إذا وضعه في أرض مسبعة أو أمام أسد أو حيوان مفترس

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > إذا وضعه في أرض مسبعة أو أمام أسد أو حيوان مفترس

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

إذا وضعه في أرض مسبعة أو أمام أسد أو حيوان مفترس - الأقوال والأدلة

كانَ في مُدةٍ يَموتُ في مِثلِها غالبًا ففيهِ القَودُ، وإنْ كانَ لا يَموتُ في مِثلِها غالبًا فهو عَمدُ الخَطأِ، وإنْ شكَكْنا فيها لم يَجبِ القَودُ؛ لأننا شكَكْنا في السَّببِ، ولا يَثبتُ الحُكمُ مع الشَّكِّ في سَببِه، سيِّما القِصاصُ الذي يَسقطُ بالشبُهاتِ.

فإنْ لم يَتعذرْ عليهِ الطلَبُ وترَكَه حتى ماتَ فهَدرٌ؛ لأنه المُهمِلُ لنَفسِه (١).

إذا وضَعَه في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو أمامَ أسَدٍ أو حَيوانٍ مُفتَرسٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى رَجلًا في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو بينَ بيدِ سَبعٍ فقتَلَه، هل يَجبُ القَودُ أم لا؟ على تَفصيلٍ عندَهُم.

قالَ الحَنفيةُ: لو طرَحَ رَجلٌ غيرَه قُدَّامَ أسدٍ أو سَبعٍ فليسَ على الطارحِ قَودٌ ولا دِيةٌ، ولكنْ يُعزَّرُ ويُضرَبُ ضَربًا وَجيعًا ويُحبَسُ حتى يَتوبَ، وقالَ أبو يُوسفَ: أما أنَا فأرَى الحبْسَ حتَّى يَموتَ، وعن الإمامِ: عليهِ الدِّيةُ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ كتَفَ رَجلًا أو قيَّدَه فأكلَه السَّبعُ .. فلا يَخلُو مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ:

إحداهُنَّ: إذا قيَّدَه أو كتَفَه وطرَحَه في أرضٍ مُسبَّعةٍ فجاءَ السَّبعُ فأكلَهُ .. فإنه لا قوَدَ على الطارحِ له ولا دِيةَ؛ لأنَّ السَّبعَ أكلَه باختِيارِه، ولأنَّ له اختيارًا، كما لو أمسَكَه، فقتَلَه آخَرُ.

(١) «المغني» (٨/ ٢١١، ٢١٢، ٣٣٨)، و «المبدع» (٨/ ٢٤٦)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٣٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٨، ٥٩٩)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٩).
(٢) «البناية شرح الهداية» (١٣/ ٢٦٨)، و «مجمع الضمانات» ص (٤٢٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٤).

الثانيةُ: إذا قيَّدَه في صَحراءَ ثم رَمَى بالسَّبعِ عليهِ، أو رمَى به على السَّبعِ فأكَلَه .. فلا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ؛ لأنَّ مِنْ طَبعِ السَّبعِ إذا رُميَ به على إنسانٍ، أو رُميَ بإنسانٍ عليهِ .. أنْ يَنفرَ عنه، فإذا لم يَنفرْ عنهُ .. كانَ أكلُه له باختِيارِه.

الثالِثةُ: إذا كانَ السَّبعُ في مَضيقٍ أو بَيتٍ أو بِئرٍ أو زُبيةٍ (١) فرُميَ بالإنسانِ عليهِ، أو كانَ الإنسانُ في المَضيقِ أو في البَيتِ أو في البِئرِ أو في الزُّبيةِ فرُميَ بالسَّبعِ عليهِ فضرَبَه السَّبعُ فماتَ؛ فإنْ ضرَبَه السَّبعُ ضَربًا يَقتلُ مِثلُه في الغالِبِ .. وجَبَ على الرامِي القَودُ؛ لأنه قد اضطرَّ السَّبعَ إلى قَتلِه، وإنْ ضرَبَه ضَربًا لا يَقتلُ مثلُه في الغالِبِ فماتَ .. لم يَجبْ على الرامِي القَودُ؛ لأنَّ الغالِبَ منهُ السَّلامةُ، وتَجبُ عليهِ الدِّيةُ في مالِه، وكذلكَ حُكمُ النَّمرِ وما في مَعناهُ.

وإنْ أمسَكَ السَّبعَ أو النَّمرَ وأفرَسَه إياهُ فأكَلَه .. فعَليهِ القَودُ؛ لأنه قد اضطرَّه إلى ذلكَ.

وإنْ قيَّدَ رَجلًا وطرَحَه في أرضٍ ذاتِ حيَّاتٍ فنهَشَتْه حيَّةٌ منها فماتَ .. فلا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ، سَواءٌ كانَ في مَوضعٍ ضيِّقٍ أو واسِعٍ.

وكذلكَ إذا رُميَ به على الحيَّةِ أو رُميَ بالحيَّةِ عليهِ؛ لأنَّ الحيَّاتِ والعَقاربَ مِنْ طَبعِها النُّفورُ مِنْ الإنسانِ.

(١) الزُّبى: -جَمعُ زُبيةٍ، كمُديةٍ ومُدًى-: حَفرٌ في مَوضعٍ عالٍ يُصادُ فيها السَّبعُ ونَحوُه، وفي المَثلِ: «بلَغَ السَّيلُ الزُّبَى».

وإنْ أخَذَ الحيَّةَ أو العَقربَ بيَدِه وأنهَشَها إنسانًا .. قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: (ضغَطَها أو لم يَضغطْها فنهَشَتْه فماتَ؛ فإنْ كانَ مِنْ الحيَّاتِ التي تَقتلُ في الغالِبِ كحيَّاتِ الطائفِ وأفاعِي مَكةَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه تَوصَّلَ إلى قَتلِه بما يَقتلُ غالبًا، فهو كما لو قتَلَه بالسَّيفِ، وإنْ كانَ ممَّا لا يَقتلُ غالبًا مِثلُها كثَعابينِ مَكةَ والحِجازِ وأفاعِي مِصرَ .. ففيهِ قَولانِ:

أحَدُهما: لا يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنه لا يَقتلُ مثلُها غالبًا، ويَجبُ عليهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ؛ لأنه شِبهُ عَمدٍ.

والثاني: يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنَّ جِنسَها يَقتلُ غالبًا، فهو بمَنزلةِ الجِراحِ) (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ جمَعَ بينَه وبينَ أسدٍ أو نَمرٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ كزُبيةٍ ونَحوِها فيَقتلُه فهذا عَمدٌ، فيه القِصاصُ إذا فعَلَ السَّبعُ به فِعلًا يَقتلُ مثلُه، وإنْ فعَلَ به فِعلًا لو فعَلَه الآدَميُّ لم يَكنْ عَمدًا لم يَجبِ القِصاصُ به؛ لأنَّ السَّبعَ صارَ آلةً للآدَميِّ، فكانَ فِعلُه كفِعلِه.

وإنْ ألقاهُ مَكتوفًا بينَ يَدِي الأسدِ أو النَّمرِ في فَضاءٍ فأكَلَه فعليهِ القَودُ، وكذلكَ إنْ جمَعَ بينَه وبينَ حيَّةٍ في مكانٍ ضيِّقٍ فنهَشَتْه فقتَلَتْه فعليهِ القَودُ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقالَ القاضِي: لا ضَمانَ عليهِ في الصُّورتينِ، وهو قَولُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الأسَدَ والحيَّةَ يَهربانِ مِنْ الآدَميِّ، ولأنَّ هذا سَببٌ غيرُ مُلجئٍ.

ولنا: إنَّ هذا يَقتلُ غالبًا، فكانَ عَمدًا مَحضًا كسائرِ الصُّورِ.

(١) «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٤٣، ٣٤٥).

وقَولُهم: «إنهُما يَهربانِ» غيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الأسَدَ يأخُذُ الآدَميَّ المُطلَقَ، فكيفَ يَهربُ مِنْ مَكتوفٍ أُلقيَ إليهِ ليَأكلَه، والحيَّةُ إنما تَهربُ في مكانٍ واسعٍ، أما إذا ضاقَ المَكانُ فالغالبُ أنها تَدفعُ عن نفسِها بالنَّهشِ على ما هو العادَةِ.

وقد ذكَرَ القاضي فيمَن أُلقيَ مَكتوفًا في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو ذاتِ حيَّاتٍ فقتَلَتْه أنَّ في وُجوبِ القِصاصِ رِوايتينِ، وهذا تَناقضٌ شَديدٌ؛ فإنَّه نفَى الضَّمانَ بالكُليةِ في صُورةٍ كانَ القَتلُ فيها أغلَبَ، وأوجَبَ القِصاصَ في صُورةٍ كانَ فيها أندَرَ، والصَّحيحُ أنه لا قِصاصَ هاهُنا، ويَجبُ الضَّمانُ؛ لأنه فعَلَ به فِعلًا مُتعمِّدًا تَلفَ به لا يَقتلُ مِثلُه غالبًا.

وإنْ أنهَشَه حيَّةً أو سَبعًا فقتَلَه فعَليهِ القَودُ إذا كانَ ذلكَ مما يَقتلُ غالبًا؛ فإنْ كانَ مما لا يَقتلُ غالبًا كثُعبانِ الحِجازِ أو سَبعٍ صَغيرٍ ففيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: فيه القَودُ؛ لأنَّ الجُرحَ لا يُعتبَرُ فيه غَلبةُ حُصولِ القَتلِ به، وهذا جُرحٌ، ولأنَّ الحَيةَ مِنْ جِنسِ ما يَقتلُ غالبًا.

والثاني: هو شَبيهُ العَمدِ؛ لأنه لا يَقتلُ غالبًا، أشبَهَ الضَّربَ بالعَصا والحَجرِ.

وإنْ كتَفَه وألقاهُ في أرضٍ غيرِ مُسبعةٍ فأكَلَه سَبعٌ أو نهَشتْه حيَّةٌ فماتَ فهو شِبهُ العَمدِ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: هو خَطأٌ مَحضٌ.

ولنا: إنه فعَلَ به فِعلًا لا يَقتلُ مِثلُه غالبًا عَمدًا، فأفضَى إلى هَلاكِه، أشبَهَ ما لو ضرَبَه بعَصًا فماتَ، وكذلكَ إنْ ألقاهُ مَشدودًا في مَوضعٍ لم يَعهدْ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 171 - 174

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل