القسم الأول: القتل العمد

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > القسم الأول: القتل العمد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

القسم الأول: القتل العمد - الأقوال والأدلة

٣ - وعَمدٌ خَطأٌ، أو شِبهُ عَمدٍ، وبه قالَ الجُمهورُ خِلافًا للمالِكيةِ.

وزادَ الحَنفيةُ نَوعانِ داخِلانِ في حُكمِ الخَطأِ:

٤ - وما أُجرِيَ مَجرَى الخَطأِ.

٥ - والقَتلِ بسَببٍ.

القِسمُ الأولُ: القَتلُ العَمدُ:

تَعريفُ القَتلِ العَمدِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في تَعريفِ القَتلِ العَمدِ، هل هو قَصدُ الفِعلِ والشَّخصِ بما يَقتلُ قَطعًا أو غالِبًا؟ أو قَصدُ الفِعلِ فقطْ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ هو أنْ يَقصدَ الفِعلَ والشَّخصَ بما يَقتلُ غالِبًا، ويَقصدُ قتْلَه بذلكَ.

قالَ المالِكيةُ: القَتلُ العَمدُ: ما قُصدَ به إتلافُ النَّفسِ بآلةٍ تَقتلُ غالِبًا ولو بمُثقَّلٍ أو بإصابةِ المَقتلِ كعَصرِ الأُنثَيينِ وشِدةِ الضَّغطِ والخَنقِ أو يُطبقَ عليهِ بَيتًا ويَمنعَه الغِذاءَ حتَّى يَموتَ جُوعًا (١).

وقيلَ: شَرطُ القَتلِ المُوجِبِ للقِصاصِ أنْ يَقصدَ القاتِلُ الضَّربَ -أي يَقصدَ إيقاعَه-، ولا يُشترطَ قَصدُ القَتلِ في غيرِ جِنايةِ الأصلِ على فَرعِه، فإذا قصَدَ ضرْبَه بما يَقتلُ غالِبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتَصُّ له، وكذا إذا قصَدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتَصُّ له منهُ وإنْ كانَ بقَضيبٍ.

(١) «المختصر الفقهي» (١٤/ ٣٦٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٢).

فإنْ لم يَقصدْ ضرْبَه وثبَتَ ذلكَ إما ببَينةٍ أو بإقرارِ المَجنِي عليهِ فإنه لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه خَطأٌ، وفيهِ الديَةُ على العاقِلةِ.

وسَواءٌ قصَدَ الشَّخصَ المَضروبَ نفْسَه أو قصَدَ أنْ يَضربَ شَخصًا عُدوانًا فأصابَ غيرَه، فإنه يُقتلُ به، وما قِيلَ: «إنه مِنْ الخَطأِ» ضَعيفٌ.

وأما لو قصَدَ ضرْبَ مَنْ يَحلُّ له ضَربُه فأصابَ غيرَه فهو خَطأٌ، بشَرطِ ضَربِ اللَّعبِ أو الأدَبِ، وقَولُنا: «في غَيرِ جِنايةِ الأصلِ .. إلخ» مُخرَّجٌ لجِنايةِ الأبِ على وَلدِه، فإنَّ قَصْدَ ضَربِه لا يَكونُ مُوجِبًا لقَتلِه كغَيرِه؛ لأنه كانَ سَببًا في إخراجِ الوَلدِ مِنْ العَدمِ إلى الوُجودِ، فلا يُقتلُ به، إلا إذا قصَدَ إزهاقَ رُوحِه (١).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ القَتلَ على أوجُهٍ:

الأولُ: أنْ لا يَقصدَ ضرْبَه، كرَميِه شَيئًا أو حَربيًّا فيُصيبَ مُسلمًا، فهذا خَطأٌ بإجماعٍ، فيهِ الديَةُ والكفَّارةُ.

الثاني: أنْ يَقصدَ الضَّربَ على وَجهِ اللَّعبِ، فهو خَطأٌ على قَولِ ابنِ القاسِمِ ورُوايتِه في «المُدوَّنة»، خِلافًا لمُطرِّفٍ وابنِ الماجشُونِ، ومثلُه إذا قصَدَ به الأدبَ الجائِزَ، بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤدبُ بها، وأما إنْ كانَ الضَّربُ للتأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتَصُّ منه، إلا في الأبِ ونحوِه فلا قِصاصَ، بل فيهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٤).

الثالِثُ: أنْ يَقصدَ القَتلَ على وَجهِ الغِيلةِ، فيَتحتَّمُ القَتلُ، ولا عَفوَ، قالَه ابنُ رُشدٍ في «المُقدِّمات» (١).

وقالَ الشافِعيةُ: قَتلُ العَمدِ المَحضُ: أنْ يَقصدَ الفِعلَ والشَّخصَ المُعيَّنَ بشَيءٍ يَقتلُ غالبًا، فلا يُسمَّى قتْلَ عَمدٍ إلا إذا تَحقَّقَ فيهِ أمرَانِ:

أحَدُهما: قَصدُ الشَّخصِ بالقَتلِ، فلو كانَ غيرَ قاصِدٍ لقَتلِه فإنه لا يُسمَّى عَمدًا، كمَن رَمَى سَهمًا يُريدُ صَيدًا فأصابَ شَخصًا فقتَلَه.

ثانيهمَا: أنْ تَكونَ الوسِيلةُ في القَتلِ ممَّا يَقتلُ غالبًا، فلو أنه ضرَبَه بِعَصًا صَغيرةٍ أو بحَصاةٍ صَغيرةٍ في غيرِ مَقتلٍ فماتَ مِنْ ذلكَ الضَّربِ فإنه لا يُسمَّى ذلكَ القَتلُ قتْلَ عَمدٍ؛ لأنَّ تلكَ الوَسيلةَ لا تَقتلُ في الغالبِ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: قَتلُ العَمدِ الذي يَختصُّ به القَودُ: أنْ يَقصدَ الجانِي مَنْ يَعلَمُه آدَميًّا مَعصومًا فيَقتلَه بشَيءٍ يَغلبُ على الظنِّ مَوتُه بهِ، مُحدَّدًا كانَ أو غيرَه، فلا قِصاصَ إنْ لم يَقصدِ القَتلَ، أو قصَدَه بما لا يَقتلُ غالِبًا (٣).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ هو: أنْ يَتعمَّدَ ضرْبَ الآدَميِّ في أيِّ مَوضعٍ مِنْ جَسدهِ بآلةٍ تُفرِّقُ الأجزاءَ، مثلَ سِلاحٍ ومُثقَّلٍ ولو مِنْ حَديدٍ، ولو لم يَقصدْ قتْلَه؛ لأنَّ العَمدَ هو القَصدُ، ولا يُوقَفُ عليهِ إلا بدَليلِه، ودَليلُه

(١) «حاشية الدسوقي» (٤/ ٢٤٢).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ١٣١، ١٣٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٢٨، ٣٢٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٣، ٢١٤)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٨٦، ٢٩٠).
(٣) «المغني» (٨/ ٢١٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 140 - 142

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد