الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > إذا قتله الشريك الذي لم يعف، هل يقتص منه أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةورَوى عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الأعمَشِ عن زَيدِ بنِ وَهبٍ «أنَّ عُمرَ ابنَ الخطَّابِ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فأرادَ أولياءُ المَقتولِ قتْلَه، فقالَتْ أختُ المَقتولِ وهي امرَأةُ القاتلِ: قد عَفوتُ عن حِصَّتي مِنْ زَوجِي، فقالَ عُمرُ: عُتقَ الرَّجلُ مِنْ القتلِ» (١).
إذا قتَلَه الشَّريكُ الذي لم يَعْفُ، هل يُقتَصُّ منهُ أم لا؟
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قتَلَه الشريكُ الذي لم يَعْفُ عالِمًا بعَفوِ شَريكِه وسُقوطِ القِصاصِ به فعَليهِ القِصاصُ، سَواءٌ حكَمَ به الحاكِمُ أو لم يَحكمْ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ وأبو ثَورٍ، وهو الظاهِرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، وقيلَ: له قَولٌ آخَرُ: لا يَجبُ القِصاصُ؛ لأنَّ له فيه شُبهةً؛ لوُقوعِ الخِلافِ.
ولنا: إنه قتَلَ مَعصومًا مُكافِئًا له عَمدًا يَعلمُ أنه لا حَقَّ له فيهِ، فوجَبَ عليهِ القِصاصُ كما لو حكَمَ بالعَفوِ حاكمٌ، والاختِلافُ لا يُسقطُ القِصاصَ؛ فإنه لو قتَلَ مُسلمًا بكافرٍ قَتلناهُ به معَ الاختلافِ في قَتلِه.
وأما إنْ قتَلَه قبلَ العِلمِ بالعَفوِ فلا قِصاصَ عليهِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعي في أحَدِ قَوليهِ: عليهِ القِصاصُ؛ لأنه قَتلُ عَمدٍ عُدوانٍ لمَن لا حَقَّ له في قَتلِه.
ولنا: إنه قتَلَه مُعتقِدًا ثُبوتَ حقِّه فيه، مع أنَّ الأصلَ بَقاؤُه، فلَم يَلزمْه قِصاصٌ، كالوَكيلِ إذا قتَلَ بعدَ عَفوِ المُوكِّلِ قبلَ عِلمِه بعَفوِه، ولا فرْقَ بينَ
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٨١٨٨).
أنْ يَكونَ الحاكمُ قد حكَمَ بالعَفوِ أو لم يَحكمْ به؛ لأنَّ الشُّبهةَ مَوجودةٌ مع انتفاءِ العِلمِ مَعدومةٌ عندَ وُجودِه.
وقالَ الشافِعيُّ: متَى قتَلَه بعدَ حُكمِ الحاكِمِ لَزمَه القِصاصُ، عَلِمَ بالعَفوِ أو لم يَعلمْ، وقد بيَّنَّا الفرقَ بينَهُما.
ومتَى حكَمْنا عليهِ بوُجوبِ الدِّيةِ إما لكَونِه مَعذورًا وإما للعفوِ عن القِصاصِ فإنه يَسقطُ عنه منها ما قابَلَ حقَّه على القاتِلِ قِصاصًا، ويَجبُ عليهِ الباقي، فإنْ كانَ الوليُّ عفَا إلى غيرِ مالٍ فالواجِبُ لوَرثةِ القاتلِ ولا شَيءَ عليهِم، وإنْ كانَ عفَا إلى الدِّيةِ فالواجِبُ لوَرثةِ القاتلِ وعليهِم نَصيبُ العافي مِنْ الدِّيةِ، وقيلَ فيه: «إنَّ حَقَّ العافي مِنْ الديةِ على القاتلِ» لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لم يَبْقَ مُتعلِّقًا بعينِه، وإنما الديةُ واجبةٌ في ذمَّتِه، فلمْ تَنتقلْ إلى القاتلِ كما لو قتَلَ غَريمَه.
فَصلٌ: فإنْ كانَ القاتلُ هو العافي فعَليهِ القِصاصُ، سَواءٌ عَفَا مُطلقًا أو إلى مالٍ، وبهذا قالَ عِكرمةُ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ المُنذرِ، ورُويَ عن الحَسنِ: تُؤخذُ منه الدِّيةُ ولا يُقتلُ.
وقالَ عُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ: الحُكمُ فيه إلى السُّلطانِ.
ولنا: قولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وعَطاءٌ والحَسنُ وقَتادةُ في تَفسيرِها: أي بعدَ أخذِه الديةَ.
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب استيفاء القصاص
يقدم القطع، وان كان متأخرا، لان اليد ينقص بنقصان الاصبع: والنفس لا تنقص بنقصان اليد (فرع)
إذا قتل رجلا وارتد أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الادمي من القتل والقطع لانه مبنى على التشديد، وحق الله مبنى على المسامحة.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
باب استيفاء القصاص
من ورث المال ورث الدية، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر رضى الله عنه يقول: لا ترث المرأة من دية زوجها، حتى قال له الضحاك ابن قيس: كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ورث امرأة أشيم الضبابي
من دية زوجها، فرجع عمر رضى الله عنه عن ذلك " ويقضي من الدية دينه وينفذ منها وصيته.
وقال أبو ثور.
لا يقضى منها الدين ولا ينفذ منها الوصية، لانها تجب بعد الموت، والمذهب الاول، لانه مال يملكه الوارث من جهة فقضى منه دينه، ونفذت منه وصيته كسائر أمواله.
ومن ورث المال ورث القصاص، والدليل عليه ماروى أبو شريح الكعبي " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ثم أنتم يا خراعة قد قلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وإن قطع مسلم طرف مسلم ثم ارتد ومات في الردة، وقلنا بأصح القولين انه يحب القصاص في طرفه، فقد نقل المزني أنه قال يقتص وليه المسلم، وقال المزني رحمه الله: لايقتص غير الامام لان المسلم لا يرثه، فمن أصحابنا من قال لايقتص غير الامام كما قال المزني، وحمل قول الشافعي رحمة الله عليه على الامام وقال عامة أصحابنا يقتص المناسب، لان القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ والذي يتشفى هو المناسب، ويجوز أن يثبت القصاص لمن لا يرث شيئا،
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.