الإسلام > الأوقاف والملكية > دعوى نسب اللقيط > الأمر الثاني: أن تكون متزوجة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي (١).
الأَمرُ الثانِي: أنْ تَكونَ مُتزوِّجةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ لَقيطٍ هل يَلحقُ بها أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةِ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا صدَّقَها زَوجُها على ذلك أو أقامَت البَينةَ؛ لأنَّ فيه حَملَ النَّسبِ على الغيرِ؛ لأنَّه إذا أقَرَّت بالنَّسبِ فكأنَّها تُقرُّ بحَقٍّ عليها وعلى غيرِها إذا كانَت فِراشًا لزَوجٍ، وبطَلَ إِقرارُها في حَقِّ الزَّوجِ فيَبطلُ جميعُه؛ لأنَّ الإِقرارَ الواحدَ إذا بطَلَ بعضُه بطَلَ كلُّه.
وقد حَكى ابنُ المُنذرِ الإِجماعَ عليه فقالَ رحمة الله عليه: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ.
(١) «الإشراف» (٦/ ٣٦١)، و «الإجماع» (٥٧٤)، ويُنْظَر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٢)، و «المدونة الكبرى» (٨/ ٣٣٦)، و «البيان» (٨/ ٢٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٨٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٧٨)، و «المغني» (٦/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٨٧).
هذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثورٍ وأَصحابِ الرَّأيِّ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ وأَشهبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبويِن فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ عليهما السلام حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يَلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النسبُ بالإِقرارِ فالمرأةُ أَولى.
إلا أنَّه لا يُلحقُ النَّسبُ بزَوجِها على الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه ألحَقْنا الوَلدَ بإِقرارِها ولمْ يُوجدْ مِنْ الزَّوجِ إِقرارٌ كما لو أقَرَّ الزَّوجُ بأنَّه ابنُه لمْ يَلحقْها.
(١) «الإشراف» (٦/ ٣٦١)، و «الإجماع» (٥٧٤)، ويُنْظَر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٢)، و «المدونة الكبرى» (٨/ ٣٣٦)، و «البيان» (٨/ ٢٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٨٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٧٨)، و «المغني» (٦/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٨٧).
ومُقابلُ الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ يَلحقُه (١).
وفي رِوايةٍ ثالِثةٍ عن الإِمامِ أَحمدَ نقَلَها الكَوسجُ عنه أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت وَلدًا إنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ لا تُصدقُ إلا ببَينةٍ، وإنْ لمْ يَكنْ لها دافِعٌ لم يُحلْ بينَها وبينَه؛ لأنَّه إذا كانَ لها أَهلٌ ونَسبٌ مَعروفٌ لمْ تَخفَ وِلادتُها عليهم، ويَتضرَّرونَ بإِلحاقِ النَّسبِ بها لمَا فيه مِنْ تَعييرِهم بوِلادتِها مِنْ غيرِ زَوجِها، وليسَ كذلك إذا لمْ يَكنْ لها أَهلٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتملُ ألَّا يَثبتَ النَّسبُ بدَعواها بحالٍ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ النَّسبَ لا يَثبتُ بدَعوى المَرأةِ؛ لأنَّها يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على الوِلادةِ فلا يُقبلُ قَولُها بمُجرَّدِه، كما لو علَّقَ زَوجُها طَلاقَها بوِلادتِها.
ولنا: إنَّها أَحدُ الوالِدَينِ فأشبَهَت الأَبَ، وإِمكانُ البَينةِ لا يَمنعُ قَبولَ القَولِ كالرَّجلِ، فإنَّه تُمكنُه إِقامةُ البَينةِ أنَّ هذا وُلدَ على فِراشِه (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (٨/ ٣٣٦)، و «البيان» (٨/ ٢٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٨٢، ٨٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٧٨)، و «المغني» (٦/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٨٦، ٢٨٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٤٤، ٤٥).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان
فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.
ارجع إلى دعوى نسب اللقيط للاطلاع على جميع المسائل.