الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الركن الثاني: الموصي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثاني: المُوصي:
المُوصي: هو المُتبَرِّعُ الذي صدَرَت منه الوَصيةُ أو هو الآمِرُ بالتَّصرفِ.
اشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصي عِدةَ شُروطٍ، بعضُها مُتَّفقٌ عليه وبعضُها مُختلَفٌ فيه، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
١ - العَقلُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ وَصيةُ المَجنونِ في حالِ جُنونِه، وكذا المَعتوهُ والمُغمَى عليه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المُوصي فأَنواعٌ، منها أنْ يَكونَ من أهلِ التَّبرعِ في الوَصيةِ بالمالِ وما يَتعلَّقُ به؛ لأنَّ الوَصيةَ بذلك تَبرعٌ بإِيجابِه بعدَ مَوتِه فلا بُدَّ من أَهليةِ التَّبرعِ، فلا تَصحُّ من الصَّبيِّ والمَجنونِ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ التَّبرعِ؛ لكَونِه من التَّصرفاتِ الضارةِ المَحضةِ؛ إذْ لا يُقابِلُه عِوضٌ دُنيويٌّ (١).
وقالَ ابنُ جُزيٍّ: المُوصي: هو كلُّ مالِكٍ حُرٍّ مُميِّزٍ، فلا تَصحُّ من المَجنونِ إلا حالَ إِفاقتِه (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٤).
(٢) «القوانين الفقهية» ص (٢٦٦).
قالَ الشافِعيةُ: المُوصي إنْ كانَ جائِزَ التَّصرفِ في مالِه جازَت وَصيتُه للأَخبارِ، وإنْ لم يَكنْ جائِزَ التَّصرفِ كالمَجنونِ والمُبَرسَمِ والمَعتوهِ فلا تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ، والصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ كالمَجنونِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: أمَّا الطِّفلُ -وهو مَنْ له دونَ السَّبعِ-، والمَجنونُ والمُبَرسَمُ فلا وَصيةَ لهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ رضي الله عنهم، وأَصحابُ الرأيِ ومَن تبِعَهم، ولا نَعلَمُ أحدًا خالَفَهم إلا إِياسَ بنَ مُعاويةَ قالَ في الصَّبيِّ والمَجنونِ: إذا وافَقَت وَصيَّتُهما الحَقَّ جازَت، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا حُكمَ لكَلامِهما ولا تَصحُّ عِبادتُهما ولا شَيءَ من تَصرُّفاتِهما، فكذا الوَصيةُ، بل أوْلى؛ فإنَّه إذا لم يَصحَّ إِسلامُهما وصَلاتُهما التي هي مَحضُ نَفعٍ لا ضَررَ فيها، فلَأنْ يَكونا لا يَصحُّ بَذلُهما المالَ يَتضرَّرُ به وارِثُهما أوْلى، ولأنَّها تَصرفٌ يَفتقِرُ إلى إِيجابٍ وقَبولٍ فلا يَصحُّ منهما كالبَيعِ والهِبةِ.
ثم قالَ: وأمَّا الذي يُجَنُّ أَحيانًا ويُفيقُ أَحيانًا فإنْ وَصَّى حالَ جُنونِه
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٣٦٤)، و «كفاية الأخيار» ص (٣٩٤)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢١٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية
عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»
وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوصايا
القسم الثاني القول في أحكام الوصايا
عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبْعِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهُ بِهَا الشَّارِعُ أَمْ لَيْسَ بِخَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» فَمَنْ جَعَلَ هَذَا السَّبَبَ خَاصًّا وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ الْحُكْمَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ، أَوْ جَعَلَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الْوَرَثَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب جامع الأيمان الثاني
باب جامع الأيمان الثاني
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ فَأَكَلَ رُؤُوسَ الْحِيتَانِ أَوْ رُؤُوسَ الطَّيْرِ أَوْ رُؤُوسَ شيءٍ يُخَالِفُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَالِإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَحْنَثْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ إِذَا خُوطِبُوا بِأَكْلِ الرُّؤُوسِ إِنَّمَا هِيَ مَا وَصَفْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلادٌ لَهَا صيدٌ يَكْثُرُ كَمَا يَكْثُرُ لَحْمُ الأنعام في السوق وتميز رُؤُوسُهَا فَيَحْنَثُ فِي رُؤُوسِهَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ. مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ عُمُومَ الرُّؤُوسِ كُلِّهَا مِمَّا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا سُمِّيَ رَأْسًا مِمَّا يُفْصَلُ مِنْ أَبْدَانِهَا، كَرُؤُوسِ الْغَنَمِ أَوْ لَا يُفْصَلُ كَرُؤُوسِ الطَّيْرِ، وَالْحِيتَانِ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِيمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الِاسْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنَ الرُّؤُوسِ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا عَدَاهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَحْدَهَا، سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي الْعُرْفِ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ. وَلَا يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا عَدَاهَا، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِي التَّخْصِيصِ.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.