القسم الثاني: النذر المطلق أو المبهم

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > القسم الثاني: النذر المطلق أو المبهم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

القسم الثاني: النذر المطلق أو المبهم - الأقوال والأدلة

وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصينِ يَدورُ على زُهيرِ بنِ مُحمدٍ عن أَبيه، وأَبوه مَجهولٌ لمْ يَروِ عنه غيرُ ابنِه وزُهيرٌ أيضًا عندَه مَناكيرُ ولكنَّه خرَّجَه مُسلِمٌ مِنْ طَريقٍ عُقبةَ بنِ عامرٍ، وقد جَرتْ عادةُ المالِكيةِ أنْ يَحتجُّوا لمالكٍ في هذه المَسألةِ بمَا رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ «رَأى رَجلًا قائمًا في الشَّمسِ فقالَ: «ما بالُ هذا؟» قالوا: «نذَرَ ألَّا يَتكلمَ ولا يَستظلَّ ولا يَجلسَ ويصومُ» فقالَ رَسولُ اللهِ : «مُروه فليَتكلمْ وليَجلسْ وليُتمَّ صيامَه» قالوا فأمَرَه أنْ يُتمَّ ما كانَ طاعةً للهِ ويَتركَ ما كانَ مَعصيةً، وليسَ بالظاهر أنَّ تَركَ الكَلامِ مَعصيةٌ، وقد أخبَرَ اللهُ أنَّه نَذرُ مَريمَ، وكذلك يُشبهُ أنْ يَكونَ القيامُ في الشَّمسِ ليسَ بمَعصيةٍ إلا ما يَتعلقُ بذلك مِنْ جِهةِ إِتعابِ النَّفسِ، فإنْ قيلَ فيه مَعصيةٌ، فبالقياسِ لا بالنَّصِّ، فالأصلُ فيه أنَّه مِنْ المُباحاتِ» (١).

القِسمُ الثانِي: النَّذرُ المُطلَقُ أو المُبهَمُ:

النَّذرُ المُطلقُ أو المُبهمُ مِثلُ أنْ يَقولَ: للهِ عليَّ نَذرٌ، أو إنْ شَفى اللهُ مَريضي فعليَّ نَذرٌ ولمْ يُسمِّ شَيئًا يَلزمُه ولمْ تَكنْ له نيةٌ بشيءٍ تخصَّصَ بزَمنٍ أو مَحلٍّ فهذا عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ صَحيحٌ ولازمٌ.

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: «اتفَقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلقِ في القُربِ إلا ما حُكيَ عن بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ أنَّ النَّذرَ المُطلَقَ لا يَجوزُ، وإنَّما اتفَقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلَقِ إذا كانَ على وَجهِ الرِّضا لا على وَجهِ اللِّجاج وصرَّحَ فيه بلَفظِ النَّذرِ لا إذا لمْ يُصرحْ، وسَواءٌ كانَ النَّذرُ مُصرَّحًا

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٩، ٣١٠).

فيه بالشَّيءِ المَنذورِ أو كانَ غيرُ مُصرَّحٍ، وكذلك أجمَعُوا على لُزومِ النَّذرِ الذي مَخرجُه مَخرجُ الشَّرطِ إذا كانَ نذرًا بقُربةٍ» (١).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا ما الذي يَجبُ عليه في النَّذرِ المُطلَقِ هل يَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ أم هو مُخيَّرٌ بينَ كَفارةِ اليَمينِ وفِعلِ أيِّ قُربةٍ أم لا يَلزمُه شيءٌ أَصلًا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُطلقًا أو مُعلَّقًا على شيءٍ ولمْ يُسمِّ شَيئًا ولَم تَكنْ له نيةٌ بشيءٍ تخصَّصَ بزَمنٍ أو مَحلٍّ أنَّ عليه كَفارةَ يَمينٍ، لكنْ في المُطلقِ تَجبُ للحالِ، وفي المُعلَّقِ إذا وُجدَ الشَّرطُ؛ لمَا رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «كَفارةُ النَّذرِ إذا لمْ يُسمَّ كَفارةُ يَمينٍ» (٢)

وعن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «من نذَرَ نَذرًا لم يُسمِّه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا في مَعصيةٍ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا أطاقَه فليَفِ بهِ» (٣). ولأنَّه لمْ يَجعلْ لنَذرِه مَخرجًا ولا سبيلَ إلى تَركِه مُهملًا لعَدمِ تَعيينِ ما يُخاطبُ به مما يَنذرُ ولا إلى الحُكمِ بأَحدِ الأَنواعِ؛ لأنَّه تَرجيحٌ بلا مُرجِّحٍ فكانَ العَدلُ كَفارةَ يَمينٍ والدَّليلُ عليه ما رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٩).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٢٣)، والترمذي (١٥٢٨).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٢٢).

قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). أيْ: النَّذرَ الذي لا مَخرجَ له ولا يُمكنُ حَملُه على ما له مَخرجٌ للزومِ ذلك المُعيَّنِ.

وبهذا قالَ ابنُ مَسعودٍ وجابرٍ وعائشةُ ولم يُعرفْ لهم مُخالِفٌ في عَصرِهم فيَكونُ إِجماعًا (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لو قالَ: عليَّ نَذرٌ صحَّ ويَتخيرُ بينَ قُربةٍ مِنْ القُربِ -كتَسبيحِ وصَلاةِ رَكعتينِ وصَومٍ يَومٍ- وكَفارةِ يَمينٍ.

ونصُّ البُويطيُّ: يَقتضي أنَّه لا يَصحُّ ولا يَلزمُه شيءٌ، فلو كانَ ذلك في نذرِ التَّبررِ كأنْ قالَ: «إنْ شَفى اللهَ مَريضي فعليَّ نَذرٌ»، أو قالَ ابتداءً: «فلله عليَّ نَذرٌ»، لزِمَه قُربةٌ مِنْ القُربِ، والتَّعيينُ إليه كما ذكرَه البُّلقينيُّ (٣).

قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: «اختلَفُوا في الواجبِ في النَّذرِ المُطلقِ الذي ليسَ يُعينُ فيه الناذرُ شَيئًا سِوى أنْ يَقولَ للهِ عليَّ نَذرٌ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ في ذلك كَفارةُ يَمينٍ لا غيرُ، وقالَ قَومٌ: بل فيه كَفارةُ الظِّهارِ، وقالَ

(١) أخرجه مسلم (١٦٤٥).
(٢) «تبيين الحقائق» (٣/ ١١٠)، و «البناية شرح الهداية» (٦/ ١٣٠، ١٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٩)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٦١، ١٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٦)، و «المغني» (١٠/ ٦٨)، و «الكافي» (٤/ ٤١٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «المبدع» (٩/ ٣٢٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٣٩)، و «الروض المربع» (٢/ ٦١٤)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٢٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٠).
(٣) «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٧)، و «أسنى المطالب» (١/ ٥٧٦)، و «مغني الحتاج» (٦/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوصايا
القسم الثاني القول في أحكام الوصايا

عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبْعِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهُ بِهَا الشَّارِعُ أَمْ لَيْسَ بِخَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» فَمَنْ جَعَلَ هَذَا السَّبَبَ خَاصًّا وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ الْحُكْمَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ، أَوْ جَعَلَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الْوَرَثَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 644 - 646

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل