللَّبَنَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَقِّهَا إعارةٌ دَلْوِهَا وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَمِنْحَةِ لَبَنِهَا يَوْمَ وَرْدِهَا فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَارِيَةِ وَاللَّهُ أعلم.
فَصْلٌ
ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.