الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الدية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةوعن الحَسنِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا أُعفِي مَنْ قتَلَ بعدَ أَخذِه الدِّيةَ» (١)، ولأنه قتَلَ مَعصومًا مُكافئًا، فوجَبَ عليهِ القِصاصُ كما لو لم يَكنْ قتَلَ.
فصلٌ: وإذا عَفَا عن القاتلِ مُطلَقًا صَحَّ ولم تَلزمْه عُقوبةٌ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذِرِ وأبو ثَورٍ، وقالَ مالكٌ والليثُ والأوزاعيُّ: يُضرَبُ ويُحبسُ سَنةً.
ولنا: إنه إنَّما كانَ عليهِ حقٌّ واحدٌ وقد أسقَطَه مُستحِقُّه، فلَم يَجبْ عليهِ شيءٌ آخَرُ كما لو أسقَطَ الديةَ عن القاتلِ خَطأً (٢).
الدِّيةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مُستحَقِّ القَتلِ، هل هو القَودُ فقطْ ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا بالتَّراضي؟ أم مُستحقُّ القتلِ مُخيَّرٌ بينَ القَودِ والدِّيةِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجِبٌ للقَودِ، ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا برِضَى الجاني، وإذا ماتَ الجانِي سقَطَ القِصاصُ؛ لفَواتِ مَحلِّه ولا تَجبُ الدِّيةُ.
وهذا لأنَّ مُوجبَ العَمدِ القَودُ عَينًا، فلا يَجبُ المالُ إلا بالصُّلحِ برِضَا القاتِلِ، بَيانُه قَولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلو وجَبَ المالُ أو أحَدُهما لا يَكونُ النَّفسُ بالنَّفسِ، وشَريعةُ مَنْ تَقدَّمَنا
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٥٠٧)، وأحمد في «المسند» (١٤٩٥٤).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٧٩، ٢٨٠).
تَلزمُنا إلا أنْ يَثبتَ النَّسخُ، وجَميعُ أحادِيثِ التَّخييرِ بينَ القِصاصِ والدِّيةِ أخبارُ آحادٍ لا يُنسَخُ بها الكِتابُ.
وقَولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وهو المُماثَلةُ لُغةً، والمُماثَلةُ بينَ النَّفسِ والنفسِ لا بينَها وبينَ المالِ، أو نَقولُ: ذكَرَ القِصاصَ ولَم يَذكرِ الدِّيةَ، فلو ثبَتَ التخييرُ أو الديةُ لَثبَتَ بخبَرِ الواحدِ، وأنه زِيادةٌ على الكِتابِ، والزِّيادةُ نَسخٌ والكِتابُ لا يُنسخُ به، وقالَ ﷺ: «العَمدُ قَودٌ، إلا أنْ يَعفوَ وليُّ المَقتولِ» (١)، وفي لفظٍ: «ومَن قُتلَ عَمدًا فهو قَودٌ» (٢).
وقالَ ﷺ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (٣)، فأخبَرَ عليه الصلاة والسلام أنَّ الذي في كِتابِ اللهِ هو القِصاصُ دونَ غيرِه.
ولأنَّ القتلَ مُوجِبٌ للقَودِ في عَمدِه والديةِ في خَطأِه، فلمَّا لم يَجُزِ العُدولُ عن الدِّيةِ في خَطأٍ إلى غيرِها إلا عن مُراضاةٍ لم يَجبْ أنُ يُعدلَ عن القَودِ إلى غيرِه إلا عن مُراضاةٍ، ولأنَّ القتلَ يُستحقُّ بالقَودِ تارةً، وبالدَّفعِ عن النفسِ أُخرى، فلمَّا لم يَملكْ بدَلَ قَتلِه دَفعًا لم يَملكْ بدَلَ قتلِه قَودًا.
ثمَّ إذا صالَحَ الأولياءُ عن مالٍ جازَ، قليلًا كانَ أو كَثيرًا، مِنْ جِنسِ الدِّيةِ أو مِنْ غَيرِ جِنسِها، حالًّا أو مُؤجَّلًا، فإنْ لم يُصالِحوا ولكنْ عَفَا بعضُهم
(١) «رواه الدارقطني» (٣/ ٩٤) «رقم» (٤٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٤١)، والنسائي (٤٧٩٠)، وابن ماجه (٢٦٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٧).
بطَلَ القِصاصُ، ولا يَنقلبُ نَصيبُ العافي مالًا، ويَنقلبُ نَصيبُ الباقي مالًا؛ لأنَّ القِصاصَ متى تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنْ قِبلِ مَنْ له القِصاصُ لا يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ومتى تَعذَّرَ مِنْ جِهةِ مَنْ عليهِ القِصاصُ يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ثمَّ نَصيبُ العافي لا يَنقلبُ مالًا؛ لأنَّ الاستِيفاءَ تَعذَّرَ مِنْ جِهتِه، ونَصيبُ الذي لمْ يَعْفُ يَنقلبُ مالًا؛ لأنه تَعذَّرَ الاستِيفاءُ مِنْ جِهةِ غَيرِه.
ويَكونُ هذا المالُ المصالَحُ عليهِ في مالِ القاتلِ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (١)، وهذا عَمدٌ وصُلحٌ، فلا تَتحمَّلُه العاقِلةُ، فيجبُ في مالِه على ما شرَطَا مِنْ التأجيلِ والتَّعجيلِ والتَّنجيمِ، والأصلُ فيهِ قَولُه تعالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. والمُرادُ به الصُّلحُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجبٌ للقَودِ، ولوَليِّ المقتولِ أنْ يَعفوَ عنه إلى الدِّيةِ، ولا يَفتقرُ إلى مُراضاةِ القاتلِ، فيُطالبُه بأخذِ الدِّيةِ ولو لم يَرْضَ الجاني؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، معناهُ:
(١) حَسَنٌ: رواه البيهقي (٨/ ١٠٤).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٧١، ١٧٤)، و «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٧٤، ١٧٨)، و «الاختيار» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الاستذكار» (٨/ ٤٨، ٤٩)، و «المعونة» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٩٤، ٩٥)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٥٢)، و «المهذب» (٢/ ١٨٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٩).
فمَن عَفَا له عن القِصاصِ فلْيَتبعِ الوليُّ الديةَ بمَعروفٍ، ويُؤدِّيها القاتلُ بإحسانٍ، فجعَلَ للوليِّ الاتباعَ، وعلى القاتِلِ الأداءَ، فلمَّا تفرَّدَ القاتلُ بالأداءِ وجَبَ أنْ يَنفردَ الوليُّ بالاتباعِ ولا يَقفَ على المُراضاةِ.
وعن أبي شُريحٍ الكَعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: « … إنَّكُم مَعشرَ خُزاعةَ قتَلتُم هذا الرَّجلَ مِنْ هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُه، فمَن قُتلَ له قَتيلٌ بعدَ اليَومِ فأهلُه بينَ خِيرَتينِ: إمَّا أنْ يَقتلُوا أو يَأخذُوا العَقلَ» (١).
فجعَلَ الوليَّ مُخيَّرًا بينَ القَودِ والدِّيةِ، وهذا نَصٌّ.
ورَوى أبو هُريرةَ قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: إما يُؤديَ وإما أنْ يُقادَ» (٢).
ولأنَّ القَودَ قد يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ إذا كانَ واحِدًا، ويَعفُو أحَدُهم إذا كانُوا جَماعةً، ثمَّ ثبَتَ أنَّ سُقوطَه بعَفوِ أحَدِهم مُوجِبٌ للديةِ بغيرِ مُراضاةٍ، فكذلكَ يَكونُ وُجوبُها بعَفوِ جَميعِهم.
وتَحريرُه قِياسًا: أنه قَودٌ سقَطَ بالعفوِ عنه، فلَم تَقفِ الدِّيةُ فيه على مُراضاةٍ كما لو عَفَا عنه أحَدُهم، ولأنَّ للقتلِ بَدلينِ، وأغلَظُهما القَودُ وأخَفُّهما الديةُ، فلمَّا ملَكَ القودَ الأغلَظَ بغيرِ مُراضاةٍ كانَ بأنْ يَملكَ الديَةَ الأخفَّ بغيرِ مُراضاةٍ أَولى، ولأنَّ قتْلَ العَمدِ أغلَظُ وقتْلَ الخَطأِ أخَفُّ، فلمَّا ملَكَ الديَةَ في أخفِّهِما فأَولى أنْ يَملكَها في أغلَظِهما.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦)، وأحمد (٢٧٢٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).
ولأنَّ للنَّفسِ بَدلينِ القَودَ والديَةَ، فلا يُستحقُّ على وَليِّ الدمِ الاقتِصارُ على أحَدِهما.
ولمَن وجَبَ له القِصاصُ الصُّلحُ على أكثَرَ مِنْ الديةِ.
ولو عَفَا الوليُّ عن القِصاصِ تَعيَّنتِ الديةُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ.
ومتَى اختارَ الوليُّ الديَةَ تَعيَّنتْ وسقَطَ القِصاصُ عندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ، قالَ أحمَدُ: إذا أخَذَ الديةَ فقدْ عفَا عن الدَّمِ ولا يَملكُ طلَبَ القَودِ بعدَ اختيارِ الديةِ؛ لأنه إذا أسقطَ لا يَعودُ، فإنْ قتَلَه بعدَ اختيارِ الديةِ قُتلَ به؛ لأنه عَمدٌ عُدوانٌ.
وعندَ الشافِعية في قَولٍ: إنِ اختارَ الديَةَ لا يَسقطُ القِصاصُ، ولو اختارَ القِصاصَ لم يَسقطْ حقُّه مِنْ الديَةِ، بل يَبقَى خِيارُه كما كانَ.
وإنْ عَفَا مُطلقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بقَودٍ ولا دِيةٍ فله الديةُ؛ لانصرافِ العفوِ إلى القودِ؛ لأنه في مُقابَلةِ الانتقامِ، والانتقامُ إنما يكونُ بالقتلِ.
أو عَفا على غيرِ مالٍ بأنْ عَفَا على خَمرٍ ونحوِه فلَه الديةُ، أو عفَا على القَودِ مُطلقًا بأنْ قالَ: «عَفوتُ عن القَودِ» ولم يُقيِّدْه بشيءٍ ولو كانَ العَفوُ عن يَدِه -أي المَجنيِّ عليهِ، أو رِجلِه ونَحوِهما- فلهُ الديةُ؛ لانصِرافِ العَفوِ إلى القودِ.
وإنْ قالَ مُستحقُّ القَودِ لمَن له عَليهِ قَودٌ: «عَفوتُ عن جِنايتِكَ، أو عَفوتُ عنكَ» بَرئَ مِنْ الديَةِ كالقَودِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ عَفوَه عن ذلكَ يَتناولُهما.
وقيلَ: إنْ قصَدَها، وقيلَ: إنِ ادَّعَى قصْدَ القَودِ فقطْ قُبلَ، وإلا بَرئَ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ لوليِّ الدمِ أحَدَ شَيئينِ: القِصاصَ أو العَفوَ، إما على الدِّيةِ وإما على غيرِ الديةِ.
واختَلفُوا هل الانتقالُ مِنْ القِصاصِ إلى العَفوِ على أخذِ الديةِ هو حَقٌّ واجبٌ لوليِّ الدمِ دونَ أنْ يكونَ في ذلكَ خيارٌ للمُقتَصِّ منه؟ أم لا تَثبتُ الديَةُ إلا بتَراضي الفَريقينِ -أعنِي الوليَّ والقاتلَ- وأنه إذا لم يُرِدِ المُقتصُّ منه أنْ يُؤديَ الديَةَ لم يَكنْ لوليِّ الدمِ إلا القِصاصُ مُطلقًا أو العَفوُ؟
فقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ للوليِّ إلا أنْ يَقتصَّ أو يَعفُو عن غيرِ دِيةٍ، إلا أنْ يَرضَى بإعطاءِ الديةِ القاتِلُ، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ وجَماعةٌ.
وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وداودُ وأكثَرُ فُقهاءِ المَدينةِ مِنْ أصحابِ مالكٍ وغيرِه: وليُّ الدمِ بالخِيارِ إنْ شاءَ اقتصَّ وإنْ شاءَ أخَذَ الديةَ، رَضيَ القاتلُ أو لم يَرْضَ، ورَوى ذلكَ أشهَبُ عن مالكٍ، إلا أنَّ المَشهورَ عنه هي الرِّوايةُ الأُولى.
فعُمدةُ مالكٍ في الرِّوايةِ المَشهورةِ حَديثُ أنسِ بنِ مالكٍ في قِصةِ سِنِّ
(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٩٥، ٩٦)، و «المهذب» (٢/ ١٨٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٢٥٩، ٢٦١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٣٩، ٤٤٢)، و «المغني» (٨/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «الكافي» (٤/ ٤٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٩)، و «المبدع» (٨/ ٣٠٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٤٠، ٦٤١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦١، ٦٢).
الرُّبيِّعِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (١)، فعُلِمَ بدَليلِ الخِطابِ أنه ليسَ له إلا القصاصُ.
وعُمدةُ الفَريقِ الثاني حَديثُ أبي هُريرةَ الثابتِ: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: بينَ أنْ يَأخذَ الدِّيةَ وبينَ أنْ يَعفوَ»، هُما حَديثانِ مُتفَقٌ على صِحتِهما، لكنَّ الأولَ ضَعيفُ الدلالةِ في أنه ليسَ له إلا القِصاصُ، والثاني نَصٌّ في أنَّ له الخِيارَ.
والجَمعُ بينَهُما يُمكنُ إذا رُفعَ دليلُ الخِطابِ مِنْ ذلكَ، فإنْ كانَ الجَمعُ واجبًا ومُمكِنًا فالمَصيرُ إلى الحَديثِ الثاني واجِبٌ، والجُمهورُ على أنَّ الجَمعَ واجِبٌ إذا أمكَنَ، وأنه أَولى مِنْ التَّرجيحِ.
وأيضًا فإنَّ اللهَ ﷿ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإذا عُرضَ على المُكلَّفِ فِداءُ نَفسِه بمالٍ فواجِبٌ عليهِ أنْ يَفديَها، أصلُه إذا وجَدَ الطَّعامَ في مَخمصةٍ بقِيمةِ مِثلِه وعندَه ما يَشتريهِ، أعني أنه يُقضَى عليهِ بشِرائهِ، فكيفَ بشراءِ نَفسهِ؟! ويَلزمُ على هذهِ الرِّوايةِ إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخرَ القتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصغارُ فيَكونَ لهُم الخيارُ، ولا سيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ.
قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حَياةَ جَدِّي رحمة الله عليه، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ، وهو أنْ لا يُنتظرَ الصغيرُ، فأفتَى هو رحمة الله عليه بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا
(١) أخرجه البخاري (٢٥٥٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.