القصاص من السكران

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > القصاص من السكران

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

القصاص من السكران - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ أنه لا قِصاصَ على صَبيٍّ ولا مَجنونٍ، وكذلكَ كلُّ زائلِ العَقلِ بسَببٍ يُعذَرُ فيه مثلَ النائمِ والمُغمَى عليهِ ونحوِهما، والأصلُ في هذا قَولُ النبيِّ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصبيِّ حتَّى يَبلغَ، وعن النائمِ حتَّى يَستيقظَ، وعن المَجنونِ حتى يَفيقَ»، ولأنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ مُغلَّظةٌ، فلَم تَجبْ على الصبيِّ وزائلِ العَقلِ كالحُدودِ، ولأنهُم ليسَ لهم قَصدٌ صَحيحٌ، فهُم كالقاتلِ خَطأٍ (١).

القِصاصُ مِنْ السَّكرانِ:

السَّكرانُ إذا قتَلَ في حالِ سُكرِه فإنْ زالَ عَقلُه بغَيرِ مُحرَّمٍ فهو كالمُغمَى عليهِ لا قِصاصَ عليهِ اتِّفاقًا؛ لأنه لا قصْدَ له ولا زجْرَ عليهِ.

ثمَّ اختَلفُوا فيما لو سَكِرَ بمُحرَّمٍ وقتَلَ في حالِ سُكرِه وثبَتَ عليهِ ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، هل يُقتصُّ منه أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ القِصاصِ على السَّكرانِ المُتعدِّي بسُكرِه إذا قتَلَ حالَ

(١) «المغني» (٨/ ٢٢٦)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٧/ ١٨٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢١٦)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٧٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٠)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٥٨)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٥٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦١٣، ٦١٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٢٥).

سُكرِه؛ لأنَّ المَعاصي لا تكونُ أسبابَ الرُّخَصِ، ولئلَّا يُؤدِّي إلى تَركِ القصاصِ؛ لأنَّ مَنْ رامَ القتلَ لا يَعجرُ أنْ يَسكرَ حتى لا يُقتصَّ منه.

ولأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم أقامُوا سُكرَه مَقامَ قَذفِه، فأوجَبُوا عليهِ حدَّ القاذفِ، فلولا أنَّ قذْفَه مُوجِبٌ للحدِّ عليهِ لَمَا وجَبَ الحدُّ بمَظنتِه، وإذا وجَبَ الحَدُّ فالقِصاصُ المُتمحضُ حَقَّ آدميٍّ أَولى، ولأنه حُكمٌ لو لم يَجبِ القصاصُ والحَدُّ لَأفضَى إلى أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَعصيَ اللهَ تعالَى شَربَ ما يُسكرُه ثم يَقتلُ ويَزني ويَسرقُ ولا يَلزمُه عُقوبةٌ ولا مَأثمٌ، ويَصيرُ عِصيانُه سَببًا لسُقوطِ عُقوبةِ الدُّنيا والآخرةِ عنه، ولا وجْهَ لهذا، وفارَقَ هذا الطَّلاقَ؛ لأنه قَولٌ يُمكنُ إلغاؤُه بخِلافِ القتلِ (١).

وأُلحقَ به عندَ الشافِعيةِ مَنْ تَعدَّى بشُربِ دواءٍ يُزيلُ العَقلَ، أما غيرُ المُتعدِّي فهو كالمَعتوهِ، فلا قِصاصَ عليهِ.

وقالَ الحَنابلةُ: فأما إنْ شَربَ أو أكَلَ ما يُزيلُ عقْلَه غيرَ الخمرِ على وَجهٍ مُحرَّمٍ فإنْ زالَ عقلُه بالكلِّيةِ بحَيثُ صارَ مَجنونًا فلا قِصاصَ عليهِ، وإنْ كانَ يَزولُ قَريبًا ويَعودُ مِنْ غيرِ تَداوٍ فهو كالسُّكرِ على ما فُصِّلَ فيه (٢).

(١) «الدر المختار» (٥/ ٦٢٢)، و (٦/ ٥٨٦، ٥٨٧)، و «الذخيرة» (١٢/ ٢٧٣)، و «القوانين الفقهية» (٢٢٦)، و «البيان» (١١/ ٣٠٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٥٨)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٥٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٣١)، و «المغني» (٨/ ٢٢٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦١٣، ٦١٤).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٢٦).

وذهَبَ الحَنابلة في قَولٍ إلى أنه لا يَجبُ عليهِ؛ لأنه زائِلُ العَقلِ، فأشبَهَ المَجنونَ، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ الصبيَّ والمَجنونَ (١).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن رَجلينِ شَرِبَا وكانَ مَعهُما رَجلٌ آخَرُ، فلمَّا أرادُوا أنْ يَرجِعوا إلى بُيوتهِم تَكلَّمَا فضرَبَ واحدٌ صاحِبَه ضَربةً بالدبوسِ فوقَعَ عن فَرسِه، فوقَفَ عندَه ذلكَ الرجلُ الذي معَهُما حتى رَكِبَ فرَسَه وجاءَ معَه إلى مَنزلِه، ولم يَقفْ عندَه فوقَعَ عن فَرسِه ثانيةً، ثم إنه أصبَحَ مَيتًا، فسَألَ رَجلٌ مِنْ أصحابِ المَيتِ ذلكَ الرَّجلَ خِفيةً ولم يُعلِمْه بمَوتِه، فذكَرَ له قَضيَّتَهما، فشَهدَ عليهِ الشُّهودُ بأنَّ فُلانًا ضرَبَه، ولم يَسمعِ الشُّهودُ مِنْ المَيتِ، وأنَّ المَتهومَ لم يُظهرْ نفْسَه خوفَ العُقوبةِ لكِي لا يُقِرَّ على نَفسِه، وللمَيتِ بنتٌ تَرضعُ وأخوةٌ.

فأجابَ: إنْ كانَ الذي شَربَ الخَمرَ يَعلمُ ما يَقولُ فهذا إذا قتَلَ فهو قاتلٌ يَجبُ عليهِ القَودُ وعُقوبةُ قاتلِ النَّفسِ باتِّفاقِ العُلماءِ.

وأما إنْ كانَ قد سَكِرَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ أو أكثَرَ مِنْ ذلكَ وقتَلَ فهل يَجبُ عليهِ القَودُ ويُسلَّمُ إلى أولياءِ المَقتولِ ليَقتلوهُ إنْ شَاؤُوا؟ هذا فيه قَولانِ للعُلماءِ، وفيه رِوايتانِ عن أحمَدَ، لكنَّ أكثرَ الفُقهاءِ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ والشافِعيِّ وكثيرٍ مِنْ أصحابِ أحمَدَ يُوجِبونَ عليهِ القَودَ كما يُوجِبونَه على الصاحي، فإنْ لم يَشهدْ بالقَتلِ إلا واحِدٌ لم يُحكمْ به، إلا أنْ يَحلفَ مع ذلكَ أولياءُ المَقتولِ خَمسينَ يَمينًا، وهذا إذا ماتَ بضَربِه وكانَ ضَربُه عُدوانًا مَحضًا، فإما إنْ ماتَ مع ضَربِ الآخَرِ ففي القَودِ نِزاعٌ،

(١) «المغني» (٨/ ٢٢٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان من يستحق القصاص

الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﷾ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ البقرة: ١٧٨ ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 266 - 268

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله