الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > إذا اجتمعت الوصايا بأيهم يقدم؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 39 دقيقة قراءةوإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ، إلا أنْ يَتحقَّقَ الوَرثةُ عَدمَ إِخراجِها فتُخرجَ من رأسِ المالِ جَبرًا.
الحالةُ الثالِثةُ: وإنْ لم يَعتَرفْ ببَقائِها وأَوصَى بإِخراجِها، أُخرجَت من الثُّلثِ جَبرًا.
الحالةُ الرابِعةُ: وإنِ اعتَرَف ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لم يُقضَ عليهم بإِخراجِها، وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ أخرَجَها، فإنْ علِموا عَدمَ إِخراجِها أُجبِروا عليها من رأسِ المالِ.
وهذا في زَكاةِ العَينِ، وأمَّا زَكاةُ الحَرثِ والماشيةِ فإنَّهما تُخرَجانِ من رأسِ المالِ، وإنْ لم يُوصِ بإِخراجِ زَكاتِهما، وسَواءٌ اعتَرَف ببَقائِهما في ذِمتِه أو لا؛ لأنَّهما من الأَموالِ الظاهِرةِ (١).
إذا اجتمَعَت الوَصايا بأيِّهم يُقدَّمُ؟
قالَ الكاسانِيُّ: الوَصايا إذا اجتمَعَت فالثُّلثُ لا يَخلو من أنْ يَكونَ يَسعُ كلَّ الوَصايا وإما أنْ يَكونَ لا يَسعُ الكلَّ، فإنْ كانَ يَسعُ الكُلَّ تَنفُذُ الوَصيةُ من الثُّلثِ في الكلِّ؛ لأنَّ الوَصيةَ تعلَّقَت بالكلِّ وأمكَنَ تَنفيذُها في الكلِّ فتَنفُذُ، سَواءٌ كانَت الوَصايا للهِ تبارك وتعالى كالوَصيةِ بالقُرَبِ، كالوَصيةِ بالحَجِّ الفَرضِ والزَّكاةِ والصَّومِ والصَّلاةِ والكَفاراتِ والنُّذورِ وصَدقةِ الفِطرِ
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨٣، ١٨٤)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٥١٥، ٥١٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٦٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٥٨)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٨٣).
والأُضحيةِ وحَجِّ التَّطوعِ وصَومِ التَّطوعِ وبِناءِ المَساجدِ وإِعتاقِ النَّسمةِ وذَبحِ البَدنةِ ونَحوِ ذلك.
أو كانَت للعِبادِ كالوَصيةِ لزَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ وخالِدٍ.
وكذلك لو كانَ الثُّلثُ لا يَسعُ الكُلَّ لكنَّ الوَرثةَ أَجازَت.
فأمَّا إذا كانَ الثُّلثُ لا يَسعُ ولم تُجِزِ الوَرثةُ فالوَصايا لا تَخلو من أنْ تَكونَ كلُّها للهِ تَعالى ﷿، وهي الوَصيةُ بالقُرَبِ، أو أنْ يَكونَ بعضُها للهِ تَعالى وبعضُها للعِبادِ.
فإنْ كانَ الكلُّ للهِ تَعالى فلا يَخلو من أنْ يَكونَ الكُلُّ فَرائضَ أو واجِباتٍ أو نَوافلَ، أو اجتمَعَ في الوَصايا من كلِّ جِنسٍ من الفَرائضِ والواجِباتِ والتَّطوعاتِ، فإنْ كانَ الكلُّ فَرائضَ مُتساويةً يُبدأُ بما قدَّمَه المُوصي؛ لأنَّ عندَ تَساويهِما لا يُمكنُ التَّرجيحُ بالذَّاتِ فيُرجَّحُ بالبِدايةِ؛ لأنَّ البِدايةَ دَليلُ اهتِمامِه بما بدَأَ به؛ لأنَّ الإِنسانَ يَبدأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ عادةً.
واختلَفَت الرِّوايةُ عن أَبي يُوسفَ في الحَجِّ والزَّكاةِ، رُويَ عنه أنَّه يَبدأُ بالحَجِّ، وإنْ أخَّرَه المُوصي في الذِّكرِ، ورُويَ عنه أنَّه يَبدأُ بالزَّكاةِ، وهو قَولُ مُحمدٍ.
وَجهُ الرِّوايِة الأُولى أنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيةٌ والزَّكاةَ عِبادةٌ ماليةٌ، والعِبادةُ البَدنيةُ أوْلى؛ لأنَّ النَّفسَ أنفَسُ وأعَزُّ من المالِ، فكانَ تَقرُّبًا إلى اللهِ تبارك وتعالى بأعَزِّ الأَشياءِ وأنفَسِها عندَه، فكانَ أَقوَى، فكانَت البِدايةُ به أَولى
على أنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيةٌ لها تَعلُّقٌ بالمالِ، وأنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ ماليةٌ لا تَعلُّقَ لها بالبَدنِ، فكانَ الحَجُّ أَقوَى فكانَ أَولى بالتَّقدُّمِ.
وَجهُ الرِّوايةِ الأُخرى أنَّ الحَجَّ تمحَّضَ حَقًّا للهِ تَعالى، وأنَّ الزَّكاةَ يَتعلَّقُ بها حَقُّ العَبدِ، فيُقدَّمُ لحاجةِ العَبدِ وغِنى اللهِ ﷿.
وقالوا في الحَجِّ والزَّكاةِ: إنَّهما يُقدَّمانِ على الكَفاراتِ؛ لأنَّهما واجِبانِ بإِيجابِ اللهِ ﷾ ابتِداءً من غيرِ تَعلُّقِ وُجوبِهما بسَببٍ من جِهةِ العَبدِ، والكَفاراتُ يَتعلَّقُ وُجوبُها بأَسبابٍ تُوجدُ من العَبدِ من القَتلِ والظِّهارِ واليَمينِ، والواجِبُ ابتِداءً أَقوَى فيُقدَّمُ، والكَفاراتُ مُتقدِّمةٌ على صَدقةِ الفِطرِ؛ لأنَّ صَدقةَ الفِطرِ واجِبةٌ ولأنَّ الكَفاراتِ فَرائضُ، والفَرضُ مُقدَّمٌ على الواجِبِ، ولأنَّ هذه الكَفاراتِ مَنصوصٌ عليها في الكِتابِ الكَريمِ ولا نَصَّ في الكِتابِ على صَدقةِ الفِطرِ، وإنَّما عُرفَت بالسُّنةِ المُطهَّرةِ، فكانَ المَنصوصُ عليه في الكِتابِ الكَريمِ أَقوَى فكانَ أوْلى، وصَدقةُ الفِطرِ مُقدَّمةٌ على الأُضحيةِ وإنْ كانَت الأُضحيةُ أيضًا واجِبةً عندَنا، لكنَّ صَدقةَ الفِطرِ مُتَّفقٌ على وُجوبِها، والأُضحيةُ وُجوبُها مَحلُّ الاجتِهادِ، فالمُتَّفقُ على الوُجوبِ أَقوَى فكانَ بالبِدايةِ أوْلى.
وكذا صَدقةُ الفِطرِ مُقدَّمةٌ على كَفارةِ الفِطرِ في رَمضانَ؛ لأنَّ وُجوبَ تلك الكَفارةِ ثبَتَ بخَبَرِ الواحِدِ، وصَدقةُ الفِطرِ ثبَتَ وُجوبُها بأَخبارٍ مَشهورةٍ، والثابِتُ بالخَبَرِ المَشهورِ أَقوَى فيُقدَّمُ.
وقالوا: إنَّ صَدقةَ الفِطرِ تُقدَّمُ على المَنذورِ به؛ لأنَّها وجَبَت بإِيجابِ اللهِ
تبارك وتعالى ابتِداءً، والمَنذورُ به وجَبَ بإِيجابِ العَبدِ وقد تعلَّقَ وُجوبُه أيضًا بسَببِ مُباشَرةِ العَبدِ فتُقدَّمُ الصَّدقةُ.
والإِشكالُ عليه: أنَّ صَدقةَ الفِطرِ من الواجِباتِ لا من الفَرائضِ؛ لأنَّ وُجوبَها ثبَتَ بدَليلٍ غيرِ مَقطوعٍ به، بل بدَليلٍ فيه شُبهةُ العَدمِ، ولهذا لا يَكفرُ جاحِدُه والوَفاءُ بالمَنذورِ به فَرضٌ؛ لأنَّ وُجوبَه ثبَتَ بدَليلٍ مَقطوعٍ به، وهو النَّصُّ المُفسِّرُ من الكِتابِ الكَريمِ، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، والفَرضُ مُقدَّمٌ على الواجِبِ، ولهذا يَكفرُ جاحِدُ وُجوبِ الوَفاءِ بالنَّذرِ.
وفي كِتابِ اللهِ ﷿ دَليلٌ عليه، وهو قَولُه ﷾: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٧]، والمَنذورُ به مُقدَّمٌ على الأُضحيةِ؛ لأنَّه واجِبُ الوَفاءِ بيَقينٍ، وفي وُجوبِ الأُضحيةِ شُبهةُ العَدمِ؛ لكَونِه مَحلَّ الاجتِهادِ، والأُضحيةُ تُقدَّمُ على النَّوافلِ؛ لأنَّها واجِبةٌ عندَ أَبي حَنيفةَ رضي الله عنه، وسُنةٌ مُؤكَّدةٌ عندَهما، وعندَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه، والواجِبُ والسُّنةُ المُؤكَّدةُ أَولى من النافِلةِ، فالظاهِرُ من حالِ المُوصي أنَّه قصَدَ تَقديمَها على النافِلةِ تَحسينًا للظَّنِّ بالمُسلمِ، إلا أنَّه ترَكَه سَهوًا، فيُقدَّمُ بدِلالةِ حالةِ التَّقديمِ وإنْ أخَّرَه بالذِّكرِ على سَبيلِ السَّهوِ.
هذا الذي ذَكَرنا إذا لم يَكنْ في الوَصايا بالقُرَبِ إِعتاقٌ مُنجَزٌ، وهو الإِعتاقُ في مَرضِ المَوتِ، أو إِعتاقٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ، وهو التَّدبيرُ، فإنْ كانَ تقدَّمَ ذلك لأنَّ الإِعتاقَ المُنجَزَ والمُعلَّقَ بالمَوتِ لا يَحتمِلُ الفَسخَ فكانَ أَقوَى فيُقدَّمُ …
وإنْ كانَت الوَصايا بعضُها للهِ ﷾ وبعضُها للعِبادِ، فإنْ أَوصَى لقَومٍ بأَعيانِهم يَتضارَبونَ بوَصاياهم في الثُّلثِ، ثم ما أَصابَ العِبادَ فهو لهم لا يُقدِّمُ بعضَهم على بعضٍ لما نُبيِّنُ، وما كانَ للهِ تبارك وتعالى يَجمعُ ذلك فيُبدأُ منها بالفَرائضِ ثم بالواجِباتِ ثم بالنَّوافلِ.
وإنْ كانَ مع الوَصايا للهِ تبارك وتعالى وَصيةٌ لواحِدٍ مُعيَّنٍ من العِبادِ فإنَّه يُضربُ بما أَوصَى له به مع الوَصايا بالقُرَبِ وتُجعلُ كلُّ جِهةٍ من جِهاتِ القُرَبِ مُفرَدةً بالضَّربِ، فإنْ قالَ: «ثُلثُ مالي في الحَجِّ والزَّكاةِ والكَفاراتِ ولزَيدٍ»؛ فإنَّ الثُّلثَ يُقسَمُ على أربَعةِ أسهُمٍ، هي: سَهمٌ للمُوصَى له، وسَهمٌ للحَجِّ، وسَهمٌ للزَّكاةِ، وسَهمٌ للكَفاراتِ؛ لأنَّ كلَّ جِهةٍ من هذه الجِهاتِ غيرُ الأُخرى، فتُفردُ كلُّ جِهةٍ بسَهمٍ، كما لو أَوصَى بثُلثِ مالِه لقَومٍ مُعيَّنينَ.
فإنْ قيلَ: جِهاتُ القُرَبِ -وإنْ اختَلفَت- المَقصودُ منها كلِّها واحِدٌ، وهو طَلبُ مَرضاةِ اللهِ تبارك وتعالى وابتِغاءُ وَجهِه الكَريمِ، فيَنبَغي أنْ يُضربَ للمُوصَى له بسَهمٍ، وللقُرَبِ بسَهمٍ، فالجَوابُ: إنْ كانَ المَقصودُ من الكُلِّ واحِدًا -وهو ابتِغاءُ وَجهِ اللهِ ﷿ وطَلبُ مَرضاتِه- فالجِهةُ مَنصوصٌ عليها فيَجبُ اعتِبارُها، كما لو أَوصَى بثُلثِ مالِه للفُقراءِ والمَساكينِ وأَبناءِ
السَّبيلِ فكلُّ واحِدٍ منهم يَضربُ بسَهمِه، وإنْ كانَ المَقصودُ من الكلِّ التَّقربَ إلى اللهِ ﷾، لكنْ لمَّا كانَت الجِهةُ مَنصوصًا عليها اعتُبِرَ المَنصوصُ عليه، كذا ههنا، هذا إذا كانَت الوَصايا كلُّها للهِ تبارك وتعالى أو بعضُها للهِ تبارك وتعالى، وبعضُها للعِبادِ.
فأمَّا إذا كانَت كلُّها للعِبادِ فإنَّها لا تَخلو من أحدِ وَجهَينِ، إمَّا أنْ تَكونَ كلُّها في الثُّلثِ لم يُجاوِزْ واحِدةٌ منها قَدرَ الثُّلثِ، وإمَّا أنْ تُجاوِزَ، فإنْ لم تُجاوِزْ بأنْ أَوصَى لإِنسانٍ بثُلثِ مالِه ولآخَرَ بالرُّبعِ ولآخَرَ بالسُّدسِ؛ فإنَّهم يَتضارَبونَ في الثُّلثِ بقَدرِ حُقوقِهم، فيَضربُ صاحِبُ الثُّلثِ بثُلثِ الثُّلثِ وصاحِبُ الرُّبعِ برُبعِ الثُّلثِ وصاحِبُ السُّدسِ بسُدسِ الثُّلثِ، فيَضربُ كلُّ واحِدٍ منهم بقَدرِ فَريضَتِه من الثُّلثِ، فلا يُقدَّمُ بعضُهم على بَعضٍ إلا إذا كانَ مع هذه الوَصايا أحدُ الأَشياءِ الثَّلاثةِ: الإِعتاقُ المُنجَزُ في المَرضِ أو المُعلَّقُ بالمَوتِ في المَرضِ أو في الصِّحةِ وهو التَّدبيرُ أو البَيعُ بالمُحاباةِ بما لا يَتغابَنُ الناسُ فيه في المَرضِ، فيُقدَّمُ هو على سائِرِ الوَصايا التي هي للعِبادِ، كما يُقدَّمُ على الوَصايا بالقُرَبِ، فيُبدأُ بذلك قبلَ كلِّ وَصيةٍ، ثم يَتضارَبُ أهلُ الوَصايا فيما يَبقَى من الثُّلثِ ويَكونُ بينَهم على قَدرِ وَصاياهم، وإنَّما قُلنا: إنَّه لا يُقدَّمُ بعضٌ على بعضٍ في غيرِ المَواضعِ المُستثناةِ؛ لأنَّ تَقديمَ بَعضٍ على بَعضٍ يَستَدعي وُجودَ المُرجِّح ولم يُوجدْ؛ لأنَّ الوَصايا كلَّها استَوَت في سَببِ الاستِحقاقِ؛ لأنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحِدٍ منهم مِثلُ سَببِ صاحِبِه، والاستِواءُ في السَّببِ يُوجبُ الاستِواءَ في الحُكمِ، ولا استِواءَ
في سَببِ الاستِحقاقِ في مَواضعِ الاستِثناءِ؛ لأنَّ الإِعتاقَ المُنجَزَ والإِعتاقَ المُعلَّقَ بالمَوتِ لا يَحتملانِ الفَسخَ، والمُحاباةُ تُستحَقُّ بعَقدِ ضَمانٍ وهو البَيعُ؛ إذْ هو عَقدُ مُعاوضةٍ، فكانَ البَيعُ مَضمونًا بالثَّمنِ، والوَصيةُ تَبرعٌ فكانَت المُحاباةُ المُتعلِّقةُ بعَقدِ الضَّمانِ أَقوَى فكانَت أَولى بالتَّقديمِ …
هذا إذا كانَ مع الوَصايا للعِبادِ عِتقٌ أو مُحاباةٌ، فإنْ لم يَكنْ يضربُ كلُّ واحِدٍ منهما بقَدرِ حَقِّه من الثُّلثِ، حتى لو أَوصَى لرَجلٍ بثُلثِ مالِه ولآخَرَ بالسُّدسِ ولم تُجِزِ الوَرثةُ يُقسَمُ الثُّلثُ بينَهما أَثلاثًا كما يَلي: سَهمانِ لصاحِبِ الثُّلثِ وسَهمٌ لصاحِبِ السُّدسِ، أَصلُ المَسألةِ من سِتةٍ، ثُلثُ المالِ ثَلاثةٌ وثُلثاه مِثلاه وذلك سِتةٌ، فجُملةُ المالِ تِسعةٌ، ثُلثُه، وذلك ثَلاثةٌ للمُوصَى لهما بالثُّلثِ، ويَكونُ السُّدسُ بينَهما أَثلاثًا وثُلثاه وذلك سِتةٌ للوَرثةِ فاستَقامَ الثُّلثُ والثُّلثانِ.
وإنْ أَجازَت الوَرثةُ فللمُوصَى له بالثُّلثِ سَهمانِ وللمُوصَى له بالسُّدسِ سَهمٌ، والباقي -وهو ثَلاثةٌ من سِتةٍ- للوَرثةِ على فَرائضِ اللهِ تبارك وتعالى (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا ضاقَ ثُلثُ المَيتِ الذي يُخرجُ منه الوَصايا عمَّا يَجبُ إِخراجُه منه فإنَّه يُقدَّمُ من ذلك فَكُّ الأَسيرِ المُوصَى بفَكِّه ثم مُدبَّرٌ ثم صَداقُ المَريضِ، ومَعناه أنَّ المُوصي تزوَّجَ وهو مَريضٌ وبَنى بها وماتَ، أَوصَى به أو لا.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٧١، ٣٧٤)، ويُنظَر: «مجمع الأنهر» (٤/ ٤٤٠).
ثم يَلي صَداقَ المَريضِ زَكاةُ العَينِ المُوصَى بها وقد فرَّطَ فيها حتى ماتَ، ثم يَلي ما تقدَّمَ زَكاةُ الفِطرِ لوُجوبِها بالسُّنةِ، وهذا بالنِّسبةِ لزَكاةِ الفِطرِ الماضيةِ، وأمَّا الحاضِرةُ كزَكاةِ العَينِ فمِن رأسِ المالِ، ثم يَلي زَكاةَ الفِطرِ في الإِخراجِ كَفارةُ الظِّهارِ والقَتلِ في الخَطأِ بخِلافِ قَتلِ العَمدِ.
ثم كَفارةُ اليَمينِ؛ لأنَّها على التَّخييرِ، ثم كَفارةُ فِطرِ رَمضانَ عَمدًا بسَببِ أكلٍ أو جِماعٍ، ثم يَلي كَفارةَ فِطرِ رَمضانَ كَفارةُ التَّفريطِ في قَضائِه حتى دخَلَ عليه رَمضانُ آخَرُ؛ لأنَّ كَفارةَ الفِطرِ لخَللٍ حصَلَ به في ذاتِ الصَّومِ، وكَفارةُ التَّفريطِ لتأخيرِه في قَضائِه عن وَقتِه، ولا شَكَّ أنَّ الأولَ آكَدُ، ثم يَلي كَفارةَ التَّفريطِ النَّذرُ الذي لزِمَه سَواءٌ نذَرَه في صِحتِه أو في مَرضِه؛ لأنَّ النَّذرَ أدخَلَه على نَفسِه، والإِطعامُ المَذكورُ وجَبَ بنَصِّ السُّنةِ فهو أَقوَى، ثم يَلي النَّذرَ المُبتَّلُ من العِتقِ في المَرضِ والمُدبَّرُ في المَرضِ، وهُما في مَرتبةٍ واحِدةٍ حيثُ كانا في فَورٍ واحِدٍ، وإلا بُدئَ بالأولِ.
ثم يَلي المُبتَّلَ من العِتقِ والمُدبَّرَ في المَرضِ المُوصَى بعِتقِه مُعيَّنًا، أو أَوصَى بأنْ يُشتَرى عَبدُ فُلانٍ المُعيَّنُ لأجلِ أنْ يُعتِقوه، أو أَوصَى بعِتقِ عَبدِه إلى شَهرٍ، أو أَوصَى بعِتقِه على مالٍ فعجَّلَه، ومِثلُه ما إذا أَوصَى بكِتابتِه، ثم يَليه المُعتَقُ لسَنةٍ، ثم يَلي المُعتَقَ إلى سَنةٍ المُوصَى بعِتقِه غيرَ مُعيَّنٍ، كقَولِه: «أعتِقوا عَبدًا».
ثم تَليه الوَصيةُ بالحَجِّ عن المُوصي إنْ لم يَكنْ حَجَّ صَرورةً، أمَّا إنْ
كانَ الحَجُّ المُوصَى به صَرورةً، أي: حَجةَ الإِسلامِ؛ فإنَّ المُوصَى بعِتقِه غيرَ المُعيَّنِ والصَّرورةَ يَتحاصَّانِ، ولا يُقدَّمُ أَحدُهما على الآخَرِ (١).
قالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «فدَينُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»؛ فإنَّه ليسَ على ظاهِرِه إِجماعًا؛ فإنَّ دَينَ العَبدِ أَولى بالقَضاءِ وبه يُبدأُ إِجماعًا لفَقرِ الآدَميِّ واستِغناءِ اللهِ تَعالى، قالَه ابنُ العَربيِّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا اجتمَعَ في وَصيةٍ تَبرعاتٌ مُتعلِّقةٌ بالمَوتِ وإنْ كانَت مُرتبةً وعجَزَ الثُّلثُ عنها ولم يُوفَّ بها، فإنْ تمحَّضَ العِتقُ كأنْ قالَ: «إذا مِتُّ فأنتُم أَحرارٌ، أو غانِمٌ وسالِمٌ وبَكرٌ أَحرارٌ» أُقرِعَ بينَهم، فمَن قُرعَ عُتقَ منه ما يَكفي الثُّلثَ، وهذا عندَ الإِطلاقِ، أمَّا إذا قالَ: «أَعتِقوا سالِمًا بعدَ مَوتي ثم غانِمًا ثم بكرًا»؛ فإنَّه يُقدَّمُ ما قدَّمَه جَزمًا.
أو تَمحَّضَت تَبرعاتُ غيرِه قُسِّط الثُّلثُ على الجَميعِ باعتِبارِ القيمةِ أو المِقدارِ كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ أَربابِ الدُّيونِ، فلو أَوصَى لزَيدٍ بمِئةٍ ولبَكرٍ بخَمسينَ ولعُمرَ بخَمسينَ وثُلثُ مالِه مِئةٌ أُعطيَ الأولُ خَمسينَ وكلٌّ من الآخَرَينِ خَمسةً وعِشرينَ، ولا يُقدَّمُ بعضُها على بَعضٍ بالسَّبقِ؛
(١) «البيان والتحصيل» (٤/ ٤٧، ٤٨)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨٣، ١٨٥)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٥١٥، ٥١٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٦٣، ٥٦٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٥٧، ٤٦١)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٨٣).
(٢) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٥٢).
لأنَّ الوَصايا إنَّما تُملكُ بالمَوتِ فاستَوى فيها حُكمُ المُتقدِّمِ والمُتأخِّرِ، وقاسَه الشافِعيُّ رضي الله عنه على العَولِ في الفَرائضِ.
هذا عندَ الإِطلاقِ، فلو رتَّبَ -كأنْ قالَ: «أَعطوا زَيدًا مِئةً ثم عَمْرًا مِئةً» - جَرى عليه حُكمُ تَرتيبِه.
ولو اجتمَعَ عِتقٌ وغَيرُه -كأنْ أَوصَى بعِتقِ سالِمٍ ولزَيدٍ بمِئةٍ- قُسِّطَ الثُّلثُ عليهما بالقيمةِ للعَتيقِ لاتِّحادِ وَقتِ الاستِحقاقِ، فإذا كانَت قيمَتُه مِئةً وكانَ الثُّلثُ مِئةً عُتقَ نِصفُه ولزَيدٍ خَمسونٌ.
وفي قَولٍ يُقدَّمُ العِتقُ لقُوَّتِه؛ لتَعلُّقِ حَقِّ اللهِ تَعالى وحَقِّ الآدَميِّ.
ولو اجتمَعَ تَبرعاتٌ مُنجَزةٌ -كأنْ أعتَقَ ووقَفَ وتَصدَّقَ ووهَبَ وأبرَأَ- قُدِّم الأولُ منها فالأولُ، حتى يَتمَّ الثُّلثُ لقُوتِه ونُفوذِه؛ لأنَّه لا يَفتقِرُ إلى إِجازةٍ، وسَواءٌ كانَ فيها عِتقٌ أو لا، اتَّحدَ جِنسُها أو لا، ويَتوقَّفُ ما بَقيَ منها على إِجازةِ الوارِثِ.
فإنْ وُجدَت هذه التَّبرعاتُ دُفعةً -إمَّا مِنه أو بوَكالةٍ- واتَّحدَ الجِنسُ فيها كعِتقِ عَبيدٍ أو إِبراءِ جَمعٍ، كقَولِه: «أعتَقتُكم أو أبرَأتُكم» أُقرعَ في العِتقِ خاصَّةً؛ حَذرًا من التَّشقيصِ في الجَميعِ؛ لخَبَرِ مُسلمٍ: «إنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له عندَ مَوتِه، ولم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ فجَزَّأهم أَثلاثًا وأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً».
وقُسِّطَ بالقيمةِ في غيرِه، كما لو وهَبَ جَماعةٌ وقبِلوا معًا وقبَضوا معًا، أو حابَى جَماعةً، والتَّقسيطُ في جَميعِ ذلك باعتِبارِ القيمةِ.
وإنِ اختَلفَ جِنسُ التَّبرعاتِ وتَصرَّفَ فيما دفَعَه وُكلاءُ المُوصي فإنْ لم يَكنْ فيها عِتقٌ بأنْ تمحَّضَ غيرُه كأنْ وكَّلَ وَكيلًا في هِبةٍ وآخَرَ في بَيعٍ بمُحاباةٍ وآخَرَ في صَدقةٍ وتَصرَّفوا دُفعةً واحِدةً قُسِّطَ الثُّلثُ على الكلِّ باعتِبارِ القيمةِ كما يُفعلُ في الدُّيونِ، وإنْ كانَ في تَصرُّفِ الوُكلاءِ عِتقٌ قُسِّط الثُّلثُ عليها أيضًا، وفي قَولٍ يُقدَّمُ العِتقُ.
وإذا اجتمَعَت تَبرعاتٌ مُنجَرةٌ وتَبرعاتٌ مُتعلِّقةٌ بالمَوتِ يُقدَّمُ المُنجَزُ منها؛ لأنَّها لازِمةٌ لا يَتمكَّنُ المَريضُ من الرُّجوعِ عنها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ عجَزَ الثُّلثُ عن التَّبرعاتِ المُنجَزةِ بدَأَ بالأولِ منها فالأولِ، عِتقًا كانَت أو غيرَه؛ لأنَّ العَطيةَ المُنجَزةَ لازِمةٌ في حَقِّ المُعطي، فإذا كانَت خارِجةً من الثُّلثِ لزِمَت في حَقِّ الوَرثةِ، فلو شارَكَتها الثانيةُ لمنَعَ ذلك لزُومهَا في حَقِّ المُعطي؛ لأنَّه يَملكُ الرُّجوعَ عن بعضِها بعَطيةٍ أُخرى.
فإنْ وقَعَت العَطايا المُنجَزةُ دُفعةً واحِدةً -كأنْ قبِلَها الكلُّ معًا أو وكَّلوا واحِدًا قبِلَ لهم بلَفظٍ واحِدٍ- قُسِّم الثُّلثُ بينَ الجَميعِ بالحِصصِ؛ لتَساوي أهلِها في استِحقاقِها لحُصولِه في آنٍ واحِدٍ، ولا يُقدَّمُ عِتقٌ على غيرِه من التَّبرعاتِ (٢).
(١) «النجم الوهاج» (٦/ ٢٤٤، ٢٤٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٩، ٨١)، و «الديباج» (٣/ ٦٩، ٧٠).
(٢) «الكافي» (٢/ ٤٨٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٩٠)، و «الإنصاف» (٧/ ١٧١، ١٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٢٢، ٤٢٣)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في شرائط ركن الوصية
حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ ﷾ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أموال اليتامى
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلَّ مَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ وَمَا لَا غناء به عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ مَنْدُوبٌ إِلَى الْقِيَامِ بمصالحه، قال تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الأنعام: ١٥٢ .
وَالَّذِي يَلْزَمُهُ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ، أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: حِفْظُ أُصُولِ أَمْوَالِهِ.
والثاني: تمييز فُرُوعِهَا.
وَالثَّالِثُ: الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَالرَّابِعُ: إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ.
فَأَمَّا حِفْظُ الْأُصُولِ: فَيَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حِفْظُ الرِّقَابِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ، فَإِنْ فَرَّطَ، كَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا ضَامِنًا.
وَالثَّانِي: استيفاء الْعِمَارَةِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إِلَيْهَا خَرَابٌ، فَإِنْ أَهْمَلَ عِمَارَتَهَا حَتَّى عَطِلَ ضِيَاعُهُ، وَتَهَدَّمَ عَقَارُهُ، نُظِرَ: فإن كان لإعوان مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ، فَقَدْ أَثِمَ وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ وَيَصِيرُ بِهَذَا الْعُدْوَانِ كَالْغَاصِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ خَرَابَهَا، لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ، فَيَضْمَنُ بِهِ، وَلَا يَدُهُ غَاصِبَةٌ فَيَجِبُ بِهَا عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
فصل:
وأما تمييز فُرُوعِهِ، فَلِأَنَّ النَّمَاءَ مَالٌ مَقْصُودٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ كَالْأُصُولِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٧٠ - مسألة؛ قال: (وما أعطى في مرضه الذى مات فيه، فهو من الثلث)
كانوا يَكْتُبُونَ في صُدُورِ وَصَايَاهُم: بسم اللهِ الرحمن الرحيم. هذا ما أَوْصَى به فلانٌ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الساعةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللَّه يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأَوْصَى من تَرَكَ من أهْلِه أن يَتَّقُوا اللهَ، ويُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنهِم، ويُطيعُوا اللهَ وَرَسُولَه إن كانوا مُؤْمِنِينَ، وأوْصَاهُم بما أوْصَى به إبْرَاهِيمُ بَنِيه ويَعْقُوبَ: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . أخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، عن فُضَيْلِ بن عِيَاضٍ، عن هِشَامِ بن حَسَّانٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَسٍ. ورُوِىَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّه كَتَبَ في وَصِيَّتِهِ : بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ذِكْرُ ما أوْصَى به عبدُ اللَّه بن مَسْعُودٍ، إن حَدَثَ لي حادِثُ المَوْتِ من مَرَضِى هذا، أنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِى إلى اللهِ تعالَى ، ثم إلى الزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ، وابنِه عبد اللَّه، وأنَّهما في حِلٍّ وبَلٍّ فيما وَلِيَا وقَضَيَا، وأنه لا تُزَوّجُ امْرَأةٌ من بَنَاتِ عبدِ اللَّه إلَّا بإذْنِهِما . ورَوَى ابنُ عبد البَرِّ قال: كان في وَصِيّةِ أبى الدَّرْدَاءِ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الجَنّةَ حَقٌّ، وأنَّ النارَ حَقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطّاغُوتِ، على ذلك يَحْيَا ويَمُوتُ، إن شاءَ اللهُ، وأوْصَى فيما رَزَقَه اللهُ تعالى، بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيّتُه إن لم يُغَيِّرْها.
٩٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَا أعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذى مَاتَ فِيهِ، فَهُوَ مِنَ الثُّلُثِ)
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.