ثانيا: الوصية بكتابة التوراة والإنجيل

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ثانيا: الوصية بكتابة التوراة والإنجيل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثانيا: الوصية بكتابة التوراة والإنجيل - الأقوال والأدلة

لو أَوصَى مُسلمٌ بغَلةِ جاريتِه أنْ تَكونَ في نَفقةِ المَسجدِ ومُؤنتِه فانهَدَم المَسجدُ وقد اجتمَعَ من غَلتِها شَيءٌ أنفَقَ ذلك في بِنائِه؛ لأنَّه بالانْهِدامِ لم يَخرجْ من أنْ يَكونَ مَسجدًا، وقد أَوصَى له بغَلتِها، فتُنفقُ في بِنائِه وعِمارتِه، واللهُ أعلَمُ (١).

ثانيًا: الوَصيةُ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ:

صرَّحَ عامَّةُ الفُقهاءِ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الأصَحِّ بعَدمِ صِحةِ الوَصيةِ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ والزَّبورِ والصُّحفِ وما أُلحقَ بها؛ لأنَّها كُتبٌ مَنسوخةٌ، والاشتِغالُ بها غيرُ جائِزٍ لمَا فيها من التَّبديلِ والتَّغييرِ، وقد غضِبَ النَّبيُّ حين رأى مع عُمرَ شَيئًا مَكتوبًا من التَّوراةِ.

وألحَقَ الماوَرديُّ بذلك كُتبَ النُّجومِ والفَلسفةِ، وألحَقَ القاضي حُسينٌ بذلك كِتابةَ الغَزَلِ؛ فإنَّها مُحرمةٌ.

ووَجهُ عَدمِ الصِّحةِ أنَّ الوَصيةَ شُرعَت اجتِلابًا للحَسناتِ واستِدراكًا لمَا فاتَ، وذلك يُنافي المَقصودَ؛ لأنَّ المَقصودَ من شَرعِ الوَصيةِ تَداركُ ما فاتَ في حالِ الحَياةِ من الإِحسانِ، فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ من جِهةِ مَعصيةٍ وإنَّما تَكونُ من جِهةِ قُربةٍ كالفُقراءِ، أو مُباحٍ لا يَظهرُ فيه قُربةٌ كالأَغنياءِ.

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو قالَ: «اكتُبوا بثُلثِي التَّوراةَ والإِنجيلَ» فَسختُه لتَبديلِهم؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ … ﴾ الآيةَ.

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «المبسوط» (٢٨/ ٩٤).

قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، الوَصيةُ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ باطِلةٌ، سَواءٌ كانَ المُوصي بها مُسلمًا أو ذِميًّا، وتَصحُّ عندَ قَومٍ استِدلالًا بأمرَينِ:

أَحدُهما: أنَّها من كُتبِ اللهِ المَنقولةِ بالاستِفاضةِ، فاستَحالَ فيه التَّبديلُ كالقُرآنِ.

والثاني: أنَّ التَّبديلَ -وإنْ ظهَرَ منهم- كانَ في حُكمِ التأويلِ ولم يَكنْ في لَفظِ التَّنزيلِ.

واللهُ تَعالى قد أخبَرَ عنهم -وخَبَرُه أصدَقُ- أنَّهم بدَّلوا كُتبَهم، فقالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبَرَ أنَّهم قد نَسَبوا إليه ما ليسَ منه، وحرَّفوا عنه ما هو منه، وهذا صَريحٌ في تَبديلِ المَعنى واللَّفظِ، وإنْ كانَ مُبدَّلًا كانَت تِلاوتُه مَعصيةً لتَبديلِه، لا لنَسخِه؛ فإنَّ في القُرآنِ مَنسوخًا يُتلَى كتِلاوةِ الناسِخِ، وإذا كانَت تِلاوتُه مَعصيةً كانَت الوَصيةُ بالمَعصيةِ باطِلةً.

فأمَّا قَولُهم: إنَّه مُستَفيضُ النَّقلِ فاستَحالَ فيه التَّبديلُ، فالجَوابُ عنه أنَّ الاستِفاضةَ شَرطانِ:

أَحدُهما: أنْ يَنقُلَه جَمٌّ غَفيرٌ وعَددٌ كَثيرٌ يَنتَفي عنهم التَّواطُؤُ والتَّساعُدُ على الكَذبِ والتَّغييرِ.

والثاني: أنَّه يَستَوي حُكمُ طَرفيِ النَّقلِ ووَسطُه، وهذا -وإنْ وُجدَ فيه

أحدُ الشَّرطَينِ من كَثرةِ العَددِ- لم يُوجَدْ فيه الشَّرطُ الثاني في استِواءِ الطَّرفَينِ والوَسطِ؛ لأنَّ التَّوراةَ حين أحرَقَها بختنصرُ اجتمَعَ عليها أربَعةٌ من اليَهودِ لَفَّقوها من حِفظِهم ثم استَفاضَت عنهم، فخرَجَت عن حُكمِ الاستِفاضةِ.

فإنْ قيلَ: فهذا يَعودُ على القُرآنِ في استِفاضةِ نَقلِه؛ لأنَّ الذي حفِظَه من الصَّحابةِ سِتةٌ فلم تُوجَدْ الاستِفاضةُ في طَرفَيه ووَسطِه قيلَ: لئِنْ كانَ الذي يَحفظُ جَميعَ القُرآنِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ سِتةً، فقد كانَ أكثَرُ الصَّحابةِ يَحفَظونَ منه سُورًا أَجمَعوا عليها واتَّفقَوا على صِحتِها، فوُجدَت الاستِفاضةُ فيهم بانضِمامِهم إلى السِّتةِ، وقَولُهم: إنَّهم غيَّروا التَّأويلَ دونَ التَّنزيلِ؛ لأنَّهم قد أنكَروا تَغييرَ التَّأويلِ كما أنكَروا تَغييرَ التَّنزيلِ ولم يَكنْ إِنكارُهم حُجةً في تَغييرِ التَّأويلِ، وكذلك لا يَكونُ حُجةً في تَغييرِ التَّنزيلِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قد أخبَرَ بأنَّهم غيَّروه، فاقتَضى حَملَه على عُمومِ الأمرَينِ بغيرِ تَخصيصٍ (١).

وهذا ما يُفهمُ من كَلامِ المالِكيةِ أيضًا؛ فإنَّهم صرَّحوا ببُطلانِ الوَصيةِ إذا كانَت على مَعصيةٍ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٩٣، ٣٩٤)، و «كفاية الأخيار» (٣٩١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٠)، و «المغني» (٦/ ١٢٢)، و «الكافي» (٢/ ٤٧٩)، و «المبدع» (٦/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٤٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٧٢).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧١)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «حاشية الصاوي» (١١/ ٤، ٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 197 - 199

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد