الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > الأمر الثاني: إذا طرأ الفسق على الموصى إليه هل ينعزل أو يضم إليه أمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوأَمينٌ عاجِزٌ فالقاضي يَضمُّ إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببَعضِ المَقصودِ لعَجزِه، فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ.
وفاسِقٌ أو كافِرٌ أو عَبدٌ فيَجبُ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، وهؤلاء ليسوا كذلك، أمَّا الفاسِقُ فلاتِّهامِه بالخِيانةِ، وأمَّا الكافِرُ فللعَداوةِ الدِّينيةِ الباعِثةِ له على تَركِ النَّظرِ للمُسلمِ، وأمَّا العَبدُ فلتَوقُّفِ تَصرُّفِه على إِجازةِ مَولاه وتَمكُّنِه من حَجرِه بعدَ ذلك، فيُخرجُهم القاضي ويُقيمُ مَنْ يَقومُ بمَصالحِ المَيتِ؛ لأنَّ القاضيَ نُصِّبَ ناظِرًا للمُسلِمينَ، ألَا يُرى أنَّه لو لم يُوصَ إلى أحدٍ فللقاضي أنْ يُقيمَ وَصيًّا؟ كذا هذا (١).
وقالَ القَرافِيُّ: قالَ ابنُ حَبيبٍ: تَصحُّ الوَصيةُ للفاسِقِ ويُزيلُها الحاكِمُ منه، فلو كانَ عَدلًا؛ لأنفَذَ تَصرُّفَه (٢).
الأمرُ الثاني: إذا طرَأَ الفِسقُ على المُوصَى إليه هل يَنعزِلُ أو يُضمُّ إليه أَمينٌ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى إليه إذا طرَأَ عليه الفِسقُ وجَبَ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه مَقامَه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا
(١) «الاختيار» (٥/ ٨٢، ٨٣).
(٢) «الذخيرة» (٧/ ١٥٩).
على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، والفاسِقُ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ والأَمانةِ ولأنَّ العَدالةَ وازِعٌ عن الفَسادِ فعَدمُها يُبطلُ الوِلايةَ، وعليه فلا تُقرُّ في يَدِه؛ لأنَّه قد تعلَّقَ بالوَصيةِ إليه حُقوقُ المُوصَى لهم، فإذا لم يَكنْ مَأمونًا لم يُؤمَنْ منه إِتلافُها، فلم يَجُزْ وِلايتُه.
قالَ المالِكيةُ: وطُروءُ الفِسقِ على الوَصيِّ يَعزِلُه؛ إذْ تُشتَرطُ عَدالتُه ابتِداءً ودَوامًا، ومِثلُ طُروءِ الفِسقِ طُروءُ العَداوةِ، فيَنعزِلُ الوَصيُّ إذا عادَى المَحجورَ؛ إذْ لا يُؤمَنُ عَدوٌّ على عَدوِّه في شَيءٍ من أَحوالِه، إلا أنَّ تَصرُّفَه بعدَ الفِسقِ وقبلَ العَزلِ نافِذٌ وماضٍ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَنعزلُ الوَصيُّ وقَيِّمُ الحاكِمِ وكذا الأَبُ والجَدُّ والأُمُّ بالفِسقِ بتَعدٍّ في المالِ أو بسَببٍ آخَرَ بعدَ مَوتِ المُوصي، وإنْ لم يَعزِلْه الحاكِمُ لزَوالِ أهليَّتِه، لكنْ تَعودُ وِلايةُ الأَبِ والجَدِّ وكذا الحاضِنةُ والأُمُّ إنْ كانَت وَصيةً بعَودِ العَدالةِ؛ لأنَّ وِلايتَهم شَرعيةٌ، ولكَمالِ شَفقتِهم بخِلافِ الوَصيِّ وقَيِّمِ القاضي لا تَعودُ وِلايتُه بعَودِ العَدالةِ، وكذا لو جُنَّ أو أُغميَ عليه لا تَعودُ وِلايتُه بالإِفاقةِ.
وكذا يَنعزلُ القاضي في الأصَحِّ لزَوالِ أهليَّتِه، والثاني: لا يَنعزِلُ كالإِمامِ الأعظَمِ، إلا أنْ يَعزلَه الإِمامُ (٢).
(١) «تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٤).
(٢) «كنز الراغبين» (٣/ ٤٣٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٧٨)، و «الديباج» (٣/ ١٠٠).
وذهَبَ الإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ والمَخزوميُّ من المالِكيةِ إلى أنَّه لا يَنعزِلُ، لكنْ يُضمُّ معه أَمينٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وعن أَحمدَ ما يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كانَ مُتهَمًا لم تَخرُجْ من يَدِه، وقالَ الخِرقيُّ: إذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا ضُمَّ إليه أَمينٌ، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه ويَضمُّ الحاكِمُ إليه أَمينًا … ووَجهُ الأُولى أنَّه لا يَجوزُ إِفرادُه بالوَصيةِ فلم تَجُزِ الوَصيةُ إليه كالمَجنونِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ أيضًا: قالَ الخِرقيُّ: (وإذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا جُعلَ معه أَمينٌ)، ظاهِرُ هذا صِحةُ الوَصيةِ إلى الفاسِقِ ويُضمُّ إليه أَمينٌ.
وكذلك إنْ كانَ عَدلًا فتَغيَّرت حالُه إلى الخِيانةِ لم يَخرُجْ منها، ويُضمُّ إليه أَمينٌ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عن أَحمدَ نَحوَ ذلك، قالَ: إذا كانَ الوَصيُّ مُتهَمًا لم يَخرُجْ من يَدِه.
ونقَلَ المَرُّوذيُّ عن أَحمدَ فيمَن أَوصَى لرَجلَينِ ليسَ أَحدُهما بمَوضعٍ للوَصيةِ فقالَ للآخَرِ: «أَعطِني»، لا يُعطيه شَيئًا، ليسَ هذا بمَوضِعٍ للوَصيةِ، فقيلَ له: أليسَ المَريضُ قد رَضيَ به؟ فقالَ: وإنْ رَضيَ به فظاهِرُ هذا إِبطالُ
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٧٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٤).
(٢) «المغني» (٦/ ١٤٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٧٨)، و «المبدع» (٦/ ١٠١)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٨٨)، وينظر المَصادِر السَّابقَة.
الوَصيةِ إليه. وحمَلَ القاضي كَلامَ الخِرقيِّ وكَلامَ أَحمدَ في إِبقائِه في الوَصيةِ على أنَّ خيانَتَه طَرأَت بعدَ المَوتِ، فأمَّا إنْ كانَت خيانَتُه مَوجودةً حالَ الوَصيةِ إليه لم تَصحَّ؛ لأنَّه لا يَجوزُ تَوليةُ الخائِنِ على يَتيمٍ في حَياتِه فكذلك بعدَ مَوتِه، ولأنَّ الوَصيةَ وِلايةٌ وأَمانةٌ، والفاسِقُ ليسَ من أَهلِهما.
فعلى هذا إذا كانَ الوَصيُّ فاسِقًا فحُكمُه حُكمُ مَنْ لا وَصيَّ له، ويَنظرُ في مالِه الحاكِمُ، وإنْ طرَأَ فِسقُه بعدَ الوَصيةِ زالَت وِلايتُه وأقامَ الحاكِمُ مَقامَه أَمينًا، هذا اختيارُ القاضي وهو قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وإِسحاقَ، وعلى قَولِ الخِرقيِّ لا تَزولُ وِلايتُه ويُضمُّ إليه أَمينٌ يَنظرُ معه، ورُويَ ذلك عن الحَسنِ وابنِ سِيرينَ؛ لأنَّه أمكَنَ حِفظُ المالِ بالأَمينِ، وبتَحصيلِ نَظرِ الوَصيِّ بإِبقائِه في الوَصيةِ، فيَكونُ جَمعًا بينَ الحَقَّينِ، وإنْ لم يُمكِنْ حِفظُ المالِ بالأَمينِ تعيَّنَ إِزالةُ يَدِ الفاسِقِ الخائِنِ وقَطعُ تَصرفِه؛ لأنَّ حِفظَ المالِ على اليَتيمِ أَولى من رِعايةِ قَولِ المُوصي الفاسِدِ.
وأمَّا التَّفريقُ بينَ الفِسقِ الطارِئِ وبينَ المُقارِنِ فبَعيدٌ؛ فإنَّ الشُّروطَ تُعتبَرُ في الدَّوامِ كاعتِبارِها في الابتِداءِ، سيَّما إذا كانَت لمَعنًى يُحتاجُ إليه في الدَّوامِ، ولو لم يَكنْ بُدٌّ من التَّفريقِ لكانَ اعتِبارُ العَدالةِ في الدَّوامِ أوْلى، من قِبَلِ أنَّ الفِسقَ إذا كانَ مَوجودًا حالَ الوَصيةِ فقد رَضيَ به المُوصي مع عِلمِه بحالِه، وأَوصَى إليه راضيًا بتَصرفِه مع فِسقِه، فيُشعرُ ذلك بأنَّه علِمَ أنَّ عندَه من الشَّفقةِ على اليَتيمِ ما يَمنعُه من التَّفريطِ فيه وخيانَتِه في مالِه، بخِلافِ ما إذا طرَأَ الفِسقُ؛ فإنَّه لم يَرضَ به على تلك الحالِ، والاعتِبارُ برِضاه، ألَا تَرى
أنَّه لو أَوصَى إلى واحِدٍ جازَ له التَّصرفُ وَحدَه ولو وَصَّى إلى اثنَين لم يَجُزْ للواحِدِ التَّصرفُ؟ (١)
وقالَ الزَّركَشيُّ: قالَ: وإذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا جُعلَ معه أَمينٌ.
ش: هذه إِحدَى الرِّواياتِ عن أَحمدَ رحمة الله عليه تَعالى؛ جَمعًا بينَ نَظرِ المُوصي وحِفظِ المالِ، (والثانيةُ) لا تَصحُّ الوَصيةُ إلى فاسِقٍ أَصلًا، وهي اختيارُ القاضي وعامَّةِ أَصحابِه الشَّريفِ وأَبي الخَطابِ في «خِلافَيهما» والشِّيرازيِّ وابنِ عَقيلٍ في «التَّذكرةِ» وابنِ البَنَّا؛ لأنَّه ليسَ بأهلٍ للشَّهادةِ، أشبَهَ المَجنونَ، (والرِّوايةُ الثالِثةُ) تَصحُّ الوَصيةُ إليه مُطلقًا ولا يَفتقِرُ إلى أَمينٍ، حَكاها أَبو الخَطابِ في «خِلافِه»؛ لأنَّه أهلٌ للائتِمانِ في الجُملةِ، بدَليلِ جَوازِ إِيداعِه، فلو طرَأَ فِسقُه بعدَ مَوتِ المُوصي فعندَ أَبي مُحمدٍ أنَّه على الرِّوايتَينِ في الوَصيةِ إليه ابتِداءً، ثم مُختارُ القاضي [أيضًا] وغيرِه البُطلانُ، وعندَ أَبي البَركاتِ أنَّه يُبدَلُ بأَمينٍ بلا نِزاعٍ؛ نَظرًا إلى أنَّ المُوصيَ في الابتِداءِ قد رَضيَه واختارَه، والظاهِرُ أنَّه إنَّما فعَلَ ذلك لمَعنًى رآه فيه، إمَّا لزِيادةِ حِفظِه أو إِحكامِ تَصرُّفِه ونَحوِ ذلك ممَّا يَربو على ما فيه من الخِيانةِ، بخِلافِ ما لو طرَأَ فِسقُه؛ فإنَّ حالَ المُوصي يَقتَضي أنَّه إنَّما رَضيَ بعَدلٍ ولا عَدلَ، وعَكسُ ذلك القاضي في رِوايَتَيه؛ فإنَّه حمَلَ رِوايةَ ضَمِّ الأَمينِ إليه على ما إذا طرَأَ الفِسقُ وقالَ: ولا يَختلِفُ المَذهبُ أنَّه لا يَصحُّ إليه ابتِداءً، فكأنَّه نظَرَ إلى الدَّوامِ يُغتفَرُ فيه ما لا يُغتفَرُ في الابتِداءِ (٢).
(١) «المغني» (٦/ ١٤٥).
(٢) «شرح الزركشي» (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا كان الوصى خائنا، جعل معه أمين)
أوْصَيْتُ إليك، فإذا كَبِرَ ابنى كان وَصِيِّى. صحَّ؛ لذلك ، فإذا كبرَ ابنُه صارَ وَصِيَّه. وعلى هذا لو قالَ: وَصَّيْتُ لك ، فإن تابَ ابنى عن فِسْقِه، أو قَدِمَ من غَيْبَتِه، أو صَحَّ مِن مَرَضِه، أو اشْتَغلَ بالعِلْمِ، أو صالَح أُمَّه، أو رَشدَ، فهو وَصيِّى. صحَّتِ الوَصيَّةُ إليه، ويَصِيرُ وَصِيًّا عندَ وُجودِ هذه الشُّروطِ.
٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ الوَصِىُّ خائِنًا، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ)
ظاهرُ هذا صحةُ الوَصِيَّةِ إلى الفاسقِ، ويُضمُّ إليه أمينٌ. وكذلك إن كان عَدْلًا فتغيَّرت حالُه إلى الْخِيانةِ لم يَخْرُجْ منها، ويُضَمُّ إليه أمِينٌ. ونقلَ ابنُ منصورٍ عن أحمدَ نحوَ ذلك. قال: إذا كانَ الوَصِيُّ متهمًا، لم يَخْرُجْ من يَدِه. ونقلَ المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، في مَن أوْصَى لرَجُلَيْن، ليس أحدُهما بمَوضِعٍ للوَصيَّةِ ، فقال للآخَرِ : أعْطِنى. لا يُعْطِيه شيئًا، ليس هذا بمَوْضِعٍ للوَصِيَّةِ. فقيلَ له: أليس المريضُ قد رَضىَ به؟ فقالَ: وإن رَضِىَ به. فظاهرُ هذا إبطالُ الوَصِيَّةِ إليه. وحمَلَ القاضي كلامَ الخِرَقِىِّ وكلامَ أحمدَ في إبْقائِه في الوَصِيَّةِ، على أنَّ خِيَانتَه طَرَأَتْ بعدَ الموتِ، فأمَّا إن كانتْ خِيانتُه مَوْجودةً حالَ الوَصِيَّةِ إليه، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَوْلِيَةُ الخائِنِ على يَتِيمٍ في حياتِه، فكذلك بعد مَوْتِه، ولأنَّ الوَصيَّةَ ولايةٌ وأمانةٌ، والفاسِقُ ليس من أهلِهما. فعلى هذا، إذا كانَ الوَصِىُّ فاسِقًا، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لا وَصِىَّ له، ويَنْظُرُ في مالِه الحاكمُ. وإن طرأَ فِسْقُه بعدَ الوَصِيَّةِ، زالتْ وِلايتُه، وأقامَ الحاكمُ مُقامَه أمِينًا. هذا اختيارُ القاضي. وهو قولُ الثوريِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وعلى قولِ الْخِرَقِىِّ:
ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.