ه- خلط الوديع وديعتين لشخصين

الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > ه- خلط الوديع وديعتين لشخصين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

ه- خلط الوديع وديعتين لشخصين - الأقوال والأدلة

هـ- خَلطُ الوَديعِ وَديعتَينِ لشَخصينِ:

قالَ الإِمامُ عَلاءُ الدِّينِ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو أودَعَه رَجلانِ كلُّ واحدٍ منهما أَلفَ دِرهمٍ فخلَطَ المُودَعُ المالَينِ خَلطًا لا يَتميزُ فلا سَبيلَ لهما على أَخذِ الدَّراهمِ، ويَضمنُ المُودَعُ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفًا، ويَكونُ المَخلوطُ له، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ.

وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: هما بالخِيارِ، إنْ شاءا اقتَسَما المَخلوطَ نِصفينِ وإنْ شاءا ضَمَّنا المُودَعَ أَلفينِ.

وعلى هذا الخِلافِ سائِرُ المَكيلاتِ والمَوزوناتِ إذا خلَطا الجِنسَ بالجِنسِ خَلطًا لا يَتميزُ، كالحِنطةِ بالحِنطةِ والشَّعيرِ بالشَّعيرِ والدُّهنَ بالدُّهنِ.

وَجهُ قَولِهما: إنَّ الوَديعةَ قائِمةٌ بعَينِها، لكنْ عجَزَ المالِكُ عن الوُصولِ إليها بعارِضِ الخَلطِ، فإنْ شاءا اقتَسَما لاعتِبارِ جِهةِ القِيامِ، وإنْ شاءا ضمِنا لاعتِبارِ جِهةِ العَجزِ.

وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّه لمَّا خلَطَهما خَلطًا لا يَتميزُ فقد عجَزَ كلُّ واحدٍ منهما عن الانتِفاعِ بالمَخلوطِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا للوَديعةِ عن كلِّ واحدٍ منهما فيَضمنُ، ولهذا يَثبتُ اختِيارُ التَّضمينِ عندَهما، واختِيارُ التَّضمينِ لا يَثبتُ إلا بوُجودِ الإِتلافِ، دلَّ أنَّ الخَلطَ منه وقَعَ إِتلافًا.

ولو أودَعَه رَجلٌ حِنطةً وآخرُ شَعيرًا فخلَطَهما فهو ضامِنٌ لكلِّ واحدٍ منهما مِثلَ حقِّه عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخَلطَ إِتلافٌ، وعندَهما لهما أنْ يَأخذا العَينَ ويَبيعاها ويَقتسِما الثَّمنَ على قِيمةِ الحِنطةِ مَخلوطًا بالشَّعيرِ وعلى

قِيمةِ الشَّعيرِ غيرِ مَخلوطٍ بالحِنطةِ؛ لأنَّ قِيمةَ الحِنطةِ تَنقصُ بخَلطِ الشَّعيرِ، وهو يَستحقُّ الثَّمنَ لقيامِ الحَقِّ في العَينِ، وهو مُستحِقٌّ للعَينِ بخِلافِ قِيمةِ الشَّعيرِ؛ لأنَّ قِيمةَ الشَّعيرِ تَزدادُ بالخَلطِ بالحِنطةِ، وتلك الزِّيادةُ مِلكُ الغيرِ، فلا يَستحقُّها صاحِبُ الشَّعيرِ (١).

وقالَ المَواقُ المالِكيُّ رحمة الله عليه نَقلًا عن اللَّخميِّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ عندَ رَجلٍ وَديعتانِ قَمحٍ وشَعيرٍ فخلَطَهما ضمِنَ لكلِّ واحدٍ منهما مثلَ ما خلَطَ له، فإنِ اختارا رَفعَ العَداءِ عنه وأنْ يَأخذاه مَخلوطًا ويَكونانِ شَريكَينِ فيه جازَ ذلك عندَ ابنِ القاسِمِ وأَشهبَ خِلافًا لسحنُونٍ.

وقالَ ابنُ القاسِمِ: وتَكونُ شَركتُهما على القِيمةِ -يُريدُ قِيمةَ القَمحِ مَعيبًا والشَّعيرِ غيرَ مَعيبٍ-، ولا يَجوزُ أنْ يَقتسِماه على ذلك، وإنما يَقتسِمانِ الثَّمن اه مِنْ اللَّخميِّ.

والذي لابنِ رُشدٍ: سَواءٌ خلَطَهما عَداءً أو غيرَ عَداءٍ.

قالَ: والذي يُوجبُه الحُكمُ أنْ يَقتسِماه بينَهما مَخلوطًا على قِيمةِ القَمحِ والشَّعيرِ يَومَ الخَلطِ، ويُقوَّمُ القَمحُ غيرَ مَعيبٍ خِلافَ قَولِ سحنُونٍ إنَّ القَمحَ يُقوَّمُ مَعيبًا والشَّعيرُ غيرَ مَعيبٍ.

وقَولُه «يُباعُ ويَقتسمانِ الثَّمنَ» استِحسانٌ؛ إذ لا مانِعَ يَمنعُ مِنْ اقتِسامِ الطَّعامِ بعَينِه على القِيمِ، ولو لمْ يَجزِ اقتِسامُه بعَينِه على القِيمِ لمَا جازَ اقتِسامُ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣).

ثَمنِه على ذلك؛ لأنَّه إنما يُباعُ على مِلكِهما، فإنما هو يَأخذُ ثَمنَ ما كانَ أخَذَه له، ولا يَجوزُ لهما أنْ يَقتسِماه على الكيلِ.

راجِعْ نَوازلَ ابنِ رُشدٍ وثاني تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ اللَّخميِّ وأَولُ تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ ابنِ يُونسَ.

وانظُرْ إِجازَتهم ببَيعِ القَمحِ المَخلوطِ معَ الشَّعيرِ، إنما جازَ ذلك لأنَّه بغيرِ فِعلِهما.

وانظُرِ اختِلاطَ الزَّرعِ عندَ الحَصادِ أَولَ تَرجمةِ المُزارعَةِ مِنْ ابنِ سَلمونَ، وذُكرَ عن ابنِ حَبيبٍ أنَّهم يَقتسِمونَه على حَسبِ الزَّريعةِ.

ومِن رَسْمَ حلَفَ مِنْ سَماعِ عيسى: يَحلفُ كلُّ واحدٍ على ما بَذروا، ويَقتسِمونَ الطَّعامَ على عَددِ ذلك، قالَ ابنُ رُشدٍ: وهذا كما قالَ، ومَعنى هذا عندِي بعدَ أنْ يَتراجَعوا بما لبعضِهم على بعضٍ مِنْ فضَلَ في العَملِ.

وقالَ ابنُ أَبي زَيدٍ في قِسمةِ الشَّعيرِ والزَّيتونِ عندَ الخَلطِ أنْ يَتقاررَ أَربابُ ذلك بينهم على شَيءٍ مَعلومٍ فهو كذلك، وإنْ تجاهَلُوا فليسَ إلا الاصطِلاحُ.

قالَ البُرزليُّ: كَثيرًا ما يَقعُ عندَنا بتُونسَ، تَأتي السُّيولُ بالزَّيتونِ في تلك الأَوديةِ وحُكيَ هكذا، وكذلك ما اختَلطَ على يدِ اللُّصوصِ مِنْ الزَّرع والأَطعمةِ، وكذا ما وقَعَ في الرِّوايةِ في السُّفنِ إذا اختَلطَ فيها الطَّعامُ.

وفي طُررِ ابنِ عاتٍ: إذا اختَلطَ الكتَّانُ في الوادِي لسَيلٍ أو غيرِه ولمْ يَعرفْ كلُّ واحدٍ مالَه تَحلَّلَ أَصحابُه في ذلك.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 150 - 152

ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد