سبب تقديم الوصية على الدين

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > سبب تقديم الوصية على الدين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

سبب تقديم الوصية على الدين - الأقوال والأدلة

سَببُ تَقديمِ الوَصيةِ على الدَّينِ:

قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: بابُ الرَّجلِ يَموتُ وعليه دَينٌ ويُوصي بوَصيةٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ورَوى الحارِثُ عن علِيٍّ قالَ: «تَقرَؤونَ الوَصيةَ قبلَ الدَّينِ، وإنَّ مُحمدًا قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ»، قالَ أَبو بَكرٍ: وهذا لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ.

وذلك لأنَّ مَعنى قَولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أنَّ المِيراثَ بعدَ هذَينِ وليسَت «أو» في هذا المَوضعِ لأَحدِهما، بل قد تَناولَتهما جَميعًا، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] مُستَثنًى من الجُملةِ المَذكورةِ في قِسمةِ المَواريثِ، ومتى دخَلَت «أو» على النَّفيِ صارَت في مَعنى الواوِ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)[الإنسان: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فكانَت «أو» في هذه المَواضعِ بمَنزِلةِ الواوِ، فكذلك قَولُه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لمَّا كانَ في مَعنى الاستِثناءِ كأنَّه قالَ: «إلا أنْ تَكونَ هناك وَصيةٌ أو دَينٌ» فيَكونُ المِيراثُ بعدَهما جَميعًا، وتَقديمُ الوَصيةِ على الدَّينِ في الذِّكرِ غيرُ مُوجبٍ للتَّبدئةِ بها على الدَّينِ؛ لأنَّ «أو» لا تُوجِبُ التَّرتيبَ، وإنَّما ذكَرَ اللهُ تَعالى ذلك بعدَ ذِكرِ المِيراثِ إِعلامًا لنا بأنَّ سِهامَ المَواريثِ جارِيةٌ في التَّركةِ بعدَ قَضاءِ الدَّينِ وعَزلِ حِصةِ الوَصيةِ، ألَا تَرى أنَّه إذا

أَوصَى بثُلثِ مالِه كانَت سِهامُ الوَرثةِ مُعتبَرةً بعدَ الثُّلثِ، فيَكونُ للزَّوجةِ الرُّبعُ أو الثُّمنُ في الثُّلثَينِ؟ وكذلك سِهامُ سائِرِ أهلِ المِيراثِ جاريةٌ في الثُّلثَينِ دونَ الثُّلثِ الذي فيه الوَصيةُ؟ فجمَعَ تَعالى بينَ ذِكرِ الدَّينِ والوَصيةِ ليُعلِمَنا بأنَّ سِهامَ المِيراثِ مُعتبَرةٌ بعدَ الوَصيةِ كما هي مُعتبَرةٌ بعدَ الدَّينِ وإنْ كانَت الوَصيةُ مُخالفةً للدَّينِ من جِهةِ الاستِيفاءِ؛ لأنَّه لو هلَكَ من المالِ شَيءٌ لدخَلَ النُّقصانُ على أَصحابِ الوَصايا كما يَدخلُ على الوَرثةِ، وليسَ كذلك الدَّينُ؛ لأنَّه لو هلَكَ من المالِ شَيءٌ استُوفِيَ الدَّينُ كلُّه من الباقي، وإنِ استَغرَقه وبطَلَ حَقُّ المُوصَى له والوَرثةِ جَميعًا فالمُوصَى له شَريكُ الوَرثةِ من وَجهٍ، ويأخُذُ شَبهًا من الغَريمِ من وَجهٍ آخَرَ، وهو أنَّ سِهامَ أهلِ المَواريثِ مُعتبَرةٌ بعدَ الوَصيةِ كاعتِبارِها بعدَ الدَّينِ، وليسَ المُرادُ بقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أنَّ المُوصَى له يُعطَى وَصيتَه قبلَ أنْ يأخُذَ الوَرثةُ أنصِباءَهم، بل يُعطَوْن كلُّهم معًا، كأنَّه أحدُ الوَرثةِ في هذا الوِجهِ، وما هلَكَ من المالِ قبلَ القِسمةِ ذاهِبٌ منهم جَميعًا (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: فإنْ قيل: فما الحِكمةُ في تَقديمِ ذِكرِ الوَصيةِ على ذِكرِ الدَّينِ، والدَّينُ مُقدَّمٌ عليها؟ قُلنا: في ذلك خَمسةُ أوجُهٍ:

الأولُ: أنَّ «أو» لا تُوجِبُ ترَتيبًا، إنَّما تُوجبُ تَفصيلًا، فكأنَّه قالَ: «مِنْ بعدِ أَحدِهما أو مِنْ بَعدِهما» ولو ذكَرَهما بحَرفِ الواوِ لأوهَمَ الجَمعَ والتَّشريكَ، فكانَ ذِكرُهما بحَرفِ «أو» المُتَقضي التَّفصيلَ أوْلى.

(١) «أحكام القرآن» (٣/ ٢٨، ٢٩).

الثاني: أنَّه قدَّمَ الوَصيةَ؛ لأنَّ تَسبُّبَها من قِبَلِ نَفسِه، والدَّينُ ثابِتٌ مُؤدًّى، ذكَرَه أو لم يَذكُرْه.

الثالِثُ: أنَّ وُجودَ الوَصيةِ أكثَرُ من وُجودِ الدَّينِ، فقدَّمَ في الذِّكرِ ما يَقعُ غالِبًا في الوُجودِ.

الرابِعُ: أنَّه ذكَرَ الوَصيةَ؛ لأنَّه أمرٌ مُشكلٌ، هل يَقصدُ ذلك ويَلزمُ امتِثالُه أو لا؟ لأنَّ الدَّينَ كانَ ابتِداءً تامًّا مَشهورًا أنَّه لا بُدَّ منه، فقدَّمَ المُشكِلَ لأنَّه أهَمُّ في البَيانِ.

الخامِسُ: أنَّ الوَصيةَ كانَت مَشروعةً ثم نُسخَت في بعضِ الصُّورِ، فلمَّا ضعَّفَها النَّسخُ قوِيَت بتَقديمِ الذِّكرِ، وذِكرُهما معًا كانَ يَقتَضي أنْ تَتعلَّقَ الوَصيةُ بجَميعِ المالِ تَعلُّقَ الدَّينِ، لكنَّ الوَصيةَ خُصصَت ببعضِ المالِ؛ لأنَّها لو جازَت في جَميعِ المالِ لاستَغرَقَته ولم يُوجَدْ مِيراثٌ، فخصَّصَها الشَّرعُ ببعضِ المالِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه أمرٌ يُنشئُه بمَقاصدَ صَحيحةٍ في الصِّحةِ والمَرضِ، بَيِّنةِ النَّواحي في كلِّ حالٍ يَعمُّ تَعلُّقها بالمالِ كلِّه.

ولمَّا قامَ الدَّليلُ وظهَرَ المَعنى في تَخصيصِ الوَصيةِ ببعضِ المالِ قدَّرَت ذلك الشَّريعةُ بالثُّلثِ، وبيَّنَت المَعنى المُشارَ إليه على لِسانِ النَّبيِّ في حَديثِ سَعدٍ، فظهَرَت المَسألةُ قَولًا ومَعنًى، وتبَيَّنت حِكمةً وحُكمًا (١).

(١) «أحكام القرآن» (١/ ٤٤٥، ٤٤٦).

قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه بعدَ ذِكرِه لحَديثِ سيِّدِنا علِيٍّ: أشارَ سيِّدُنا علِيٌّ رضي الله عنه إلى أنَّ التَّرتيبَ في الذِّكرِ لا يُوجبُ التَّرتيبَ في الحُكمِ.

ولأنَّ الدَّينَ واجِبٌ والوَصيةَ تَبرعٌ، والواجِبُ مُقدَّمٌ على التَّبرعِ، ومَعنى تَقدُّمِ الدَّينِ على الوَصيةِ والمِيراثِ أنَّه يُقضَى الدَّينُ أولًا، فإنْ فضَلَ منه شَيءٌ يُصرفُ إلى الوَصيةِ والمِيراثِ، وإلا فلا.

وأمَّا مَعنى تَقدُّمِ الوَصيةِ على المِيراثِ فليس مَعناه أنْ يُخرَجَ الثُّلثُ ويُعزلُ عن التَّركةِ ويُبدأُ بدَفعِه إلى المُوصَى له ثم يُدفعُ الثُّلثانِ إلى الوَرثةِ؛ لأنَّ التَّركةَ بعدَ قَضاءِ الدَّينِ تَكونُ بينَ الوَرثةِ وبينَ المُوصَى له على الشَّركةِ، والمُوصَى له شَريكُ الوَرثةِ في الاستِحقاقِ كأنَّه واحِدٌ من الوَرثةِ لا يَستحقُّ المُوصَى له من الثُّلثِ شَيئًا قَلَّ أو كثُرَ إلا ويَستحقُّ منه الوَرثةُ ثُلثَيه ويَكونُ فَرضُهما معًا لا يُقدَّمُ أَحدُهما على الآخَرِ، حتى لو هلَكَ شَيءٌ من التَّركةِ قبلَ القِسمةِ يَهلِكُ على المُوصَى له والوَرثةِ جَميعًا، ولا يُعطَى المُوصَى له كلَّ الثُّلثِ من الباقي، بل الهالِكُ يَهلِكُ على الحَقَّينِ والباقي يَبقَى على الحَقَّينِ، كما إذا هلَكَ شَيءٌ من المَواريثِ بعدَ الوَصايا بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه إذا هلَكَ بعضُ التَّركةِ وبَقيَ بعضٌ يُستَوفَى كلُّ الدَّينِ من الباقي، وإنَّما مَعناه أنَّه يُحسَبُ قَدرُ الوَصيةِ من جُملةِ التَّركةِ أولًا لتَظهرَ سِهامُ الوَرثةِ كما تُحسَبُ سِهامُ أَصحابِ الفَرائضِ أولًا ليَظهرَ الفاضِلُ للعَصبةِ، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مَعنى قَولِه تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أي: سِوى ما لَكم أنْ

تُوصُوه من الثُّلثِ أَوصاكم اللهُ بكذا، وتَكونُ «بَعدِ» بمَعنى «سِوى» واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قد ذكَرَ السُّهيليُّ أنَّ تَقديمَ الوَصيةِ في الذِّكرِ على الدَّينِ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما تَقعُ على سَبيلِ البِرِّ والصِّلةِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه إنَّما يَقعُ غالِبًا بعدَ المَيتِ بنَوعِ تَفريطٍ، فوقَعَت البَداءةُ بالوَصيةِ لكَونِها أفضَلَ.

وقالَ غيرُه: قُدِّمت الوَصيةُ لأنَّها شَيءٌ يُؤخذُ بغيرِ عِوضٍ والدَّينُ يُؤخذُ بعِوضٍ، فكانَ إِخراجُ الوَصيةِ أشَقَّ على الوارِثِ من إِخراجِ الدَّينِ، وكانَ أَداؤُها مَظِنةَ التَّفريطِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّ الوارِثَ مُطمئِنٌّ بإِخراجِه، فقُدِّمت الوَصيةُ لذلك.

وأيضًا: فهي حَظُّ فَقيرٍ ومِسكينٍ غالِبًا، والدَّينُ حَظُّ غَريمٍ يَطلبُه بقُوةٍ وله مَقالٌ، كما صَحَّ «أنَّ لصاحِبِ الدَّينِ مَقالًا».

وأيضًا: فالوَصيةُ يُنشئُها المُوصي من قِبَلِ نَفسِه فقُدِّمت تَحريضًا على العَملِ بها، بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه ثابِتٌ بنَفسِه مَطلوبٌ أَداؤُه سَواءٌ ذُكرَ أو لم يُذكَرْ.

وأيضًا: فالوَصيةُ مُمكِنةٌ من كلِّ أحدٍ، ولا سيَّما عندَ مَنْ يَقولُ بوُجوبِها؛ فإنَّه يَقولُ بلُزومِها لكلِّ أحدٍ، فيَشتَركُ فيها جَميعُ المُخاطَبينَ؛ لأنَّها تَقعُ

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٩٢ - مسألة؛ قال: (وإذا أوصى بوصايا فيها عتاقة، فلم يف الثلث بالكل، تحاصوا في الثلث، وأدخل

ومَسْروقٌ، وعَطاءٌ الخُرَاسانىُّ ، وقَتادةُ، والزُّهْرىُّ، ومالِكٌ، والثَّورىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ فيه حَقًّا للهِ تَعالى، وحقًّا لآدمىٍّ، فكانَ آكَدَ، ولأنَّه لا يَلْحَقُه فَسْخٌ، ويَلْحَقُ غيرَه ذلك، ولأنَّه أقْوَى بدَليلِ سِرايتِه ونُفوذِه مِن الرَّاهِنِ والمُفْلِسِ. ورُوِىَ عن الحسنِ، والشَّافِعىِّ كالرِّوايتيْنِ.

فصل: والعَطايا المعلَّقةُ بالموتِ، كقَولِه: إذا مِتُّ فَأعْطُوا فُلانًا كذا. أو أَعْتِقُوا فُلانًا. ونحوَه، وصَايَا حُكْمُها حُكْمُ غَيرِها مِن الوَصايا في التَّسْويةِ بينَ مُقدَّمِها ومُؤخَّرِها. والخِلافِ في تَقْديمِ. العِتْقِ منها، بخلافِ العَطايا المُنجَزَةِ، فإنَّه يُقدَّمُ الأوَّلُ منها فالأوَّلُ؛ لأنَّها تَلْزمُ بالفِعلِ، والمْؤَخَّرةُ تَلْزمُ بالموتِ، فتَتَساوَى كلُّها.

فصل: وإذا أوْصَى بعِتْقِ عَبدِه، لَزمَ الوارِثَ إعْتاقُه. فإنْ أبَى أجْبرَه الحاكمُ عليه؛ لأنَّه حقٌّ واجِبٌ عليه، فأُجْبِرَ عليه، كتَنْفيذِ الوَصِيَّةِ بالعَطِيَّةِ، فإن أعتقَه الوارثُ أو الحاكمُ، فهو حُرٌّ من حينَ أعْتقَه؛ لأنَّه حينَئذٍ عَتَقَ، ووَلاؤُه للمُوصِى؛ لأنَّه السَّبَبُ، وهؤلاءِ نُوَّابٌ عنه، ولهذا لزِمَهم إعْتاقُه كُرْهًا. وإن كانَتِ الوَصيةُ بعِتْقِه إلى غيرِ الوارِثِ، كان الإِعْتاقُ إليه؛ لأنَّه نائبُ المُوصِى في إعْتَاقِه، فلم يَمْلِكْ ذلك غيرُه إذا لم يَمْتَنِعْ منه، كالوَكيلِ في الحياةِ.

٩٩٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَوْصَى بِفَرَسٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَأَلْفِ دِرْهَمٍ تُنْفَقُ عَلَيْهِ، فَمَاتَ الْفَرَسُ، كَانَتِ الْأَلْفُ لِلْوَرَثةِ. وإِنْ أُنْفِقَ بَعْضُها، رُدَّ البَاقِى إِلَى الوَرَثةِ)

إنَّما كانَ كذلك؛ لأنَّه عيَّنَ للوَصِيَّةِ جِهةً، فإذا فاتَتْ، عادَ المُوصَى له إلى الوَرَثةِ،

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 307 - 311

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.9 / 29.5
الإضاءة 45%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل