من نذر نذرا لا يطيقه أو عجز عنه بعد قدرته

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > من نذر نذرا لا يطيقه أو عجز عنه بعد قدرته

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

من نذر نذرا لا يطيقه أو عجز عنه بعد قدرته - الأقوال والأدلة

الشَّرعُ تَحققَه-، ومثالُ الأَولِ: نَذر صِيامِ أَمسِ أو اعتِكافِ شَهرٍ مَضى، ومِثالُ الثانِي: نَذرُ المَرأةِ صيامَ أيامِ حَيضِها، أو نَذرُ صِيامِ اللَّيلِ لأنَّ اللَّيلَ ليسَ مَحلًّا للصَّومِ والحَيضُ مُنافٍ له شَرعًا؛ إذ الطَّهارةُ عن الحَيضِ والنِّفاسِ شَرطُ وُجودِ الصَّومِ الشَّرعيِّ، فإذا نذَرَ هذا فإنَّه لا يَنعقدُ مثلُ هذا ولا يُوجبُ شَيئًا لأنَّه لا يُتصوَّرُ انعِقادُه ولا الوَفاءُ به، ولو حلِفَ على فِعلِه لمْ تَلزمْه كَفارةٌ فالنَّذرُ أَولى (١).

وفي احتِمالٍ للحَنابلةِ أنَّه يُوجبُ الكَفارةَ كيَمينِ الغَموسِ؛ لأنَّ النَّذرَ يَمينٌ وموُجِبُه مُوجِبُها إلا في لُزومِ الوَفاءِ به إذا كانَ قُربةً وأمكَنَه فِعلُه (٢).

مَنْ نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه أو عجَزَ عنه بعدَ قُدرتِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ طاعةً لمْ يُطقْ على أَدائِها ابتداءً أو كانَ قادرًا عليها ثُم عجَزَ عن أَدائِها بعدَ ذلك ما الذي يَجبُ عليه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوَفاءَ بالمَنذورِ به نَفسِه حَقيقةً إنَّما يَجبُ عندَ الإِمكانِ، فأمَّا عندَ التَّعذرِ فإنَّما يَجبُ الوَفاءُ به تَقديرًا بخَلفِه؛ لأنَّ الخَلفَ يَقومُ مَقامَ الَاصلِ كأنَّه هو كالتُّرابِ حالَ عَدمِ الماءِ، والَاشهرُ حالَ عَدمِ الأَقراءِ حتى لو نذَرَ الشَّيخُ الفانِي بالصومِ يَصحُّ نَذرُه وتَلزمُه الفِديةُ لأنَّه عاجزٌ عن الوَفاءِ بالصَّومِ حقيقةً فيَلزمُه الوَفاءُ به تَقديرًا بخَلفِه ويَصيرُ كأنَّه صامَ.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣١٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٧٣).
(٢) «المغني» (١٠/ ٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٤٢١)، و «المبدع» (٩/ ٣٢٦).

وعلى هذا يُخرَّجُ أيضًا النَّذرُ بذَبحِ الوَلدِ أنَّه يَصحُّ عندَ اَبي حَنيفةَ عليه الرَّحمةُ ومُحمدٌ رحمة الله عليه، ويَجبُ ذَبحُ الشَّاةِ لأنَّه إنْ عجَزَ عن تَحقيقِ القُربةِ بذَبحِ الوَلدِ حَقيقةً لمْ يَعجزْ عن تَحقيقِها بذَبحِه تَقديرًا بذَبحِ خَلفِه وهو الشاةُ كما في الشَّيخِ الفانِي إذا نذَرَ بالصَّومِ (١).

إلا أنَّي وجَدْتُ في كِتابِ «المُعتصَرِ من المُختصَرِ مِنْ مُشكلِ الآثارِ» للإِمامِ يُوسفَ المَلَطيِّ الحَنفيِّ: «ولو كانَ النَّذرُ مما يَصحُّ فِعلُه شَرعًا فعجَزَ عن ذلك لضَعفِه يَجبُ عليه الكَفارةُ كما يُؤمرُ الحالفُ بالكَفارةِ إذا حنِثَ فيها قالَ رَسولُ اللهِ : «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (٢).

على ما رَوى ابنُ عَباسٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ فقالَ يا رَسولَ اللهِ إنَّ أُختي نذَرَتْ أنْ تَحجَّ ماشيةً فقالَ: إنَّ اللهَ لا يَصنعُ بشَقاءِ أُختِكَ شَيئًا لتَحجَّ راكِبةً وتُكفِّرْ يَمينَها». ورَوى زيادةَ تَفسيرٍ فيه بيانُ المُوجِبِ للكَفارةِ، وهو ما رَوى عن عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهنيِّ: أنَّ أُختَه نذَرَتْ أنْ تَمشيَ إلى الكَعبةِ حافيةً غيرَ مُتخمِرةٍ فذكَرَ ذلك عُقبةُ لرَسولِ اللهِ فقالَ: «مُر أُختَكَ فلتَركبْ ولتَختمرْ ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» وكانَ كَشفُها وَجهَها حَرامًا فأمَرَها رَسولُ اللهِ بالكَفارةِ لمَنعِ الشَّريعةِ إيَّاها منه، وهو على ما زادَه بعضُ الرُّواةِ مِنْ قَولِه: «ويُكفِّرُ يَمينَه فيمَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ». وعليها معَ ذلك الهَديُ لرُكوبِها فيما نذَرَتْ مِنْ المَشي، يُبينُ ذلك أنَّ الحَديثَ قد رُويَ مِنْ رِوايةِ ابنِ عباسٍ عن عُقبةَ: «أنَّه أَتى النَّبيَّ فأخبَرَه أنَّ أُختَه

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٩١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

نذَرَتْ أنْ تَمشيَ إلى الكَعبةِ حافيةً ناشرةً شَعرَها، فقالَ له النَّبيُّ : «مُرْها فلتَركبْ وتُخمرْ رَأسَها ولتُهدِ هَديًّا» فأوجَبَ عليها الهَديَ لمَكانِ المَشي الذي نذَرَتْه وهو مِنْ الطَّاعاتِ فعجَزَتْ عنه كما يُؤمَرُ به مَنْ قصَّرَ في شَيءٍ مِنْ حَجِّه، وسكَتَ فيه عن الكَفارةِ لمَا نذَرَتْه مِنْ المَعصيةِ في كَشفِ رَأسِها، وأوجَبَ عليها في الحَديثِ الأَولِ الكَفارةَ لمَا نذرَته مِنْ المَعصيةِ في كَشفِ رَأسِها وسكَتَ عن وُجوبِ الهَدي عليها لعَجزِها عن المَشي» (١).

وقالَ المالِكيةُ: «مَنْ التزَمَ بالنَّذرِ ما لا يُطيقُه كانَ حرامًا عليه» (٢).

ولمْ أَقفْ لهم على قَولٍ بخُصوصِ إذا عجَزَ عنه ماذا عليه.

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «مَنْ نذَرَ ما لا يُطيقُ أنْ يَعملَه بحالٍ؛ سقَطَ النَّذرُ عنه؛ لأنَّه لا يَملكُ أنْ يَعملَه فهو كما لا يَملكُ مما سِواه» (٣).

وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ نذَرَ حَجًّا أو عُمرةً لزِمَه أنْ يَفعلَ ذلك بنَفسِه إنْ كانَ قادرًا على ذلك بنَفسِه، فإنْ كانَ عاجزًا عن الحَجِّ أو العُمرةِ بنَفسِه استنابَ مَنْ يَحجُّ عنه أو يَعتمرُ ولو بأُجرةٍ، كما يَجبُ عليه ذلك في حَجةِ الفَريضةِ إذا عجَزَ عن أَدائِها بنَفسِه استنابَ مَنْ يَحجُّ عنه.

ويَندبُ تَعجيلُه بالوَفاءِ بما نذَرَه، في أَولِ فُرصةٍ تَسنحُ له؛ مُبادرةً إلى بَراءةِ ذِمتِه.

(١) «المعتصر من المختصر من مشكل الآثار» (١/ ٢٦٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٤/ ٤٦٣).
(٣) «الأم» (٧/ ٦٨).

فإنْ تمكَّنَ مِنْ الحَجِّ أو العُمرةِ فأخَّرَ أَداءَها فماتَ حُجَّ عنه أو اعتُمرَ مِنْ مالِه؛ لتَقصيرِه بعدَ حُصولِ التَّمكنِ.

أمَّا إذا ماتَ قبلَ التَّمكنِ مِنْ الحَجِّ أو العُمرةِ فلا شَيءَ عليه لعَدمِ تَقصيرِه حينَئذٍ.

وإنْ نذَرَ أنْ يَحجَّ أو يَعتمرَ ماشيًا لزِمَه المَشيُ إنْ كانَ قادرًا على المَشيِ؛ لأنَّه التزَمَ جَعلَ المَشيِ وَصفًا للعِبادةِ، فهو كما لو نَذرَ أنْ يَصومَ مُتتابِعًا.

أمَّا إذا لمْ يَكنْ قادرًا على المَشيِ فإنَّه لا يَلزمُه المَشيُ، بل يَجوزُ له الرُّكوبُ لعَجزِه عن المَشيِ.

فعن عُقبةَ بنِ عامرٍ قالَ: «نذَرَتْ أُختِي أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ، وأمَرَتْني أنْ أَستفتيَ لها النَّبيَّ ، فاستَفتَيتُه»، فقالَ : «لتَمشِ، ولتَركبْ» (١). ومعناه لتَمشِ إذا قدَرَتْ وتَركبْ إذا عجَزَتْ أو شَقَّ عليها المَشيُ.

ومَن نذَرَ صَلاةً أو صَومًا أو اعتِكافًا في وَقتٍ مُعيَّنٍ فعجَزَ عن أَداءِ هذه القُربِ فيه، لزِمَه القَضاءُ ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ للتَّأخيرِ عن هذا الوَقتِ المُعيَّنِ، وإنْ نذَرَ صَدقةً فأعسَرَ بها سقَطَ عنه النَّذرُ ما دامَ مُعسِرًا فإذا أَيسرَ بعدَ ذلك وجَبَ أَداؤُها، وإنْ نذَرَ حجًّا في سَنةٍ مُعيَّنةٍ فمنَعَه مَرضٌ أو نَحوُه قبلَ الإِحرامِ؛ فلا قَضاءَ عليه، وكذلك لا قَضاءَ لو كانَ مَعضوبًا وَقتَ النَّذرِ

(١) أخرجه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤).

أو طرأَ العَضبُ ولمْ يَجدِ المالَ حتى مضَتِ السَّنةُ المُعيَّنةُ، فإنْ منَعَه المَرضُ بعدَ الإِحرامِ فالمَذهبُ الذي قطَعَ به الجُمهورُ وُجوبُ القَضاءِ، وكذلك الحُكمُ إذا امتنَعَ الحَجُّ في ذلك العامِ بعدَ الاستِطاعةِ.

والدَّليلُ على وُجوبِ قَضاءِ الصَّومِ والصَّلاةِ دونَ الحَجِّ؛ لأنَّ الوَاجبَ بالنَّذرِ كالواجبِ بالشَّرعِ، وقد تَجبُ الصَّلاةُ والصَّومُ معَ العَجزِ فلزِما بالنَّذرِ، والحَجُّ لا يَجبُ إلا عندَ الاستِطاعةِ فكذا حُكمُ النَّذرِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ نذَرَ طاعةً لا يُطيقُها أو كانَ قادرًا عليها فعجَزَ عنها فعليه كَفارةُ يَمينٍ لمَا رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «نذَرَتْ أختِي أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ حافيةً فأَمَرَتْني أنْ أَستَفتيَ لها رَسولَ اللهِ فاستَفتَيتُه» فقالَ: «لتَمشِ ولتَركبْ» (٢). ولأَبي داودَ: «ولتُكفرْ عن يَمينِها» (٣) وفي رِوايةٍ: «ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» (٤).

وعن عائشةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٥).

(١) «النجم الوهاج» (١٠/ ١١٧، ١١٩)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٦٩، ٢٧١)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٥١، ٥٣)، و «الديباج» (٤/ ٤٢٥، ٤٢٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٦٧)، ومسلم (١٦٤٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٥).
(٤) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٩٤)، والنسائي (٣٨١٥)، وابن ماجه (٢١٣٤)، وأحمد (١٧٣٨٦).
(٥) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، وابن ماجه (٢١٢١).

وعن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «مَنْ نذَرَ نَذرًا لمْ يُسمِّه فَكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نَذرَ نَذرًا في مَعصيةٍ فَكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا أطاقَه فليَفِ به» (١).

فإذا كفَّرَ وكانَ المَنذورُ غيرَ الصيامِ لمْ يَلزمْه شيءٌ آخرُ، وإنْ كانَ صيامًا فعن أَحمدَ رِوايتانِ:

إِحداهما: يَلزمُه لكلِّ يَومٍ إِطعامُ مِسكينٍ وهي المَذهبُ؛ لأنَّه صَومٌ وُجدَ سَببُ إيجابِه عَينًا، فإذا عجَزَ عنه لزِمَه أنْ يُطعمَ عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا كصيامِ رَمضانَ، ولأنَّ المُطلَقَ مِنْ كَلامِ الآدميينَ يُحملُ على المَعهودِ شَرعًا ولو عجَزَ عن الصَّومِ المَشروعِ أطعَمَ عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا، وكذلك إذا عجَزَ عن الصَّومِ المَنذورِ.

والثانيةُ: لا يَلزمُه شيءٌ آخرُ مِنْ إِطعامٍ ولا غيرِه؛ لقَولِه عليه السلام: «ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢) وهذا يَقتضي أنْ تَكونَ كَفارةُ اليَمينِ جَميعَ كَفارتِه، ولأنَّه نَذرٌ عجَزَ عن الوَفاءِ به فكانَ الواجبُ فيه كَفارةُ يَمينٍ كسائرِ النُّذورِ، ولأنَّ مُوجِبَ النَّذرِ مُوجِبُ اليَمينِ إلا معَ إِمكانِ الوَفاءِ به إذا كانَ قُربةً، قالَ ابنُ قُدامةُ رحمة الله عليه: «ولا يَصحُّ قياسُه على صَومِ رَمضانَ لوَجهينِ:

أَحدُهما: أنَّ رَمضانَ يُطعمُ عنه عندَ العَجزِ بالمَوتِ فكذلك في الحَياةِ، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ صَومَ رَمضانَ آكدٌ بدَليلِ وُجوبِ الكَفارةِ بالجِماعِ فيه وعِظمِ إِثمِ مَنْ أفطَرَ بغيرِ عُذرٍ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٢٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٢٢).

والثانِي: أنَّ قياسَ المَنذورِ على المَنذورِ أَولى مِنْ قياسِه على المَفروضِ بأَصلِ الشَّرعِ، ولأنَّ هذا قد وجَبَتْ فيه كَفارةٌ فأجزَأَتْ عنه بخِلافِ المَشروعِ.

وقَولُهم: «إنَّ المُطلَقَ مِنْ كَلامِ الآدميِّ مَحمولٌ على المَعهودِ في الشَّرعِ». قلْنا ليسَ هذا بمُطلَقٍ، وإنَّما هو مَنذورٌ مُعيَّنٌ ويَتخرجُ ألَّا تَلزمُه كَفارةٌ في العَجزِ عنه كما في العَجزِ الواجبِ بأَصلِ الشَّرعِ.

فصلٌ: وإنْ عجَزَ لعارضٍ يُرجى زَوالُه مِنْ مَرضٍ أو نحوِه انتظَرَ زَوالَه ولا تَلزمُه كَفارةٌ ولا غيرُها لأنَّه لمْ يَفتِ الوَقتُ فيُشبُه المَريضَ في شَهرِ رَمضانَ فإنِ استَمرَّ عَجزُه إلى أنْ صارَ غيرَ مَرجوِّ الزَّوالِ صارَ إلى الكَفارةِ والفِديةِ على ما ذكَرْنا مِنْ الخِلافِ فيه، فإنْ كانَ العَجزُ المَرجوُّ الزَّوالِ عن صَومٍ مُعيَّنٍ فاتَ وَقتُه انتظَرَ الإِمكانَ ليَقضيَه، وهل تَلزمُه لفَواتِ الوَقتِ كَفارةٌ على رِوايتَينِ ذكَرَهما أَبو الخَطابِ:

إِحداهما: تَجبُ الكَفارةُ لأنَّه أخَلَّ بما نذَرَه على وَجهِه فلزِمَتْه الكَفارةُ كما لو نذَرَ المَشيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ فعجَزَ، ولأنَّ النَّذرَ كاليَمينِ ولو حلَفَ ليَصومنَّ هذا الشَّهرَ فأفطَرَه لعُذرٍ لزِمَتْه كَفارةٌ كذا هاهنا.

والثَّانيةُ: لا تَلزمُه لأنَّه أَتى بصِيامٍ أَجزَأَه عن نَذرِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ منه فلمْ تَلزمْه كَفارةُ يَمينٍ كما لو صامَ ما عيَّنَه.

فصلٌ: وإنْ نذَرَ غيرَ الصِّيامِ فعجَزَ عنه كالصَّلاةِ ونَحوِها فليسَ عليه إلا الكَفارةُ؛ لأنَّ الشَّرعَ لمْ يَجعلْ لذلك بَدلًا يُصارُ إليه فوجَبَتِ الكَفارةُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النذور
الفصل الثالث معرفة الشيء الذي يلزم عن النذر وأحكام ذلك

عَسَلٍ. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» ، وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: ٢١ .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْ النذر وَأَحْكَام ذلك

المسألة الأولى الْوَاجِبُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْهَا وَأَحْكَامِهَا وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَاذَا يَلْزَمُ فِي نَذْرِ نَذْرٍ مِنَ النُّذُورِ وَأَحْكَامِ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، لَكِنْ نُشِيرُ نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَشْهُورَاتِ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرِ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عَادَتِنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي ذَلِكَ مَسَائِلُ خَمْسٌ:

الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَيْسَ يُعَيِّنُ فِيهِ النَّاذِرُ شَيْئًا سِوَى أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَا غَيْرَ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ فِيهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنَ الْقُرَبِ: صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِوُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ، لِلثَّابِتِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 673 - 679

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله