الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ج- الوصية للمرتد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةقَولُه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولأنَّ كلَّ مَنْ جازَت عَطيتُه في الحَياةِ جازَت بعدَ الوَفاةِ كالذِّميِّ، ولأنَّ كلَّ من صَحَّ تَمليكُه بغيرِ الوَصيةِ صَحَّ أنْ يَملكَ بالوَصية كالمُعاهَدِ والمُستأمَنِ، ولأنَّ اختِلافَ الأَديانِ أو الدارِ لا يُؤثِّرُ في التَّمليكِ بالوَصيةِ، أَصلُه وَصيةُ الذِّميِّ للمُسلمِ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفوا في الوَصيةِ للكُفارِ، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ: تَصحُّ لهم، سَواءٌ كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ لأهلِ الحَربِ، وتَصحُّ لأهلِ الذِّمةِ خاصَّةً (٢).
ج- الوَصيةُ للمُرتدِّ:
اختَلفَ الفُقهاء في حُكمِ الوَصيةِ للمُرتدِّ هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ المُعيَّنِ.
قالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: تَصحُّ الوَصيةُ لمُرتدٍّ مُعيَّنٍ إذا لم يَمُتْ مُرتدًّا كالهِبةِ والصَّدقةِ، وكذا إذا أَوصَى لمُسلمٍ فارتَدَّ تَصحُّ قَطعًا.
وهذا إذا لم يَلحَقِ المُرتدُّ بدارِ الحَربِ، فإنْ لحِقَ بدارِ الحَربِ وامتَنعَ منَّا لا تَصحُّ الوَصيةُ له قَطعًا.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٥، ١٧٦)، رقم (١٩٢٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٨، ٤٣٩).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٨٣، ٨٤)، و «جواهر العقود» (١/ ٣٥٧).
وإذا أَوصَى لمَن يَرتدُّ فهي باطِلةٌ قَطعًا؛ لأنَّه جعَلَ الكُفرَ حامِلًا على الوَصيةِ (١).
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا وَصيةُ المُرتدِّ فعلى ثَلاثةِ أَقسامٍ:
أَحدُها: أنْ يُوصيَ لمَن يَرتدُّ عن الإِسلامِ، فالوَصيةُ باطِلةٌ لعَقدِها على مَعصيةٍ.
والثاني: أنْ يُوصيَ بها لمُسلمٍ فيَرتدَّ عن الإِسلامِ بعدَ الوَصيةِ له، فالوَصيةُ جائِزةٌ؛ لأنَّها وَصيةٌ صادَفَت حالَ الإِسلامِ.
والثالِثُ: أنْ يُوصيَ بها لمُرتدٍّ مُعيَّنٍ، ففي الوَصيةِ وَجهانِ: أَحدُهما باطِلةٌ، والثاني جائِزةٌ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ كما تَصحُّ هِبتُه (٣).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ؛ لأنَّه يُقتلُ فلا مَعنى للوَصيةِ له، كالوَقفِ عليه، كما علَّلَه بذلك الشافِعيةُ، وعلَّلَه الحَنابِلةُ بأنَّ مِلكَه غيرُ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧١)، و «تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني» (٨/ ١٣٣)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٦/ ٥٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩٣).
(٣) «المغني» (٦/ ١٢١، ١٢٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٦٨)، و «المحرر» (١/ ٣٨٣)، و «المبدع» (٦/ ٣٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٢١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٦٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.