مقدار الكسوة

الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين > مقدار الكسوة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

مقدار الكسوة - الأقوال والأدلة

قالوا: وفي أيِّ لُغةٍ لا يَصدُقُ لَفظُ الإِطعامِ إلا بالتَّمليكِ؟ ولمَّا قالَ أنَسٌ رضي الله عنه: «إنَّ النَّبيَّ أطعَمَ الصَّحابةَ في وَليمةِ زَينبَ خُبزًا ولَحمًا» كانَ قد اتَّخذَ طَعامًا ودَعاهم إليه على عادةِ الوَلائمِ، وكذلك قَولُه في وَليمةِ صَفيةَ: «أطعَمَهم حَيسًا»، وهذا أظهَرُ مِنْ أنْ نَذكُرَ شَواهِدَه، قالوا: وقد زادَ ذلك إيضاحًا وبَيانًا بقَولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَعلومٌ يَقينًا أنَّ الرَّجلَ إنَّما يُطعِمُ أهلَه الخُبزَ واللَّحمَ والمَرَقَ واللَّبَنَ ونَحوَ ذلك، فإذا أطعَمَ المَساكينَ مِنْ ذلك فقد أطعَمَهم مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه بلا شَكٍّ، ولهذا اتَّفقَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم في إِطعامِ الأهلِ على أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ كما تَقدَّمَ، واللهُ سُبحانَه جعَلَه أصلًا لطَعامِ الكَفارةِ، فدَلَّ بطَريقِ الأوْلَى على أنَّ طَعامَ الكَفارةِ غيرُ مُقدَّرٍ.

وأمَّا مَنْ قدَّرَ طَعامَ الأهلِ فإنَّما أخَذَ مِنْ تَقديرِ طَعامِ الكَفارةِ، فيُقالُ: هذا خِلافُ مُقتَضى النَّصِّ؛ فإنَّ اللهَ أطلَقَ طَعامَ الأهلِ وجعَلَه أصلًا لطَعامِ الكَفارةِ، فعُلِمَ أنَّ طَعامَ الكَفارةِ لا يُقدَّرُ كما لا يُقدَّرُ أصلُه، ولا يُعرَفُ عن صَحابيٍّ ألبَتَّةَ تَقديرُ طَعامِ الزَّوجةِ مع عُمومِ هذه الواقِعةِ في كلِّ وَقتٍ (١).

مِقدارُ الكِسوةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ الكِسوةِ التي تَجبُ عليه.

فقالَ الحَنفيةُ: الواجِبُ كِسوةُ عَشَرةِ مَساكينَ يُعطي لكُلِّ واحِدٍ ثَوبًا فما زادَ، وأدناه ما تَجوزُ فيه الصَّلاةُ، وهذا إذا كَسا رَجُلًا، أما إذا كَسا امرَأةً فلا بدَّ مِنْ أنْ يَزيدَها خِمارًا؛ لأنَّ رَأسَها عَورةٌ، ولا يَجوزُ لها الصَّلاةُ مع كَشفِه.

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٤٩٣، ٤٩٩).

ولو أَعطى عَشرةَ مَساكينَ ثَوبًا واحِدًا وهو يُساوي عَشرةَ أَثوابٍ لا يُجزئُه، فإنْ كانَت قيمَتُه مِثلَ إِطعامِ عَشَرةِ مَساكينَ أَجزَأه عن الإِطعامِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: لا يُجزئُ في الكِسوةِ إلا ما تَحِلُّ به الصَّلاةُ: للرَّجلِ ثَوبٌ يَستُرُ جَميعَ بَدَنِه إلى كَعبِه أو قَريبٍ منه لا إِزارٌ وعِمامةٌ، وللمَرأةِ دِرعٌ سابِغةٌ وخِمارٌ.

ولو كَساهم مِنْ غيرِ وَسَطِ كِسوةِ أهلِ مَحَلَّتِه فإنَّه كافٍ؛ لأنَّ المُرادَ منها السَّتْرُ لا الزِّينةُ.

والرَّضيعُ كالكَبيرِ فيُعطى ما يُعطى الكَبيرُ مِنْ الكِسوةِ ولا يَكفي ما يَستُرُه خاصةً، وقيلَ: الصَّغيرُ يُعتَبَرُ في نَفسِه فيُعطى ثَوبًا بقَدْرِه (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: إنْ أرادَ أنْ يُكفِّرَ بالكِسوةِ كَسا عَشرةَ مَساكينَ ما يَقعُ عليه اسمُ الكِسوةِ مِنْ قَميصٍ أو عِمامةٍ أو سَراويلَ أو رِداءٍ أو إزارٍ أو مِقنَعةٍ- وهو لِباسٌ للمَرأةِ تَستَتِرُ به، والقِناعُ ما تُغَطِّي به المَرأةُ رَأسَها- أو خِمارٍ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالكِسوةِ مُطلَقةً وليسَ له عُرفٌ يُحمَلُ عليه فوجَبَ حَملُه على ما يَقَعُ عليه اسمُ الكِسوةِ واسمُ الكِسوةِ يَقَعُ على العِمامةِ والمِقنَعةِ والخِمارِ والسَّراويلِ فأجزَأه كالقَميصِ.

(١) «الاختيار» (٤/ ٥٨)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٤، ٢٥).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ١٩٢).

ولا يُجزِئُ خُفٌّ وقُفازَانِ ومُكَعَّبٌ، وهو المَداسُ، ونَعلٌ ومِنطَقةٌ -بكَسرِ الميمِ-، وقَلَنسوةٌ، وهي بفَتحِ القافِ واللَّامِ، ما يُغَطَّى به الرأسُ، ونَحوُ ذلك مِمَّا لا يُسَمَّى كِسوةً كدِرعٍ مِنْ حَديدٍ، ويُجزِئُ فَروٌ ولُبَّدٌ اعتِيدَ في البَلدِ لُبسُهما، ولا يُجزِئُ التَّبانُ وهو سِروالٌ قَصيرٌ لا يَبلغُ الرُّكبةَ، ولا الخاتَمُ، والتِّكةُ، والعِرقيةُ.

ولا يُشتَرطُ صَلاحيَتُه للمَدفوعِ إليه، فيَجوزُ سَراويلُ صَغيرٍ لكَبيرٍ لا يَصلُحُ له، ويَجوزُ قُطنٌ وكَتَّانٌ وحَريرٌ وشَعرٌ وصُوفٌ مَنسوجٌ كُلٌّ منها لامرَأةٍ ورَجلٍ؛ لوُقوعِ اسمِ الكِسوةِ على ذلك، ولَبيسٍ لم تَذهَبْ قُوَّتُه، فإنْ ذهَبَت بحَيثُ صارَ مُسحَقًا لم يَجُزْ، ولا بُدَّ مع بَقاءِ قُوَّتِه مِنْ كَونِه غيرَ مُتخرَّقٍ ولا يُجزِئُ جَديدٌ مُهَلهَلُ النَّسجِ إذا كانَ لُبسُه لا يَدومُ إلا بقَدْرِ ما يَدومُ لُبسُ الثَّوبِ البالي لضَعفِ النَّفعِ به، ولا يَجوزُ نَجِسُ العَينِ مِنْ الثِّيابِ، ويُجزِئُ المُتنجِّسُ، وعليه أنْ يُعلِمَهم بنَجاسَتِه، ويَجوزُ ما غُسِلَ ما لم يَخرُجْ عن الصَّلاحيةِ كالطَّعامِ العَتيقِ، لانطِلاقِ الكِسوةِ عليه.

وكَونُه يُرَدُّ في البَيعِ لا يُؤثِّرُ في مَقصودِها كالعَيبِ الذي لا يَضُرُّ بالعَمَلِ في الرَّقيقِ، ويُندَبُ أنْ يَكونَ الثَّوبُ جَديدًا خامًا كانَ أو مَقصورًا لآيةِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ولو أَعطى عَشرةً ثَوبًا طَويلًا لم يُجزِه، بخِلافِ ما لو قطَّعَه قِطعًا ثم دفَعَه إليهم (١).

(١) «البيان» (١٠/ ٥٨٩، ٥٩٠)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٣١، ٣٢)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣١١، ٣١٢)، و «الديباج» (٤/ ٣٨٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على اللبس والكسوة

وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصَ جِنْسِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ قَالَ.

وَلَوْ قَالَ لَا أَشْتَرِي جَارِيَةً وَنَوَى مُوَلَّدَةً فَإِنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصِ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصُ صِفَةٍ فَأَشْبَهَ الْكُوفِيَّةَ وَالْبَصْرِيَّةَ.

وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ الطَّعَامَ أَوْ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَيَمِينُهُ عَلَى بَعْضِ الْجِنْسِ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ صُدِّقَ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ.

وَأَمَّا الْحَلِفُ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ وَمَعْرِفَةِ وَقْتِهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ أَكْلِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الشِّبَعُ عَادَةً فَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْعَادَةُ فِي كُلِّ بَلَدٍ فَمَا كَانَ غَدَاءً عِنْدَهُمْ حُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالُوا فِي أَهْلِ الْحَضَرِ إذَا حَلَفُوا عَلَى تَرْكِ الْغَدَاءِ فَشَرِبُوا اللَّبَنَ لَمْ يَحْنَثُوا لِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ ذَلِكَ لِلشِّبَعِ عَادَةً وَلَوْ حَلَفَ الْبَدَوِيُّ فَشَرِبَ اللَّبَنَ حَنِثَ لِأَنَّ ذَلِكَ غَدَاءٌ فِي الْبَادِيَةِ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَأَكَلَ غَيْرَ الْخُبْزِ مِنْ أَرُزٍّ أَوْ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى شَبِعَ لَمْ يَحْنَثْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَدَاءً وَكَذَلِكَ إذَا أَكَلَ لَحْمًا بِغَيْرِ خُبْزٍ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.

كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ قَالَ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب ما يجزئ من الكسوة في الكفارة

بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْكِسْوَةِ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كسوةٍ مِنْ عمامةٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ إزارٍ أو مقنعةٍ وغير ذلك لرجلٍ أو امرأةٍ أو صبيٍّ ولو استدل بما يجوز فيه الصلاة من الكسوة على كسوة المساكين لجاز أن يستدل بما يكفيه في الشتاء والصيف أو في السفر من الكسوة وقد أطلقه الله فهو مطلقٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُكَفِّرَ عَنِ الْيَمِينِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ أَوْ كِسْوَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْإِطْعَامِ فَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَلَيْسَ لَهَا أَقَلُّ تُعْتَبَرُ بِهِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَرِدَاءٍ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ ثَوْبَيْنِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا كِسْوَةُ ثَوْبٍ جَامِعٍ كَالْمِلْحَفَةِ وَالْكِسَاءِ.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنَ الْكِسْوَةِ إِلَّا مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ إِنْ كَانَ لِرَجُلٍ، فَمَا يَسْتُرُ بِهِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَمَا تَسْتُرُ بِهِ جَمِيعَ بَدَنِهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 607 - 609

ارجع إلى كفارة اليمين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله