قبول قول المودع في رد الوديعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > قبول قول المودع في رد الوديعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

قبول قول المودع في رد الوديعة - الأقوال والأدلة

فصل في الهَلاكِ بعدَ الطَّلبِ والجُحودِ والرَّدِّ

قَبولُ قَولِ المُودَعِ في ردِّ الوَديعةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودَعَ إذا أخَذَ الوَديعةَ بغيرِ بَينةٍ ثُم ادَّعى ردَّها على المالِكِ أنَّ القَولَ قَولُه مع يَمينِه؛ لأنَّه أَمينٌ والقَولُ قَولُه.

قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ والردِّ على الإِطلاقِ معَ يَمينِه (١).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أودَعَها له ببيِّنةٍ ثُم ادَّعى المُودَعُ الرَّدَّ بغيرِ بيِّنةٍ، فهل يُقبلُ قَولُه أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المالِكَ إذا أَعطى الوَديعةَ للمُودَعِ ببيِّنةٍ ثم ادَّعى المُودَعُ الردَّ عليه بغيرِ بيِّنةٍ فلا يُقبلُ قَولُه إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّه لمَّا أشهَدَ عليه وتوثَّقَ منه جعَلَه أَمينًا في الحِفظِ دونَ الردِّ، فإذا ادَّعى ردَّها؛ فقد ادَّعى بَراءتَه بما ليسَ بمُؤتمَنٍ فيه، فلمْ يُقبلْ منه إلا ببَينةٍ، ولأنَّ الغالِبَ ممَّن شهِدَ عليه بشَيءٍ أنَّه يَجتهدُ في دَفعِ تلك الشَّهادةِ عنه بما

(١) «الإفصاح» (٢/ ٥).

يَدفعُها بحيثُ إنْ لمْ يَفعلْ ذلك تعيَّنَت التُّهمةُ المُوجِبةُ للضَّمانِ، ولأنَّ أَصلَ اليدِ الضَّمانُ؛ لقَولِه : «على اليدِ ما أخَذَت حتى ترُدَّه» خالَفْناه في مَوانعِ الإِجماعِ فيَبقى على مُقتَضاه في صُورِ النِّزاعِ، ولأنَّه لولا الضَّمانُ حينَئذٍ لانتَفَت فائِدةُ الإِشهادِ، فإذا أزَلْناه لمْ يبقَ له فائِدةٌ (١).

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» فيمَن دفَعَ إلى رَجلٍ مالًا قِراضًا أو وَديعةً ببيِّنةٍ أو بغيرِ بيِّنةٍ.

(قُلْت): أَرأيتَ ما ذكَرْت عن مالِكٍ أنَّه قالَ إذا دفَعَ إليه المالَ وَديعةً أو قِراضًا ببَينةٍ فقالَ الذي أخَذَ المالَ بعدَ ذلك: قد ردَدْتُه، أنَّه لا يَبرأُ بقَولِه إنِّي قد ردَدْتُه، إلا أنْ يَكونَ له بَينةٌ؟ (قُلْت): لِمَ قالَ مالِكٌ ذلك؟ أليسَ أَصلُ أَخذِه هذا المالَ أَمانةً؟ فلِمَ لا يَبرأُ بقَولِه إنِّي قد دفَعْتُه؟ وقد قُلْت: قد قالَ مالِكٌ: إذا قالَ قد ضاعَ مني إنَّه مُصدَّقٌ وإنْ كانَت عليه بَينةٌ فلِمَ لا يُصدَّقُ إذا قالَ قد ردَدْتُه؟

(قالَ): لأنَّه حينَ دفَعَ إليه المالَ قد استوثَقَ منه الدَّافعُ، فلا يَبرأُ حتى يَستوثقَ هو أَيضًا إذا هو دفَعَ وإنْ كانَ أَصلُ المالِ أَمانةً، فإنَّه لا يَبرأُ إلا بالوَثيقةِ (٢).

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٥٠، ١٥١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٠٩، ١١٠)، رقم (٩٦٧)، و «المعونة» (٢/ ١٨٢)، و «الذخيرة» (٩/ ١٤٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٣)، و «الفواكة الدواني» (٢/ ١٧٠)، و «الإفصاح» (٢/ ٥)، و «الشرح الكبير مع المغني» (٧/ ٣١٦)، و «جامع العلوم والحكم» (٣١٣)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٣٨).
(٢) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٥٠، ١٥١).

والمُرادُ بالبَينةِ المَقصودةِ للتَّوثقِ هي التي يَقولُ مُشهدُها اشهَدُوا أنَّي إنما أشهَدْت خَوفَ دَعوى الرَّدِّ أو الجَحدِ، وأما إِشهادُها خَوفَ المَوتِ أو خَوفَ دَعوى التَّلفِ وما أشبَهَه مما يُعلمُ أنَّه لمْ يَقصدْ به التَّوثقَ فإنَّه يُصدقُ في دَعواه الرَّدَّ.

ويَكفي في كَونِها مَقصودةً للتَّوثقِ قَصدُ المُودِعِ -بالكسرِ-، ولا يَتوقفُ على عِلمِ المُودَعِ -بالفتحِ- أنَّ المُودِعَ -بالكسرِ- أشهَدَ تلك البَيِنةَ بقَصدِ التَّوثقِ.

وقيلَ: يُشترطُ في كَونِها للتَّوثقِ عِلمُ المُودَعِ -بالفتحِ- أنَّ المُودِعَ -بالكسرِ- قصَدَ بها التَّوثقَ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ -وقيلَ إنَّه قَولُ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ- إلى أنَّ المُودَعَ إذا ادَّعى ردَّ الوَديعةِ على مالِكِها فإنَّ القَولَ قَولُه مُطلقًا معَ يَمينِه؛ لأنَّه أخَذَ العَينَ لمَنفعةِ المالِكِ لا لمَنفعةِ نَفسِه، فكانَ القَولُ في الردِّ قولَه، وسَواءٌ كانَ المُودِعُ قد أشهَدَ عليه عندَ الدَّفعِ للوَديعةِ إليه أو لمْ يُشهدْ؛ لأنَّه لمَّا كانَ قَولُه في التَّلفِ مَقبولًا معَ الشَّهادةِ وعَدمِها وجَبَ أنْ يَكونَ قولُه في الردِّ مَقبولًا معَ الشَّهادةِ وعَدمِها (٢).

(١) «الفواكة الدواني» (٢/ ١٧٠).
(٢) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٨٢)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٧١)، و «المهذب» (١/ ٣٦٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٧٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٥٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٥٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٥٣)، و «الديباج» (٣/ ١٢٢)، و «المغني» (٦/ ٣٠٨)، و «الشرح الكبير» (٧/ ٣١٦)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٣٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٦٣).

قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ مَحضةٌ وأنَّها مِنْ القُربِ المَندوبِ إليها، وأنَّ في حِفظِها ثَوابًا، وأنَّ الضَّمانَ لا يَجبُ على المُودَعِ إلا بالتَّعدِّي، وأنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ والرَّدِّ على الإِطلاقِ معَ يَمينِه.

ثُم اختلَفُوا فيما إذا كانَ المُودَعُ قد قبَضَها ببَينةٍ، فهل يُقبلُ قَولُه في رَدِّها بغيرِ بَينةٍ؟

فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يُقبلُ قَولُه في رَدِّها بغيرِ بَينةٍ.

وقالَ مالِكٌ: لا يُقبلُ قَولُه في رَدِّها إلا ببَينةٍ.

وعن أَحمدَ رِوايتانِ أَظهرُهما كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، والأُخرى كمَذهبِ مالِكٍ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: لو ادَّعى الأَمينُ ردَّ الأَمانةِ إلى مَنْ ائتمَنَه فالأَكثرونَ على أنَّ قَولَه مَقبولٌ أَيضًا لدَعوى التَّلفِ، وقالَ الأَوزاعيُّ: لا يُقبلُ قَولُه لأنَّه مُدَّعٍ.

وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ في رِوايةٍ: إنْ ثبَتَ قَبضُه للأَمانةِ ببَينةٍ لمْ يُقبلْ قَولُه في الرَّدِّ بدونِ البَينةِ، ووجَّهَ بعضُ أَصحابِنا ذلك بأنَّ الإِشهادَ على دَفعِ الحُقوقِ

(١) «الإفصاح» (٢/ ٥).

الثابِتةِ بالبَينةِ واجِبٌ، فيَكونُ تَركُه تَفريطًا فيَجبُ به الضَّمانُ، ولذلك قالَ طائِفةٌ منهم في دَفعِ مالِ اليَتيمِ إليه لا بدَّ له مِنْ بَينةٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالإِشهادِ عليه فيَكونُ واجِبًا (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: واختلَفُوا في المُودَعِ يَقولُ: قد ردَدْتُها إليكَ.

فقالَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأي: القَولُ قَولُه معَ يَمينِه.

وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ دفَعَها ببَينةٍ فإنَّه لا يَبرأُ منها إذا قالَ «قد دفَعْتُها إليكَ» إلا ببَينةٍ، وإنْ كانَ أودَعَه بغيرِ بَينةٍ فإنَّه يَبرأُ بغيرِ بَينةٍ، والمُضارِبُ مِثلُه.

قالَ أَبو بكرٍ: قَولُ الثَّوريِّ صَحيحٌ؛ لأنَّهم أجمَعُوا على أنَّه إذا قالَ: قد تلِفَت، أنَّه أَمينٌ، وكذلك إذا قالَ: قد ردَدْتُها إليكَ، فالقَولُ قَولُه (٢).

قالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: المِثالُ الثانِي والسَّبعونَ:

لو غلِطَ المُضارِبُ أو الشَّريكُ وقالَ: «ربِحْتُ أَلفًا» ثُم أرادَ الرُّجوعَ لم يُقبلْ منه؛ لأنَّه إِنكارٌ بعدَ إِقرارٍ، ولو أقامَ بيِّنة على الغلَطِ فالصَّحيحُ أنَّها تُقبلُ، وقيلَ: لا تُقبلُ؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لها، فالحِيلةُ في استِدراكِه ما غلِطَ فيه بحيثُ تُقبلُ منه أنْ يَقولَ خسِرْتُها بعدَ أنْ ربِحْتَها، فالقَولُ قَولُه في ذلك ولا يَلزمُه الأَلفُ.

(١) «جامع العلوم والحكم» ص (٣١٣).
(٢) «الإشراف» (٦/ ٣٣٢، ٣٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)

المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.

١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)

وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان حال الوديعة

لِأَنَّ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ أَكْمَلُ مِنْ الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ؛ إذْ السَّفَرُ مَوْضِعُ الْخَطَرِ؛ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا؛ فَاضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ بِهَا، فَخَرَجَ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ؛ أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ، فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَحْرَزَ مِنْ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقِرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى - فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 162 - 166

ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله