الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > إذا أجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي فليس لهم الرجوع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةإِجازتَهم قبلَ أنْ يَموتَ المَيتُ لا يُلزمُهم بها حُكمٌ من قِبَلِ أنَّهم أَجازوا ما ليسَ لهم، ألَا تَرى أنَّهم قد يَكونونَ ثَلاثةً واثنَينِ وواحِدًا فتَحدُثُ له أَولادٌ أكثَرُ منهم فيَكونونَ أَجازوا كلَّ الثُّلثِ وإنَّما لهم بعضُه، ويَحدثُ له وارِثٌ غيرُهم يَحجبُهم ويَموتونَ قبلَه فلا يَكونونَ أَجازوا في واحِدةٍ من الحالتَينِ في شَيءٍ يَملِكونَه بحالٍ؟ وإنَّ أكثَرَ أَحوالِهم فيه أنَّهم لا يَملِكونَه أبدًا إلا بَعدَما يَموتُ، أوَلا تَرى أنَّهم لو أَجازوها لوارِثٍ كانَ الذي أُجيزَت له الوَصيةُ قد يَموتُ قبلَ المُوصي؟ فلو كانَ مِلكُ الوَصيةِ بوَصيةِ المَيتِ وإِجازتِهم مِلْكَها كانَ لم يَملِكْها ولا شَيءَ من مالِ المَيتِ إلا بمَوتِه وبَقائِه بعدَه، فكذلك الذين أَجازوا له الوَصيةَ أَجازوها فيما لا يَملِكونَ وفيما قد لا يَملِكونَه أبدًا.
(قالَ): وهكذا لو استَأذَنهم فيما يُجاوزُ الثُّلثَ من وَصيتِه فأذِنوا له به، وهكذا لو قالَ رَجلٌ منهم: «مِيراثي منك لأَخي فُلانٍ أو لبَني فُلانٍ» لم يَكنْ له؛ لأنَّه أَعطاه ما لم يَملِكْ، وهكذا لو استأذَنَهم في عِتقِ عَبيدٍ له فأعتَقَهم بعدَ مَوتِه فلم يَخرُجوا من الثُّلثِ كانَ لهم رَدُّ مَنْ لا يَخرجُ من الثُّلثِ منهم، وخَيرٌ في هذا كلِّه أنْ يُجيزوه (١).
إذا أَجازَ الوَرثةُ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي فليسَ لهم الرُّجوعُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الوَرثةَ إذا أَجازوا بعدَ مَوتِ المُوصي الزائِدَ على الثُّلثِ أو ما أَوصَى به لوارِثٍ أنَّه ليسَ لأحدٍ منهم الرُّجوعُ في الوَصيةِ.
(١) «الأم» (٤/ ١٠٩).
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّهم إذا أَجازوا ما أَوصَى به مَوروثُهم لوارِثٍ منهم أو أَجازوا وَصيتَه بأكثَرَ من الثُّلثِ بعدَ مَوتِه لزِمَهم ذلك، ولم يَكنْ لهم أنْ يَرجِعوا في شَيءٍ منه قُبضَ أو لم يُقبَضْ، وإنَّ هذا لا يُحتاجُ فيه إلى قَبضٍ عندَ جَميعِهم (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ: وكانَ مالِكٌ، والشافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأَبو ثَورٍ، وأَصحابُ الرأيِ يَقولونَ: إذا أَجازوا ذلك بعدَ وَفاتِه لزِمَهم (٢).
وقالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّهم إذا أَجازوه بعدَ المَوتِ فليسَ لهم أنْ يَرجِعوا فيه (٣).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: وإنْ أَجازوا بعدَ المَوتِ فذلك لازِمٌ من غيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الإِرثَ قد وجَبَ لهم، فإذا تَرَكوه بعدَ وُجوبِه جازَ كما لو وَهَبوه ابتِداءً (٤).
وقالَ زَكريا الأَنصاريُّ رحمة الله عليه: فإنْ أَجازوا -أي: الوَرثةُ- فلا رُجوعَ لهم، ولو قبلَ القَبضِ بِناءً على الأصَحِّ من أنَّ إِجازتَهم تَنفيذٌ للوَصيةِ لا ابتِداءُ عَطيةٍ منهم (٥).
(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٨).
(٢) «الإشراف» (٤/ ٤٠٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٥٢، ١٥٣).
(٣) «أحكام القرآن» (١/ ٢٠٨).
(٤) «المعونة» (٢/ ٥٠٩).
(٥) «أسنى المطالب» (٣/ ٣٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وإن رد الموصى له الوصية، بعد موت الموصى، بطلت الوصية)
لكل واحدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أو بِنِصْفِ المائةِ، أو بخَمْسِينَ. لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما أكثَرَ من نِصْفِ الوَصِيَّةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وَصِيَّتَه في النِّصْفِ، فلم يكُنْ له حَقٌّ فيما سِوَاهُ.
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيّةَ، بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيّةُ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.