وصية الهازل والمخطئ

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > وصية الهازل والمخطئ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

وصية الهازل والمخطئ - الأقوال والأدلة

لأنَّها تَبرعٌ فلا تَصحُّ من ضِدِّهما، والمُرادُ: مُختارًا، فلا تَصحُّ من المُكرهِ (١).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: تَصحُّ وَصيةُ كلِّ مُكلَّفٍ حُرٍّ مُختارٍ بالإِجماعِ؛ لأنَّها تَبرعٌ (٢).

٦ - وَصيةُ الهازِلِ والمُخطئِ:

نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّه يُشتَرطُ في الوَصيِّ ألَّا يَكونَ هازِلًا، قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ومنها رِضا المُوصي؛ لأنَّها إِيجابُ مِلكٍ أو ما يَتعلَّقُ بالمِلكِ فلا بُدَّ فيه من الرِّضا كإِيجابِ المِلكِ بسائِرِ الأَشياءِ، فلا تَصحُّ وَصيةُ الهازِلِ والمُكرهِ والخاطِئِ؛ لأنَّ هذه العَوارضَ تُفوِّتُ الرِّضا (٣).

٧ - ألاَّ يَكونَ مُرتدًّا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَصيةِ المُرتدِّ، هل تَصحُّ مُطلَقًا أو لا تَصحُّ مُطلَقًا أو تَكونُ مَوقوفةً فإنْ عادَ إلى الإِسلامِ صَحَّت وإلا بطَلَت؟

فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ وَصيةَ المُرتدِّ لا تَصحُّ ولا تَنفُذُ وإنْ تقدَّمَت رِدَّته الوَصيةَ؛ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما تُعتبَرُ زَمنَ التَّمليكِ وهو زَمنُ المَوتِ.

قالَ القَرافِيُّ: قاعِدةٌ: تَنفيذُ تَصريفاتِ المُكلَّفينَ إنَّما هو وَسيلةٌ لبَقاءِ نُفوسِهم؛ فإنَّ بَقاءَ العَينِ مع تَعذُّرِ كلِّ المَقاصدِ مُحالٌ، والمُرتدُّ أسقَطَ

(١) «النجم الوهاج» (٦/ ٢١٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١١٤).
(٣) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٥).

الشَّرعُ حُرمةَ نَفسِه ودَمِه فتَصرُّفاتُه بطَريقِ الأوْلى، قاعِدةٌ تُعرفُ عندَ الأُصوليِّينَ بجَمعِ الفِرقِ، وهو أنْ يَقتضيَ المَعنى الواحِدُ حُكمَينِ مُتناقِضَينِ كالسَّفهِ يُوجبُ رَدَّ تَصرفاتِ السَّفيهِ والصَّبيِّ صَونًا لمالِهما على مَصالِحِهما، وتَنفُذُ وَصيتُهما صَونًا لمالِهما على مَصالحِهما؛ لأنَّ الوَصيةَ تُثمرُ خَيرًا لهما في الدارِ الآخِرةِ، ولو رُدَّت لأخَذَ المالَ الوارِثُ، فصَونُ المالِ على المَصالحِ اقتَضى تَنفيذَ التَّصرفِ ورَدَّه، وهُما حُكمانِ مُتناقِضانِ (١).

وذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ وَصيةَ المُرتدِّ مَوقوفةٌ، فإنْ عادَ إلى الإِسلامِ صَحَّت وإنْ ماتَ أو قُتِل كافِرًا أو لحِقَ بدارِ الحَربِ عندَ أَبي حَنيفةَ بطَلَت وَصيتُه؛ لأنَّ مِلكَه مَوقوفٌ على الأصَحِّ (٢).

وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى صِحةِ وَصيةِ المُرتدِّ وأنَّها نافِذةٌ، فلا تَبطلُ سَواءٌ عادَ إلى الإِسلامِ أو ماتَ على الكُفرِ والرِّدةِ (٣).

(١) «الذخيرة» (٧/ ١٠، ١١)، و «جامع الأمهات» ص (٥٤١)، و «الإنصاف» (٧/ ١٨٤).
(٢) «الهداية» (٤/ ٢٥٧)، و «العناية» (١٦/ ٢٠٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ٥١٩)، و «رد المحتار على الدر المختار» (٦/ ٦٩٨)، و «درر الحكام» (٩/ ١٢٩)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٤٥٣)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢١٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥).
(٣) «الهداية» (٤/ ٢٥٧)، و «العناية» (١٦/ ٢٠٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ٥١٩)، و «رد المحتار على الدر المختار» (٦/ ٦٩٨)، و «درر الحكام» (٩/ ١٢٩)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٤٥٣)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥)، و «الإنصاف» (٧/ ١٨٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٦).

وهذا الخِلافُ عندَ الحَنفيةِ بينَ الصاحِبَينِ وأبي حَنيفةَ في المُرتدِّ، أمَّا المُرتدةُ فتَصحُّ وَصيتُها بالإِجماعِ عندَهم؛ لأنَّها لا تُقتلُ.

قالَ الإِمامُ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: قالَ في «الهِداية» في المُرتدةِ: الأصَحُّ أنَّه تَصحُّ وَصاياها؛ لأنَّها تَبقى على الرِّدةِ بخِلافِ المُرتدِّ؛ لأنَّه يُقتلُ أو يُسلِمُ، فجعَلَها كالذِّميةِ.

وقالَ السُّغناقيُّ في «النِّهاية»: وذكَرَ صاحِبُ الكِتابِ في الزِّياداتِ على خِلافِ هذا.

وقالَ بعضُهم: لا تَكونُ بمَنزلةِ الذِّميةِ، وهو الصَّحيحُ، لا تَصحُّ منها وَصيةٌ، والفَرقُ بينَها وبينَ الذِّميةِ أنَّ الذِّميةَ تُقَرُّ على اعتِقادِها، وأمَّا المُرتدةُ فلا تُقَرُّ على اعتِقادِها.

قالَ الراجي عَفوَ رَبِّه: الأشبَهُ أنْ تَكونَ كالذِّميةِ فتَجوزُ وَصيتُها؛ لأنَّها لا تُقتلُ، ولهذا يَجوزُ جَميعُ تَصرفاتِها فكذا الوَصيةُ …

وذكَرَ العَتَّابيُّ في الزِّياداتِ أنَّ مَنْ ارتَدَّ عن الإِسلامِ إلى النَّصرانيةِ أو اليَهوديةِ أو المَجوسيةِ فحُكمُ وَصاياه حُكمُ من انتقَلَ إليهم، فما صَحَّ منهم صَحَّ منه، وهذا عندَهما، وأمَّا عندَ أَبي حَنيفةَ رضي الله عنه فوَصيتُه مَوقوفةٌ ووَصايا المُرتدةِ نافِذةٌ بالإِجماعِ؛ لأنَّها لا تُقتلُ عندَنا.

وقالَ قاضي خان: المُرتدةُ: الصَّحيحُ أنَّها كالذِّميةِ فيَجوزُ منها ما جازَ من الذِّميةِ وما لا فلا (١).

(١) «تبين الحقائق» (٦/ ٢٠٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في شرائط ركن الوصية

حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ ﷾ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 161 - 163

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله