مشروعية الهبة

الإسلام > الأوقاف والملكية > فصل الهدية على الشفاعة > مشروعية الهبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

مشروعية الهبة - الأقوال والأدلة

مَشروعيةُ الهِبةِ:

الهِبةُ مَشروعةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.

أمَّا الكِتابِ؛ فقَولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] أي: طابَت نُفوسُهنَّ بشَيءٍ من ذلك فوهَبْنه منكم ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤].

وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].

وأمَّا السُّنةُ: فمنها ما رُويَ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «تَهادُوا تَحابُّوا» (١).

وعن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ قالَ: «لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لَأجبتُ، ولو أُهديَ إلَيَّ كُراعٌ لَقبِلتُ» (٢).

وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: «كان رَسولُ اللهِ يَقبلُ الهَديةَ ويُثيبُ عليها» (٣).

وعن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ قالَ: «يا نِساءَ المُسلِماتِ لا تَحقِرَنَّ جارةٌ لجارَتِها ولو فِرسِنَ شاةٍ» (٤).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤)، والبيهقي (٦/ ١٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٨٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٠).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا النَّهيُ عن الاحتِقارِ نَهيٌ للمُعطيةِ المُهديةِ، ومَعناه: لا تَمتنعْ جارةٌ من الصَّدقةِ والهَديةِ لجارَتِها لاستِقلالِها واحتِقارِها المَوجودِ عندَها، بل تَجودُ بما تيسَّرَ وإنْ كانَ قَليلًا كفِرسِنِ شاةٍ، وهو خَيرٌ من العَدمِ (١).

وقالَ أيضًا: قالَ أَصحابُنا: وفِعلُها مع الأَقاربِ ومع الجِيرانِ أفضَلُ من غيرِهم.

يَنبَغي ألَّا يُحتقَرَ القَليلُ فيُمتنَعَ من إهدائِه، وألَّا يَستنكِفَ المُهدَى إليه عن قَبولِ القَليلِ.

ويُستحبُّ للمُهدَى إليه أنْ يَدعوَ للمُهدِي، ويُستحبُّ للمُهدِي إذا دَعا له المُهدَى إليه أنْ يَدعوَ أيضًا له (٢).

وقالَ إمامُ الحَرمَينِ رحمة الله عليه: الأصلُ فيها سُنةُ رَسولِ اللهِ ، ولا شَكَّ أنَّها كانَت تَجري في عَهدِ رَسولِ اللهِ ، فطَريقُ ثُبوتِها التَّواتُرُ، وإنَّما يَنقُلُ الآحادُ في تَفاصيلِ أحكامِها أخبارًا، وهذا سَبيلُ كلِّ أصلٍ من أُصولِ الشَّريعةِ (٣).

وأمَّا الإِجماعُ:

فقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على مَشروعيةِ الهِبةِ.

(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٧/ ١٢٠).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٠).
(٣) «نهاية المطلب» (٨/ ٤٠٧).

قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: الهِبةُ مَندوبٌ إليها، وأجمَعَ المُسلِمونَ على استِحبابِها (١).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وهَبَ لوَلدِه الطِّفلِ دارًا بعَينِها أو عبدًا بعَينِه وقبَضَه له من نَفسِه وأشهَدَ عليه أنَّ الهِبةَ تامةٌ (٢).

وقالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَت الأُمةُ على استِحبابِ الهِبةِ؛ لأنَّها سَببٌ للتَّوادِّ والتَّحابِّ (٣).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وانعقَدَ الإِجماعُ على استِحبابِ الهِبةِ بجَميعِ أَنواعِها، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، والهِبةُ بِرٌّ، ولأنَّها سَببُ التَّوادِّ والتَّحابِّ، قالَ : «تَهادُوا تَحابُّوا» (٤).

وقبِلَ هَديةَ المُقوقِسِ الكافِرِ وتَسرَّى من جُملتِها بماريةَ القِبطيةِ وأولَدَها، وقبِلَ هَديةَ النَّجاشيِّ المُسلمِ وتصرَّفَ فيها وهاداه أيضًا (٥).

(١) «البيان» (٨/ ١٠٧، ١٠٨).
(٢) «الإجماع» (٦٠٠)، و «الإشراف» (٧/ ٨٣).
(٣) «النجم الوهاج» (٥/ ٥٣٦).
(٤) حَدِيثٌ حَسَنٌ: سبَقَ تَخريجُه.
(٥) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣١ - مسألة؛ قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه)

عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ . ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو ، قال: قد كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 235 - 237

ارجع إلى فصل: الهدية على الشفاعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله