القسم الثالث: نذر اللجاج والغضب

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > القسم الثالث: نذر اللجاج والغضب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 34 دقيقة قراءة

القسم الثالث: نذر اللجاج والغضب - الأقوال والأدلة

قَومٌ: أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ مِنْ القُربِ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ.

وإنَّما صارَ الجُمهورُ لوُجوبِ كَفارةِ اليَمينِ فيه للثَّابتِ مِنْ حَديثِ عُقبةَ ابنِ عامرٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ» خرَّجَه مُسلِمٌ (١).

وأمَّا مَنْ قالَ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ فإنَّما ذهَبَ مَذهبَ مَنْ يَرى أنَّ المُجزِئَ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ، وصَلاةُ رَكعتَينِ أو صيامُ يَومٍ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه اسمُ النَّذرِ.

وأمَّا مَنْ قالَ فيه كَفارةُ الظِّهارِ فخارجٌ عن القِياسِ والسَّماعِ» (٢).

القِسمُ الثالثُ: نَذرُ اللِّجاجِ والغَضبِ:

نَذرُ اللِّجاجِ هو الذي يُخرجُه مَخرجَ اليَمينِ للحَثِّ على فِعلِ شيءٍ أو المَنعِ منه غيرَ قاصدٍ به للنَّذرِ ولا القُربةِ كقولِه: «إنْ كلَّمْتُ فُلانًا، أو دَخلتُ الدارَ، أو إنْ لمْ أَخرجْ مِنْ البَلدِ، فلله عليَّ صَومُ شَهرٍ، أو صَلاةٌ، أو حَجٌّ، أو إِعتاقُ رَقبةٍ»، ثُم كلَّمَه، أو دخَلَ، أو لمْ يَخرجْ، فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا ما الذي يَجبُ عليه هل يَجبُ عليه التِزامُ ما التزَمَه أم هو مُخيَّرٌ بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ؟ أم عليه كَفارةُ يَمينٍ فقط عندَ وُجودِ المُعلَّقِ عليه؟

فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والإِمامُ أَبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه ومُحمدِ بنِ الحَسنِ كما سيَأتي وابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه مُخيَّرٌ فيه بينَ التِزامِ ما نذَرَه مِنْ العِتقِ والحَجِّ أو الصَّدقةِ اعتِبارًا بالنُّذورِ ولا

(١) أخرجه مسلم (١٦٤٥).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣١١).

شيءَ عليه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ اعتِبارًا بالأَيمانِ، ونَذرُه في هذا المَوضعِ نَذرُ لِجاجٍ خرَجَ مَخرجَ اليَمينِ فكانَ فيه مُخيَّرًا بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ العُدولِ عنه إلى كَفارةِ يَمينٍ؛ لمَا رواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١).

ولحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سمعْتُ رَسولَ اللهِ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢).

ولمَا روَتْ عائشةُ: «مَنْ حلَفَ بالمَشيِ، أو بالهَديِ، أو جعَلَ مالَه في سَبيلِ اللهِ، أو في المَساكينِ، أو في رِتاجِ الكَعبةِ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٣).

ولأنَّه يُشبُه اليَمينَ مِنْ حيثُ إنَّه قصَدَ مَنعَ نَفسِه مِنْ فِعلِ شيءٍ، أو إِلزامَها فِعلَ شيءٍ، ويُشبهُ النَّذرَ مِنْ حيثُ إنَّه ألزَمَ نَفسَه قُربةً في ذِمتِه، ولا سَبيلَ إلى جَمعِهما ولا إلى تَعطيلِهما فخُيرَ بَينَ مُوجَبَيْهما، وهذا مَعنى قَولِه : «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ».

ورُويَ ذلك عن عُمرَ وعائشةَ وابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ وحَفصةَ وأمِّ سَلمةَ رضي الله عنها (٤).

(١) أخرجه مسلم (١٦٤٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٨٤٢)، وأحمد (١٩٩٠١).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (١٠٢٣) بلفظ: «عائشةَ أمِّ المُؤمنِينَ رضي الله عنها أنها سُئلَتْ عن رَجلٍ قالَ: مالِي في رِتاجِ الكَعبةِ، فقالَتْ عائشةُ: يُكفرُه ما يُكفرُ اليَمينَ».
(٤) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٦٢)، و «البيان» (٤/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٦، ٧٤٧)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٩٦، ٩٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٨، ٩)، و «المغني» (٩/ ٣٩٩)، و (١٠/ ٦٧)، و «الكافي» (٤/ ٤١٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «المبدع» (٩/ ٣٢٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٣٩)، و «الروض المربع» (٢/ ٦١٥)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٢٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٠)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٤٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥٥).

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَتعينُ عليه كَفارةُ اليَمينِ في نَذرِ اللَّجاجِ ولا يُجزِئُه غيرُها حتى لو فعَلَ المَحلوفَ عليه لمَا رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). ولا كَفارةَ في نَذرِ التَّبَرُّرِ قَطعًا فتَعينَ أنْ يَكونَ المُرادُ به نَذرُ اللَّجاجِ؛ لحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢).

ثم يُعضدُ ذلك ما رَوى أَبو داودَ في سُننِه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ، «أنَّ أَخوينِ مِنْ الأَنصارِ كانَ بينَهما مِيراثٌ فسأَلَ أَحدُهما صاحبَه القِسمةَ فقالَ إنْ عُدتَ تَسألُني عن القِسمةِ فكلُّ مالٍ لي في رتَاجِ الكَعبةِ فقالَ له عُمرُ: إنَّ الكَعبةَ غَنيةٌ عن مالكَ كفِّرْ عن يَمينِكَ وكَلِّمْ أَخاكَ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «لا يَمينَ عليك ولا نَذرَ في مَعصيَةِ الربِّ وفي قَطيعةِ الرَّحمِ وفيما لا تَملكُ» (٣) (٤).

(١) أخرجه مسلم (١٦٤٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٨٤٢)، وأحمد (١٩٩٠١).
(٣) رواه أبو داود (٣٢٧٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٣٥٥).
(٤) «البيان» (٤/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٦، ٧٤٧)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٩٦، ٩٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٨، ٩)، و «المغني» (٩/ ٣٩٩)، و «الكافي» (٤/ ٤١٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٤).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنفيةُ في ظاهرِ الرِّوايةِ -كما سيَأتي- إلى أنَّ نَذرَ اللِّجاجِ والغَضبِ يَلزمُ الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرُّرِ كمَن قالَ حالَ غَضبِه: «إنْ دخلْتُ دارَ زَيدٍ فعليَّ كذا». وهو يَقصدُ مَنعَ نَفسِه مِنْ شيءٍ ومُعاقبتَها فيَلزمُه الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرَّرِ؛ لأنَّ اختِلافَ الحالِ التي عقَدَ عليها النَّذرَ لا يُوجبُ سُقوطَ المَنذورِ وإِلزامَ غيرِه أصلَه حالَ التَّبَرُّرِ، ولأنَّها قُربةٌ ألزَمَها نفسَه على وجهِ النَّذرِ فإذا وُجدَ شَرطُها لمْ يَجزْ إِسقاطُهما كالحجِّ.

قالَ الموَّاقُ رحمة الله عليه: «ولو غَضبانَ».

وقالَ ابنُ رُشدٍ: «نَذرُ الغَضبِ لازمٌ اتِّفاقًا كيَمينِه».

وقالَ ابنُ بَشيرٍ: «قد قدَّمْناه أنَّ التِزامَ كلِّ الطاعاتِ يَلزمُ عندَنا كانَ على وَجهِ الرِّضا أو على سَبيلِ اللِّجاجِ، وهذا هو المَشهورُ وقد حَكى الأَشياخُ أنَّهم وقَفُوا على قَولِه لابنِ القاسمِ: «علَّقْتُ أنَّه ما كانَ مِنْ هذا القَبيلِ على سَبيلِ اللِّجاجِ والحَرجِ يَكفي فيه كَفارةُ يَمينٍ وهذا هو أَحدُ أَقوالِ الشافِعيِّ».

وكانَ مَنْ لقِيناه مِنْ الشُّيوخِ يَميلُ إلى هذا المَذهبِ ويَعدُّونَه نَذرًا في مَعصيةٍ فلا يَلزمُه الوفاءُ». انتهى

وقد تقدَّمَ في الصِّيامِ مِنْ هذا المَعنى عن شَيخِ الشُّيوخِ ابنُ لُبٍّ وأن كَفارةَ ذلك كَفارةُ يَمينٍ ورشَّحَه ابنُ عَبدِ البِرِّ قائلًا: «الحالفُ بالطاعةِ عندَ اللِّجاجِ والغَضبِ عن قَصدِ العِبادةِ بمَعزلٍ».

وقد قالَ مالكٌ للقائلِ لناقتِه «أنتِ بَدنةٌ»: «أَزجرَها قصَدتَ؟» قالَ: نعم. قالَ: «لا شيءَ عليكَ».

قالَ ابنُ رُشدٍ: «لأنَّه لمْ يَقصدِ القُربةَ» (١).

أما الحَنفيةُ فجاءَ في «الدُّرّ المُختار»: «(أنَّ) المُعلَّقَ فيه تَفصيلٌ فإنْ (علَّقَه بشَرطٍ يُريدُه كأنْ قدِمَ غائبي) أو شُفيَ مَريضي (يُوفى) وُجوبًا (إِنْ وُجدَ) الشَّرطُ (و) إنْ علَّقَه (بما لمْ يَردَّه كإنْ زَنيتُ بفُلانةٍ) مَثلًا فحنِثَ (وَفَّى) بنَذرِه (أو كفَّرَ) ليَمينِه (على المَذهبِ)؛ لأنَّه نَذرٌ بظاهرِه يَمينٌ بمَعناه فيُخيَّرُ ضَرورةً».

قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: «قولُه: (ثُم أنَّ المُعلَّقَ إلخ) اعلَمْ أنَّ المَذكورَ في كُتبِ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ المُعلَّقَ يَجبُ الوَفاءُ به مُطلقًا أيْ سَواءٌ كانَ الشَّرطُ مما يُرادُ كَونُه أي يُطلَبُ حُصولُه ك «إنْ شَفى اللهُ مَريضي» أو لا ك «إنْ كلَّمْتُ زَيدًا أو دخلْتُ الدارَ فكذا»، وهو المُسمَّى عندَ الشافِعيةِ نَذرَ اللِّجاجِ، ورُويَ عن أَبي حَنيفةَ التَّفصيلُ المَذكورُ هنا، وأنَّه رجِعَ إليه قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أَيامٍ، وفي الهِدايةِ أنَّه قَولُ مُحمدٍ وهو الصَّحيحْ. اه

ومَشى عليه أَصحابُ المُتونِ كالمُختارِ والمَجمعِ ومُختصرِ النِّقايةِ والمُلتقى وغيرِها، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ في «الفَتح» أنَّه المَرويُّ في «النَّوادر»، وأنَّه مُختارُ المُحقِّقينَ، وقد انعَكسَ الأَمرُ على صاحبِ البَحرِ

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «المعونة» (١/ ٤٣٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٩٢)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٣/ ١٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥٥).

فظنَّ أنَّ هذا لا أَصلَ له في الرِّوايةِ، وأنَّ رِوايةَ «النَّوادر» أنَّه مُخيَّرٌ فيهما مُطلقًا، وأنَّ في الخُلاصةِ قالَ: وبه يُفتي وقد علِمْتَ أنَّ المَرويَّ في النَّوادرِ هو التَّفصيلُ المَذكورُ، وذكَرَ في النَّهرِ أنَّ الذي في الخُلاصةِ هو التَّعليقُ بما لا يُرادُ كَونُه فالإِطلاقُ مَمنوعُ اه.

والحاصلُ أنَّه ليسَ في المَسألةِ سِوى قَولينِ: الأولُ: ظاهرُ الرِّوايةِ عَدمُ التَّخييرِ أَصلًا.

والثانِي: التَّفصيلُ المَذكورُ.

وأمَّا ما توهَّمَه في البَحرِ مِنْ القَولِ الثالثِ هو التَّخييرُ مُطلقًا، وأنَّه المُفتى به فلا أَصلَ له كما أوضَحَه العَلامةُ الشُّرنبلاليُّ في رِسالتِه المُسماةِ (تُحفةَ التَّحريرِ) فافهمْ …

قَولُه: (لأنَّه نَذرٌ بظاهرِه إلخ) لأنَّه قصَدَ به المَنعَ عن إيجادِ الشَّرطِ فيَميلُ إلى أيِّ الجِهتينِ شاءَ بخِلافِ ما إذا علَّقَ بشَرطٍ يُريدُ ثُبوتَه؛ لأنَّ مَعنى اليَمينِ -وهو قَصدُ المَنعِ- غيرُ مَوجودٍ فيه لأنَّ قَصدَه إِظهارُ الرَّغبةِ فيما جُعلَ شَرطًا درر.

قولُه: (فيُخيَّرُ ضَرورةً) جَوابٌ عن قَولِ صَدرِ الشَّريعةِ.

أقولُ: إنْ كانَ الشَّرطُ حَرامًا كإنْ زنيْتُ يَنبغي ألَّا يَتخيرَ لأنَّ التَّخييرَ تَخفيفٌ والحَرامُ لا يُوجبُ التَّخفيفَ.

قالَ في الدُّررِ أَقولُ ليسَ المُوجبُ للتَّخفيفِ هو الحَرامُ بل وُجودُ دَليلِ التَّخفيفِ؛ لأنَّ اللَّفظَ لمَّا كانَ نَذرًا مِنْ وَجهٍ يَمينًا مِنْ وَجهٍ لزِمَ أنْ يُعملَ

بمُقتضى الوَجهينِ ولمْ يَجزْ إِهدارُ أَحدِهما فلزِمَ التَّخييرُ المُوجبُ للتَّخفيفِ بالضَّرورةِ فتدبرْ» اه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: و «إنْ علَّقَ النَّذرَ بشَرطٍ فوُجدَ الشَّرطُ فعليه الوَفاءُ بنَفسِ النَّذرِ لإِطلاقِ الحَديثِ الذي رَويناه مِنْ البُخاريِّ وغيرِه، فإنَّه أمَرَ بذلك مِنْ غيرِ تَقييدٍ بمُنجزٍ ولا مُعلَّقٍ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرطِ كالمُنجزِ عندَه فصارَ كأنَّه قالَ عندَ الشَّرطِ للهِ عليَّ كذا.

وعن أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّه رجِعَ عنه أيْ عن لُزومِ عَينِ المَنذورِ إذا كانَ مُعلَّقًا بالشَّرطِ، أيْ أنَّه مُخيَّرٌ بينَ فِعلِه بعَينِه وكَفارةِ يَمينٍ، وهو قَولُ مُحمدٍ، فإذا قالَ: «إنْ فعلْتُ كذا فعليَّ حَجةٌ أو صَومُ سَنةٍ» إنْ شاءَ حجَّ أو صامَ سَنةً، وإنْ شاءَ كفَّرَ فإنْ كانَ فَقيرًا صارَ مُخيَّرًا بينَ صَومِ سَنةٍ وصَومِ ثَلاثةِ أَيامٍ.

والأولُ -وهو لُزومُ الوَفاءُ به عَينًا- هو المَذكورُ فى ظاهرِ الرِّوايةِ، والتَّخييرُ عن أَبي حَنيفةَ في النَّوادرِ، ورُويَ عن عبدِ العَزيزِ بنِ خالدٍ التِّرمذيِّ قالَ: «خرجْتُ حاجًّا فلمَّا دخلْتُ الكُوفةَ قرأْتُ كِتابَ النُّذورِ والكَفاراتِ على أَبي حَنيفةَ، فلمَّا انتهيْتُ إلى هذه المَسألةِ قالَ: قفْ فإنَّ مِنْ رَأيي أنْ أَرجعَ، فلمَّا رجعْتُ مِنْ الحَجِّ إذا أَبو حَنيفةَ قد تُوفِّي، فأخبَرَنى الوَليدُ بنُ أَبانَ أنَّه رجَعَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أَيامٍ، وقالَ: يَتخيرُ. وبهذا كانَ يُفتي إِسماعيلُ الزاهدُ. وقالَ الوَلوَالجي: «مَشايخُ بلخَ وبُخارى يُفتونَ بهذا، وهو اختِيارُ شَمسِ الأَئمةِ، قالَ: لكَثرةِ البَلوى في هذا الزَّمانِ».

(١) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٧٣٨، ٧٣٩)، وينظر: «شرح فتح القدير» (٥/ ٩٣، ٩٤)، و «درر الحكام» (٥/ ١٨٦).

وَجهُ الظاهرِ النصوص مِنْ الآيةِ الكَريمةِ والأَحاديثِ.

ووجهُ رِوايةِ النَّوادرِ ما في صَحيحِ مُسلمٍ مِنْ حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ عنه قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» فهذا يَقتضي أنْ يَسقطَ بالكَفارةِ مُطلقًا فيَتعارضُ فيُحملُ مُطلقُ الإِيفاءِ بعَينِه على المُنجزِ، ومُقتضى سُقوطِه بالكَفارةِ على المُعلَّقِ، ولا يُشكلُ؛ لأنَّ المُعلَّقَ مُنتفٍ فى الحالِ، فالنَّذرُ فيه مَعدومٌ فيَصيرُ كاليَمينِ في أنَّ سَببَ الإِيجابِ -وهو الحِنثُ- مُنتفٍ حالَ التَّكلمِ فيَلحقُ به بخِلافِ النَّذرِ المُنجَزِ؛ لأنَّه نَذرٌ ثابتٌ في وَقتِه فيُعملُ فيه حَديثُ الإِيفاءِ، واختارَ المُصنِّفُ والمُحقِّقونَ أنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي تُجزئُ فيه الكَفارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كونَه مِثلُ دُخولِ الدارِ وكَلامِ فُلانٍ؛ فإنَّه إذا لمْ يُردْ كَونَه يُعلَمُ أنَّه لمْ يُردْ كَونَ المَنذورِ حيثُ جعَلَه مانعًا مِنْ فِعلِ ذلك الشَّرطِ؛ لأنَّ تَعليقَ النَّذرِ على ما لا يُريدُ كَونَه بالضَّرورةِ يَكونُ لمَنعِ نَفسِه عنه، فإنَّ الإِنسانَ لا يُريدُ إِيجابَ العِباداتِ دائمًا وإنْ كانَتْ مَجلبةً للثَّوابِ مَخافةَ أنْ يَثقلَ فيَتعرضَ للعِقابِ، ولهذا صحَّ عنه «أنَّه نَهى عن النَّذرِ» وقالَ: «إنَّه لا يَأتي بخيرٍ» (١) الحَديث.

وأمَّا الشَّرطُ الذي يُريدُ كَونَه مثلُ قَولِه: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي أو قدِمَ غائبى أو ماتَ عَدوي فللهِ عليَّ صَومُ شَهرٍ» فوُجدَ الشَّرطُ لا يُجزيه إلا فِعلُ عَينِ المَنذورِ؛ لأنَّه إذا أرادَ كَونَه كانَ مُريدًا كَونَ النَّذرِ فكانَ النَّذرُ في مَعنى المُنجَزِ فيَندرجُ في حُكمِه وهو وُجوبُ الإِيفاءِ به فصارَ مَحملُ ما يَقتضي

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

الإِيفاءَ المُنجَزِ والمُعلَّقِ المُرادِ كَونُه، ومَحملُ ما يَقتضي إِجزاءُ الكَفارةِ المُعلَّقُ الذي لا يُرادُ كَونُه وهو المُسمَّى عندَ طائفةٍ مِنْ الفُقهاءِ (نَذرَ اللِّجاجِ)، ومَذهبُ أَحمدَ فيه كهذا التَّفصيلِ الذي اختارَه المُصنِّفُ.

واستَدلَّ ابنُ الجَوزيِّ في التَّحقيقِ للاكتِفاءِ في خُصوصِ هذا النَّذرِ بحَديثِ مُسلِمٍ معَ أنَّه مُطلَقٌ، وليسَ هذا إلا لمَا قُلْنا، وهذا التَّقريرُ أَولى مما قيلَ؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا لمْ يُرَدْ كَونُه كانَ في مَعنى اليَمينِ فإنَّها تُعقَدُ للمَنعِ فأجزَأَ فيه الكَفارةُ، بخِلافِ الذي يُريدُ كَونَه فإنَّه ورَدَ على هذا التَّقريرِ أنَّ اليَمينَ كما يَكونُ للمَنعِ يَكونُ للحَملِ فلا يَختصُّ مَعناها بما لا يُرادُ كَونُه، فالفَرقُ على هذا تَحكُّمٌ» (١).

وقالَ شيخُ الإِسلامُ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: «فأمَّا الحَلفُ بالنَّذرِ الذي هو (نَذرُ اللِّجاجِ والغَضبِ) مثلُ أنْ يَقولَ: «إنْ فعلْتُ كذا فعليَّ الحَجُّ، أو فمالي صَدقةٌ، أو فعليَّ صيام» يُريدُ بذلك أنْ يَمنعَ نَفسَه عن الفِعلِ أو أنْ يَقولَ: «إنْ لمْ أَفعلْ كذا فعليَّ الحَجُّ» ونحوُه فمَذهبُ أَكثرِ أَهلِ العِلمِ أنَّه يُجزئُه كَفارةُ يَمينٍ مِنْ أَهلِ مَكةَ والمَدينةِ والبَصرةِ والكُوفةِ، وهو قَولُ فُقهاءِ الحَديثِ كالشافِعيِّ وأَحمدَ وإِسحاقَ وأَبي عُبيدٍ وغيرِهم، وهذا إِحدى الرِّوايتَينِ عن أَبي حَنيفةَ، وهو الرِّوايةُ المُتأخِّرةُ عنه.

ثم اختَلفَ هؤلاءِ فأَكثرُهم قالُوا هو مُخيَّرٌ بينَ الوَفاءِ بنَذرِه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ والمَشهورُ عن أَحمدَ.

(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٩٢، ٩٥)، و «المبسوط» (٥/ ١٣٥، ١٣٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٥، ٣٦).

ومنهم مَنْ قالَ: بل عليه الكَفارةُ عَينًا كما يَلزمُه ذلك في اليَمينِ باللهِ، وهو الروايةُ الأُخرى عن أَحمدَ، وقَولُ بَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ.

وقالَ مالكٌ وأَبو حَنيفةَ في الرِّوايةِ الأُخرى وطائفةٌ: بل يَجبُ الوَفاءُ بهذا النَّذرِ، وقد ذكَروا أنَّ الشافِعيِّ سُئلَ عن هذه المَسألةِ بمِصرَ فأَفتى فيها بالكَفارةِ، فقالَ له السائلُ: «يا أبا عَبدِ اللهِ هذا قَولُك؟» قالَ: «قَولُ مَنْ هو خَيرٌ مني، عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ».

وذكَرُوا أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ حنِثَ ابنُه في هذه اليَمينِ فأَفتاه بكَفارةِ يَمينٍ بقَولِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، وقالَ: «إنْ عدْتَ أَفتيتُكَ بقَولِ مالكٍ» وهو الوَفاءُ به، ولهذا يُفرِّعُ أَصحابُ مالكٍ مَسائلَ هذه اليَمينِ على النَّذرِ لعُموماتِ الوَفاءِ بالنَّذرِ؛ لقَولِه : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه» ولأنَّه حُكمٌ جائزٌ مُعلَّقٌ بشَرطٍ فوجَبَ عندَ ثُبوتِ شَرطِه كسائرِ الأَحكامِ.

والقَولُ الأولُ هو الصَّحيحُ والدَّليلُ عليه معَ ما سنَذكرُه إنْ شاءَ اللهُ مِنْ دِلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ ما اعتَمدَه الإِمامُ أَحمدُ وغيرُه، قالَ أَبو بَكرٍ الأَثرمُ في مَسائلِه: «سمِعْتُ أَبا عَبدِ اللهِ يَسألُ عن رَجلٍ قالَ مالُه في رِتاجِ الكَعبةِ، قالَ: كَفارةُ يَمينٍ واحتَجَّ بحَديثِ عائشةَ، قالَ: وسمِعْتُ أَبا عَبدِ اللهِ يُسألُ عن رَجلٍ يَحلفُ بالمَشي إلى بَيتِ اللهِ أو الصَّدقةِ بالمِلكِ ونَحوِ ذلك مِنْ الأَيمانِ، فقالَ: إذا حنِثَ فكَفارةٌ إلا أنِّي لا أَحملُه على الحِنثِ ما لمْ يَحنثْ. قيلَ له: تَفعلُ.

قيلَ لأَبي عَبدِ الله: فإذاِ حنِثَ كفَّرَ؟ قالَ: نعم. قيلَ له: أليسَ كَفارةَ يَمينٍ؟

قالَ: نَعم.

قالَ: وسمِعتُ أَبا عَبدِ اللهِ يَقولُ في حَديثِ لَيلى بنتِ العَجماءِ حينَ حلَفَتْ بكذا وكذا وكلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، فأَفتيتُ بكفارةِ يَمينٍ، فاحتَجَّ بحَديثِ ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ حينَ أَفتيا فيمَن حلَفَ بعِتقِ جاريةٍ وأَيمانٍ. فقالَ: أما الجاريةُ فتَعتقُ.

وقالَ الأثرمُ: حدَّثنا الفَضلُ بنُ دُكينٍ ثنا حَسنٌ عن ابنِ أَبي نَجيحٍ عن عَطاءٍ عن عَائشةَ قالَت: «مَنْ قالَ مالي في مِيراثِ الكَعبةِ، وكلُّ مالي فهو هديٌّ، وكلُّ مالي في المَساكينِ فليُكفِّرْ يَمينَه».

وقالَ حدَّثَنا عارمُ بنُ الفَضلِ ثنا مَعمرُ بنُ سُليمانَ قالَ: قالَ أبي: حدَّثَنا بَكرُ بنُ عَبدِ اللهِ أخبَرَنى أَبو رافعٍ قالَ: قالَت مَولاتي لَيلى بنتُ العَجماءِ: كلُّ مَملوكٍ لها حُرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ إنْ لمْ تُطلِّقِ امرأتَكَ، أو تُفرِّقْ بينَكَ وبينَ امرأتِكَ. قالَ: فأتيتُ زَينبَ بِنتَ أمِّ سَلمةَ وكانَت إذا ذُكرَت امرَأةٌ بالمَدينةِ فَقيهةٌ ذُكرَت زَينبُ، قالَ: فأتيتُها فجاءَت معي إليها، فقالَتْ: في البَيتِ هاروتَ وماروتَ. قالَتْ: يا زَينبُ -جعلَني اللهُ فداكِ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ، فقالَت: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ خلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه، فأتيتُ حَفصةَ أمَّ المُؤمِنينَ، فأرسَلَتْ إليها فأتَتْها، فقالَتْ: يا أمَّ المُؤمنينَ -جعلَني اللهُ فداكِ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ، وهي نَصرانيةٌ، فقالَتْ: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ خلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه. قالَ: فأتيتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فجاءَ معي إليها، فقامَ على البابِ فسلَّمَ فقالَ: أمِن حِجارةٍ أنتِ أم مِنْ حَديدٍ أنتِ أم مِنْ أيِّ شيءٍ أنتِ؟ أفتَتكِ زَينبُ

وأفتَتكِ أمُّ المُؤمنينَ فلمْ تَقبلي فُتياها. قالَتْ: يا أَبا عَبدِ الرَّحمنِ -جعلَني اللهُ فداكَ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ، فقالَ: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ، كفِّري عن يَمينِكِ وخَلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه.

وقالَ الأثرمُ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ رَجاءٍ أنبأَنا عِمرانُ عن قَتادةَ عن زُرارةَ ابنِ أَبي أَوفى: أنَّ امرَأةً سألَت ابنَ عَباسٍ أنَّ امرَأةً جعلَت بُردَها عليها هديًا إنْ لبسَتْه. فقالَ ابنُ عَباسٍ: في غَضبٍ أم في رِضًى؟

قالوا: في غَضبٍ. قالَ: إنَّ اللهَ تبارك وتعالى لا يُتقربُ إليه بالغَضبِ لتُكفِّرْ عن يَمينِها.

وقالَ: حدَّثني ابنُ الطَّباعِ ثنا أَبو بَكرِ بنُ عَياشٍ عن العَلاءِ بنِ المُسيبِ عن يَعلى بنِ النَّعمانِ وعِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ: سُئلَ عن رَجلٍ جعَلَ مالَه في المَساكينِ. فقالَ: أمسِكْ عليكَ مالَكَ، وأَنفقْه على عيالِكَ، واقضِ به دينَكَ، وكفِّرْ عن يَمينِكَ.

وروي الأَثرمُ عن أَحمدَ حدَّثَنا عَبدُ الرَّزاقِ ثنا بنُ جُريجٍ: سُئلَ عَطاءُ عن رَجلٍ قالَ: عليَّ أَلفُ بَدنةٍ. قالَ: يَمينٌ.

وعن رَجلٍ قالَ عليَّ أَلفُ حَجةٍ. قالَ: يَمينٌ.

وعن رَجلٍ قالَ: مالي هَديٌ. قالَ: يَمينٌ. وعن رَجلٍ قالَ مالي في المَساكينِ. قالَ: يَمينٌ. وقالَ أَحمدُ: حدَّثَنا عَبدُ الرَّزاقِ أنبأَنا معَمرٌ عن قَتادةَ عن الحَسنِ وجابرِ بنِ زَيدٍ في الرَّجلِ يَقولُ: إنْ لمْ أَفعلْ كذا وكذا فأنا مُحرِمٌ بحَجةٍ. قالا: ليسَ الإِحرامُ إلا على مَنْ نَوى الحَجَّ، يَمينٌ يُكفِّرُها.

وقالَ أَحمدُ ثنا عَبدُ الرَّزاقِ أنبأَنا مَعمرٌ عن ابنِ طاووسٍ عن أَبيه قالَ: يَمينٌ يُكفِّرُها. وقالَ حَربٌ الكِرمانِيُّ: حدَّثَنا المُسيبُ بنُ واضحٍ ثنا يُوسفُ ابنُ أَبي السَّفرِ عن الأَوزاعيِّ عن عَطاءَ بنِ أَبي رَباحٍ: سألْتُ ابنَ عَباسٍ عن الرَّجلِ يَحلفُ بالمَشي إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، قالَ: إنَّما المَشي على مَنْ نَواه، فأمَّا مَنْ حلِفَ في الغَضبِ فعليه كَفارةُ يَمينٍ.

وأيضًا فإنَّ الاعتِبارَ في الكَلامِ بمَعنى الكَلامِ لا بلَفظِه، وهذا الحالفُ ليسَ مَقصودُه قُربةُ للهِ، وإنَّما مَقصودُه الحَضُّ على فِعلٍ أو المَنعُ منه، وهذا مَعنى اليَمينُ فإنَّ الحالفَ يَقصدُ الحَضَّ على فِعلٍ أو المَنعَ منه، ثُم إذا علَّقَ ذلك الفِعلَ باللهِ تَعالى أجزأَتْه الكَفارةُ فلا تُجزِئُه إذا علَّقَ به وُجوبَ عِبادةٍ أو تَحريمَ مُباحٍ بطَريقِ الأَولى؛ لأنَّه إذا علَّقَه باللهِ ثُم حنِثَ كانَ مُوجِبُ حِنثِه أنَّه قد هتَكَ إِيمانَه باللهِ حيثُ لم يَفِ بعَهدِه، وإذا علَّقَ به وُجوبَ فِعلٍ أو تَحريمَه فإنَّما يَكونُ مُوجِبُ حِنثِه تَركُ واجبٍ أو فِعلُ مُحرَّمٍ، ومَعلومٌ أنَّ الحِنثَ الذي مُوجِبُه خَللٌ في التَّوحيدِ أَعظمُ مما مُوجِبُه مَعصيةٌ مِنْ المَعاصي، فإذا كانَ اللهُ قد شرَعَ الكَفارةَ لإِصلاحِ ما اقتضَى الحِنثَ في التَّوحيدِ فَسادَه ونحوَ ذلك وجبَرَه، فلأنْ يَشرعَ لإِصلاحِ ما اقتضى الحِنثَ فَسادَه في الطاعةِ أَولى وأَحرى.

وأيضًا فإنا نَقولُ إنَّ مُوجِبَ صِيغةِ القَسمِ مِثلُ مُوجِبِ صِيغةِ التَّعليقِ، والنَّذرُ نَوعٌ مِنْ اليَمينِ وكلُّ نَذرٍ فهو يَمينٌ، فقَولُ النَّاذرِ: «للهِ عليَّ أن أفعل» بمَنزلةِ قَولِه: «أَحلفُ باللهِ لأَفعلَنَّ» مُوجِبُ هذين القَولين التِزامُ الفِعلِ مُعلَّقًا باللهِ، والدَّليلُ على هذا قَولُ النَّبيِّ: «النَّذرُ حَلفٌ» فقَولُه: «إنْ فعَلْتُ كذا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النذور
١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه، لم يعصه

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 647 - 659

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل