أما إذا أرادوا أن ينقلوه من بلد إلى آخر قبل الدفن

الإسلام > الجنائز > دفن الميت > أما إذا أرادوا أن ينقلوه من بلد إلى آخر قبل الدفن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

أما إذا أرادوا أن ينقلوه من بلد إلى آخر قبل الدفن - الأقوال والأدلة

رحمة الله عليه: اتَّفقت كَلِمةُ المَشايخِ في امرأةٍ دُفِن ابنُها وهي غائِبةٌ في غيرِ بَلدِها فلَم تَصبِرْ وأرادت نَقلَه، أنَّه لا يَسعُها ذلك، فتَجويزُ بعضِ المُتأخِّرينَ لا يُلتَفَت إليه.

وأمَّا نَقلُ يَعقوبَ ويُوسفَ عليهما السلام مِنْ مِصرَ إلى الشامِ لِيَكونا مع آبائهما الكِرامِ فهو شَرعُ مَنْ قبلَنا ولَم يَتوافرْ فيه شُروطُ كَونِه شَرعًا لنا (١).

أمَّا إذا أرادوا أنْ يَنقُلوه مِنْ بَلدٍ إلى آخَرَ قبلَ الدَّفنِ:

فذهَبَ بعضُ الحَنفيةِ إلى جَوازِه مُطلَقًا، سَواءٌ بَعُدتِ المَسافةُ أو قَصُرَت، وقالَ بعضُهم: إلى ما دونَ مَسافةِ السَّفرِ.

وقالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: يُكرَهُ إلا أنْ يَكونَ قَدرَ مِيلٍ أو مِيلَينِ؛ لأنَّ مَقابِرَ البَلدِ ربَّما بلَغَت هذه المَسافةَ فيُكرهُ فيما زادَ (٢).

أمَّا مَذهبُ الشافِعيةِ فيما إذا نُقلَ قبلَ الدَّفنِ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَحرُمُ، كما جزَمَ به النَّوويُّ، حيثُ قالَ رحمة الله عليه: نَقلُ الميِّتِ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ قبلَ دَفنِه، قالَ صاحِبُ الحاوي: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «لا أُحِبُّه إلا أنْ يَكونَ بقُربِ مَكةَ أو المَدينةِ، أو بيتِ المَقدِسِ، فيَختارَ أنْ يُنقَلَ إليها لفَضلِ الدَّفنِ فيها».

(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ١٤١)، و «ابن عابدين» (٢/ ٢٣٩)، (٦/ ٤٢٨)، و «دور الحكام» (٢/ ٢٨٥)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢١٠)، و «مرقاة المفاتيح» (٤/ ١٦١)، و «عمدة القاري» (١/ ١٦٣)، و «مغني المحتاج» (١/ ٣٦٥)، و «المجموع» (٤٢٣).
(٢) «ابن عابدين» (٦/ ٤٢٨).

وقالَ البَغويُّ والشَّيخُ أبو نَصرٍ البَندَنيجيُّ مِنْ العِراقيِّين: يُكرهُ نَقلُه.

وقالَ القاضِي حُسينٌ والدارِميُّ والمُتولِّي: يَحرُمُ نَقلُه، قالَ القاضِي حُسينٌ والمُتولِّي: ولو أَوصى بنَقلِه لَم تُنفَّذْ وَصيَّتُه، وهذا هو الأصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرعَ أمَرَ بتَعجيلِ دَفنِه، وفي نَقلِه تأخيرُه، وفيه أيضًا انتِهاكُه مِنْ وُجوهٍ، وتَعرُّضُه للتَّغيُّرِ ولغيرِ ذلك، وقد صَحَّ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «كُنَّا حمَلنا القَتلَى يَومَ أُحدٍ لنَدفِنَهُم، فجاءَ مُنادِي النَّبيِّ فقالَ: إِنَّ رَسولَ اللَّهِ يَأمرُكُم أنْ تَدْفِنوا القَتلَى في مَضاجعِهم، فرَدَدناهُم» (١) رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ والنِّسائيُّ بأَسانيدَ صَحيحةٍ، قالَ التِّرمذيُّ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ. اه (٢).

أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه منهم: ولا بأسَ بتَحويلِ الميِّتِ ونَقلِه إلى مَكانٍ آخَرَ بَعيدًا لِغَرضٍ صَحيحٍ، كبُقعةٍ شَريفةٍ، ومُجاورةِ صالِحٍ مع أمنِ التَّغيُّرِ؛ لِما في مُوطَّأِ مالِكٍ: أنَّه سمِع غيرَ واحِدٍ يَقولُ: «إنَّ سَعدَ بنَ أَبي وقَّاصٍ وسَعيدَ بنَ زَيدٍ مَاتا بالعَقيقِ فحُمِلا إلَى المَدينَةِ وَدُفِنا بها» (٣).

وقالَ سُفيانُ بنُ عُيَنيةَ: «ماتَ ابنُ عُمرَ ههنا، وأوصَى ألَّا يُدفَنَ ههنا،

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (٣١٦٥)، والترمذي (١٧٧)، والنسائي (٤/ ٧٩)، وابن ماجه (١٥١٦)، وغيرهم.
(٢) «المجموع» (٦/ ٤٢٢، ٤٢٣)، وانظر: «مغني المحتاج» (١/ ٣٦٦)، و «طرح التثريب» (٣/ ٢٧٩)، و «أسنى المطالب» (١/ ٣٢٤)، و «فتح الباري» (٣/ ٢٠٧، ٥/ ٣٦٨)، و «عمدة القاري» (٨/ ٥٦، ١٦٣)، و «الأوسط» (٥/ ٤٦٤)، و «شرح السنة» (٥/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» كتاب الجنائز (١/ ٢٣٢) الحديث (٣١).

وأنْ يُدفَنَ بسَرِفَ»، ذكَرَه ابنُ المنذِرِ.

إلا الشَّهيدَ إذا دُفنَ بمَصرَعِه، فلا يُنقَلُ منه، ودَفنُه به سُنةٌ حتى ولو نُقلَ مِنْ مَصرعِه رُدَّ إليه، قالَ أحمدُ: أمَّا القَتلى فعلى حَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «ادْفِنُوا القَتلَى في مَصارعِهم».

ويَجوزُ نَبشُه، أي: الميِّتِ، لغَرضٍ صَحيحٍ، كتَحسينِ كفَنِه؛ لحَديثِ جابِرٍ: «أتى النَّبيُّ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبي بعدَما دُفنَ، فأَخْرجَه فنَفَث فيه مِنْ رِيقِه، وأَلبَسَه قَميصَه» أخرَجَه الشَّيخانِ، ويَجوزُ نَقلُه لبُقعةٍ خَيرٍ مِنْ بُقعَتِه لنَبشِه، لِإفرادِه عمَّن دُفنَ معه؛ لقَولِ جابِرٍ: «دُفنَ مع أَبي رَجلٌ فلَم تَطبْ نَفسِي حتى أَخرَجْتُه فجعَلْتُه في قَبْرٍ على حِدَةٍ» وفي رِوايةٍ: «كانَ أَبي أوَّلَ قَتيلٍ -يَعني يَومَ أُحدٍ- ودُفنَ معه آخَرُ في قَبْرٍ، ثُم لَم تَطبْ نَفسِي أَنْ أَترُكَه مع الآخَرِ فَاستَخرَجتُه بعدَ سِتةِ أَشهُرٍ فإذا هو كيَومِ وَضَعتُه هُنيَّةً غيرَ أُذنِه» رَواهُما البُخاريُّ (١).

أمَّا المالِكيةُ فيَجوزُ عندَهم نَقلُ الميِّتِ قبلَ الدَّفنِ وكذا بعدَه مِنْ مَكانٍ إلى آخَرَ بشُروطٍ، هي:

- ألَّا يَنفجِرَ حالَ نَقلِه.

- ألَّا تُنتَهَك حُرمتُه.

- أنْ يَكونَ لِمَصلَحةٍ: كانَ يُخافَ عليه أنْ يَأكلَه البَحرُ، أو تُرجى

(١) «كشاف القناع» (٢/ ١٦٥، ١٦٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب هل يسن القيام عند ورود الجنازة للصلاة وفي كيفية الصلاة والدفن

باب هل يسن القيام عند ورود الجنازة للصلاة وفي كيفية الصلاة والدفن

(قال) حدثنا إبراهيم قال حدثنا الربيع عن الشافعي قال: القيام في الجنائز منسوخ واحتج بحديث علي رضي الله عنه قال إبراهيم قال حدثنا يوسف بن مسلم المصيصي قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن قيس بن مسعود بن الحكم عن أبيه أنه شهد جنازة مع علي بن أبي طالب فرأى الناس قياماً ينتظرون أين توضع فأشار إليهم بدرةٍ أو سوطاً اجلسوا فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد جلس بعد ما كان يقوم قال ابن جريج وأخبرني نافع بن جبير عن مسعود عن علي مثله.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب أحكام الميت
الباب السادس في الدفن

الْبَابُ السَّادِسُ فِي الدَّفْنِ

ِ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الدَّفْنِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} المرسلات: ٢٥ {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} المرسلات: ٢٦ ) ، وَقَوْلُهُ {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} المائدة: ٣١

وَكَرِهَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَجْصِيصَ الْقُبُورِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَكَذَلِكَ كَرِهَ قَوْمٌ الْقُعُودَ عَلَيْهَا، وَقَوْمٌ أَجَازُوا ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوا النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ الْقُعُودُ عَلَيْهَا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ: مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ وَالْكِتَابَةِ عَلَيْهَا وَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا» . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: انْزِلْ عَنِ الْقَبْرِ، لَا تُؤْذِي صَاحِبَ الْقَبْرِ وَلَا يُؤْذِيكَ» .

وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الْقُعُودَ عَلَى الْقَبْرِ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ لِحَدَثٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» قَالُوا: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ أَوْ يَتَغَوَّطُ فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةِ من نَارٍ» .

وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.

تم المجلد الأول ويليه المجلد الثاني وأوله: كتاب الزكاة

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 326 - 328

ارجع إلى دفن الميت للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده