الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > هل ينعقد النذر بالنية فقط أم لا بد من اللفظ؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةفلا يَنعقدُ بالنِّيةِ كسائرِ العُقودِ وتَنعقدُ بإِشارةِ الأَخرسِ المُفهمةِ، وبكِنايةِ الناطقِ معَ النِّيةِ» (١).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: «والأَكملُ في صِيغةِ النَّذرِ أنْ يَقولَ مثلًا: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي فللهِ عليَّ كذا»، فلو قالَ: «فعليَّ هذا» ولمْ يَقلْ «للهِ»، فطَريقانِ: المَذهبُ -وبه قالَ الُمصنِّفُ والجُمهورُ- صِحتُه؛ لمَا ذكَرَه المُصنِّفُ.
والثانِي: فيه وَجهانِ حَكاهما الرافعيُّ وغيرُه، الصَّحيحُ منهما صِحةُ نَذرِه. والثانِي: لا يَصحُّ إلا بالتَّصريحِ بذِكرِ اللهِ تَعالى، وهو قَريبٌ مِنْ الوَجهِ الضَّعيفِ في وُجوبِ إِضافةِ الوُضوءِ والصَّلاةِ وسائرِ العِباداتِ إلى اللهِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: صِيغةُ النَّذرِ أنْ يَقولَ: «للهِ عليَّ أنْ أَفعلَ كذا» وإنْ قالَ: «عليَّ نَذرُ كذا» لزِمَه أيضًا لأنَّه صرَّحَ بلَفظِ النَّذرِ.
وإنْ قالَ: «إنْ شَفانِي اللهُ فعليَّ صَومُ شَهرٍ» كانَ نَذرًا أو: «نذَرْتُ للهِ» أو «كللهِ عليَّ» ونَحوِه مما يُؤدِّي مَعناه ولا تُعتبَرُ له صيغةٌ بحيثُ لا يَنعقدُ إلا بها، بل يَنعقدُ بكلِّ ما يُؤدِّي مَعناه كالبَيعِ (٣).
هل يَنعقدُ النَّذرُ بالنِّيةِ فقط أم لا بدَّ مِنْ اللَّفظِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّذرِ هل يَنعقدُ بالنِّيةِ أم لا بدَّ مِنْ التَّلفظِ به؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في الصَّحيحِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَنعقدُ إلا باللَّفظِ، ولا يَلزمُ النَّذرُ بالنِّيةِ وحدَها ولا
(١) «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٤)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٧، ٨).
(٢) «المجموع» (٨/ ٣٤٣).
(٣) «المغني» (١٠/ ٨٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٦).
بالكَلامِ النَّفسيِّ، فلو نَوى النَّذرَ بقَلبِه ولمْ يَتلفظْ به لمْ يَنعقدْ كاليَمينِ؛ لأنَّه التِزامٌ فلمْ يَنعقدْ بغيرِ القَولِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنَّ النَّذرَ لا يُشترطُ فيه اللَّفظُ، بل تَكفي نِيةُ النَّذرِ أو الكَلامُ النَّفسيُّ وإنْ لمْ يَتلفظْ به (٢).
(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٩٣)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٤)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٧، ٨)، و «الأشباه والنظائر» (١/ ٣٣)، و «المغني» (١٠/ ٨٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٣٧)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٢١).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٩٣)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٥).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الأيمان
الجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة وأحكامها
فَتَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» .
فَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُورٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْمُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالْعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْقٌ بِمَقْسُومٍ بِهِ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالْعَادَةِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.