الشرط الثاني: أن يكون الموصى به قربة

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الشرط الثاني: أن يكون الموصى به قربة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

الشرط الثاني: أن يكون الموصى به قربة - الأقوال والأدلة

وقد تقدَّمَ في الرُّكنِ الثالِثِ «المُوصَى له» في الشَّرطِ الرابِعِ ألَّا تَكونَ الوَصيةُ في مَعصيةٍ: حُكمُ الوَصيةِ بالمُحرَّمِ كبِناءِ الكَنائسِ بالتَّفصيلِ فلا حاجةَ لتَكرارِه هنا.

الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ المُوصَى به قُربةً:

الأَصلُ أنَّ الوَصيةَ إنَّما يُقصدُ بها التَّقربُ إلى اللهِ تَعالى، إلا أن الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو أَوصَى بشَيءٍ ليسَ بقُربةٍ بل هو مُباحٌ، هل تَصحُّ الوَصيةُ به أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المُعتمدِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، بل حُكِيَ الاتِّفاقُ فيه إلى أنَّه لا يُشتَرطُ القُربةُ لصِحةِ الوَصيةِ، بل الشَّرطُ ألَّا تَكونَ في مَعصيةٍ.

قالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقَوا على أنَّ الوَصيةَ بالمَعاصي لا تَجوزُ، وأنَّ الوَصيةَ بالبِرِّ وبما ليسَ ببِرٍّ ولا مَعصيةٍ ولا تَضييعٍ للمالِ جائِزةٌ (١).

قالَ ابنُ عابدِين: يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ عَدمُ الكَراهةِ وإنْ لم تَكُنْ قُربةً، كالوَصيةِ لغَنيٍّ؛ لأنَّها مُباحةٌ وليسَت قُربةً (٢).

(١) «مراتب الإجماع» ص (١١٣)، ويُنظَر: «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٩٠)، و «البيان والتحصيل» (١٢/ ٢٢١)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٥)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٦٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤١٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٥١).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٩٠).

وقالَ ابنُ جُزيٍّ المالِكيُّ: اختُلفَ هل يَجبُ تَنفيذُه أو لا، وهو الوَصيةُ بما لا قُربةَ فيه كالوَصيةِ ببَيعِ شَيءٍ أو شِرائِه (١).

وقالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (إنْ أَوصَى بقُربةٍ) المُرادُ بها ما يَشملُ المُباحَ، بدَليلِ المُقابلةِ بالمُحرمِ كما أَفادَه بعضُهم (٢).

وذهَبَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّه يُشتَرطُ القُربةُ لصِحةِ الوَصيةِ.

قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: الوَصيةُ بما ليسَ ببِرٍّ ولا مَعصيةٍ والوَقفُ على ذلك فيه قَولانِ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه، والصَّحيحُ أنَّ ذلك لا يَصحُّ؛ فإنَّ الإِنسانَ لا يَنتفِعُ ببَذلِ المالِ بعدَ المَوتِ إلا أنْ يَصرفَه إلى طاعةِ اللهِ، وإلا فبَذلُه بما ليسَ بطاعةٍ ولا مَعصيةٍ لا يَنفعُه بعدَ المَوتِ، بخِلافِ صَرفِه في الحَياةِ في المُباحاتِ كالأَكلِ والشُّربِ واللِّباسِ؛ فإنَّه يَنتفِعُ بذلك (٣).

وقالَ أيضًا: وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مِثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنَّه يَنتفِعُ بتَناولِ المُباحاتِ في حَياتِه.

وأمَّا الواقِفُ والمُوصي فإنَّهما لا يَنتفِعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه من المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلك في الآخِرةِ، فلو بُذلَ المالُ في ذلك

(١) «القوانين الفقهية» ص (٢٢٦).
(٢) «حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٨٥، ٤٩٢).
(٣) «جامع المسائل» (٣/ ٣٣٦)، و «نقد مراتب الإجماع» (٢٩٦).

عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيه حُجةٌ على تَناولِ المالِ، فكيف إذا ألزَمَ بمُباحٍ لا غَرضَ له فيه؟ فلا يَنتفِعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسخَّرًا مُعذَّبًا آكِلًا للمالِ بالباطِلِ.

وإذا كانَ الشارِعُ قد قالَ: «لا سَبقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلم يُجوِّزْ بَذلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيه مَنفعةٌ كما في المُصارعةِ والمُسابقةِ على الأَقدامِ، فكيف يُبذَلُ العِوضُ المُؤبَّدُ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيه، لا سيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيف يُحبسُ المالُ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفِعُ به العامِلُ؟ فيَكونُ في ذلك ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَت لأحَدٍ، وفي ذلك ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيه مُسخَّرونَ يَعوقُهم عن مَصالِحهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصُلُ له ولا لهم (١).

وقالَ أيضًا: القِسمُ الثالِثُ: عَملٌ ليسَ بمَكروهٍ في الشَّرعِ وليسَ بمُستحبٍّ، بل هو مُباحٌ مُستَوِي الطَّرفَينِ، فهذا قالَ بعضُ العُلماءِ بوُجوبِ الوَفاءِ به، والجُمهورُ من العُلماءِ من أهلِ المَذاهبِ المَشهورةِ وغيرُهم على أنَّه شَرطٌ باطِلٌ ولا يَصحُّ عندَهم أنْ يُشتَرطَ إلا ما كانَ قُربةً إلى اللهِ تَعالى، وذلك أنَّ

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٤٩، ٥٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 287 - 289

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل