الإسلام > الأوقاف والملكية > دعوى نسب اللقيط > الحالة الثالثة: أن تدعيه امرأة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لو ادَّعاه رَجلانِ أنَّه ابنُهما ولا بَينةَ لهما وكانَ أَحدُهما مُسلِمًا والآخرُ ذِميًّا فالمُسلِمُ أَولى ويُقضى له به؛ لأنَّه أَنفعُ للَّقيطِ (١).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ تَدَّعيَه امرَأةٌ:
المَرأةُ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ وأتَت ببَينةٍ على أنَّه وَلدُها فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَلحقُها في النَّسبِ، إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو ادَّعت ذلك بدونِ بَينةٍ، هل يُقبلُ قَولُها في ذلك ويَلحقُها نَسبُه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ تَكونَ بلا زَوجٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ غيرِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ ولمْ تأتِ ببَينةٍ هل يَلحقُها في النَّسبِ أم لا؟
فذهَبَ أَشهبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبوينِ فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ عليهما السلام حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩٩)، و «الهداية» (٢/ ١٧٨)، و «الاختيار» (٣/ ٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٢)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٢٨٦).
وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يُلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النَّسبُ بالإِقرارِ فالمَرأةُ أَولى.
فإنْ قيلَ: إنما قُبلَ الإِقرارُ بالنَّسبِ مِنْ الزَّوجِ لمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بدَفعِ العارِ عن الصَّبيِّ وصِيانتِه عن النِّسبةِ إلى كَونِه وَلدَ زِنا، ولا يَحصلُ هذا بإِلحاقِ نَسبِه بالمَرأةِ، بل إِلحاقُها بها دونَ زَوجِها تَطرُّقٌ للعارِ إليه وإليها، قُلْنا: بل قَبلْنا دَعواه لأنَّه يَدَّعي حَقًّا لا مُنازعَ له فيه ولا مَضرَّةَ على أَحدٍ فيه، فقُبلَ قَولُه فيه كدَعوى المالِ، وهذا مُتحقِّقٌ في دَعوى المَرأةِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا أقامَت البَينةُ؛ لأنَّ الأُمَّ يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منها قَطعًا، فلمْ يُقبلْ قَولُها بمُجرَّدِ الدَّعوى، والأبُ لا يُمكنُه إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منه قَطعًا، فمَسَّت الحاجَةُ إلى إِثباتِ النَّسبِ مِنْ جِهتِه بمُجرَّدِ الدَّعوى.
وحَكاه ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه إِجماعًا فقالَ: «وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ، على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ».
(١) «البيان» (٨/ ٢٧)، و «المغني» (٦/ ٤٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
ارجع إلى دعوى نسب اللقيط للاطلاع على جميع المسائل.