الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > رابعا: انتفاء الأبوة: (الوالد إذا قتل ولده، هل يقتل به أم لا؟)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةوالمُرادُ بقَولِه ﷺ: «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافِرٍ» الحَربيُّ؛ لأنَّ الكافرَ متَى أُطلقَ يَنصرفُ إلى الحَربيِّ عادةً وعُرفًا، فيَنصرفُ إليه تَوفيقًا بينَ الحَديثينِ.
ولأنَّ المُبيحَ هو الكُفرُ الباعِثُ على الحِرابِ، وكُفرُه ليسَ ببَاعثٍ على الحِرابِ، فلا يُكونُ مُبيحًا.
ولأنَّ المُساواةَ في الدِّينِ ليسَتْ بشَرطٍ، ألَا تَرى أنَّ الذميَّ إذا قتَلَ ذِميًّا ثم أسلَمَ القاتِلُ يُقتلُ به قِصاصًا ولا مُساواةَ بينَهُما في الدِّينِ، لكنَّ القِصاصَ مِحنةٌ امتُحِنُوا الخَلقُ بذلكَ، فكُلُّ مَنْ كانَ أقبَلَ بحَقِّ اللهِ تعالَى وأشكَرَ لنِعَمِه كانَ أَولى بهذهِ المِحنةِ؛ لأنَّ العُذرَ له في ارتِكابِ المَحذورِ أقلُّ، وهو بالوفاءِ بعَهدِ اللهِ تعالَى أَولى، ونِعَمُ اللهِ تعالَى في حقِّه أكمَلُ، فكانَتْ جِنايتُه أعظَمَ (١).
رابعًا: انتِفاءُ الأبوَّةِ: (الوالِدُ إذا قتَلَ ولَدَه، هل يُقتلُ به أم لا؟):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوالِدِ وإنْ عَلا إذا قتَلَ ولَدَه عَمدًا، هل يُقتلُ به أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوالِدَ إذا قتَلَ ولَدَه لا يُقتلُ به، وعليهِ الدِّيةُ في مالِه؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: «قتَلَ رَجلٌ ابنَهُ عَمداً فرُفِعَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٧)، و «الهداية» (٤/ ١٦٠)، و «العناية» (١٥/ ١٣٠)، و «الاختيار» (٥/ ٣٤، ٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٧٣)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٣١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٠٦).
فجعَلَ عليهِ مِائةً مِنْ الإبلِ ثَلاثينَ حقَّةً وثَلاثينَ جَذعَةً وأربَعينَ ثَنيَّةً وقالَ: لا يَرثُ القاتلُ، ولولا أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لا يُقتلُ والِدٌ بوَلَدِه» لَقَتلتُكَ» (١).
وهذا خبَرٌ مُستفيضٌ مَشهورٌ، وقد حكَمَ به عُمرُ بنُ الخطَّابِ بحَضرةِ الصَّحابةِ مِنْ غيرِ خِلافٍ مِنْ واحدٍ منهُم عليهِ.
وفُهِمَ مِنْ هذا الحَديثِ أنَّ الولدَ لا يَكونُ سَببًا لإعدامِ مَنْ هو سَببُ وُجودِه، فيَتعدَّى هذا إلى الأمِّ والأجدادِ والجدَّاتِ.
وأيضًا قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ﴾ [الأحزاب: ١٤، ١٥] الآيَة، فأمَرَ بمُصاحَبةِ الوالدَينِ الكافرَينِ بالمَعروفِ وأمَرَه بالشُّكرِ لقَولِه تَعالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٤]، وقرَنَ شُكرَهُما بشُكرِه، وذلكَ يَنفي جَوازَ قَتلِه.
وقَوله تعالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] ولم يُخصِّصْ حالًا دونَ حالٍ، بل أمَرَه بذلكَ أمرًا مُطلَقًا عامًّا، فغيرُ جائزٍ ثُبوتُ حقِّ القَودِ له عليهِ؛ لأنَّ قتْلَه له يُضادُّه هذهِ الأمورُ التي أمَرَ اللهُ تعالَى بها في مُعاملةِ والِدِه.
(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٣٤٦).
وأيضًا نهَى النبيُّ ﷺ حَنظلةَ بنَ أبي عامِرٍ الراهِبَ عن قتلِ أبيه وكانَ مُشرِكًا مُحارِبًا للهِ ولرَسولِه وكانَ مع قُريشٍ يُقاتلُ النبيَّ ﷺ يومَ أحُدٍ، فلو جازَ للابنِ قَتلُ أبيه في حالٍ لَكانَ أَولى الأحوالِ بذلكَ حالُ مَنْ قاتَلَ النبيَّ ﷺ وهو مُشرِكٌ؛ إذ ليسَ يَجوزُ أنْ يكونَ أحَدٌ أَولى باستِحقاقِ العُقوبةِ والذمِّ والقتلِ ممَّن هذه حالُه، فلمَّا نهَاهُ ﷺ عن قَتلِه في هذهِ الحالِ عَلِمْنا أنه لا يَستحقُّ قتْلَه بحالٍ، وكذلكَ لو قذَفَه لم يُحَدَّ له، ولو قطَعَ يَدَه لم يُقتَصَّ منه.
ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، فأضافَ نفْسَه إليه كإضافةِ مالِه، وإطلاقُ هذهِ الإضافةِ يَنفي القَودَ كما يَنفي أنْ يُقادَ المَولَى بعَبدِه؛ لإطلاقِ إضافتِه إليه بلَفظٍ يَقتضِي المِلكَ في الظَّاهرِ، والأبُ وإنْ كانَ غيرَ مالكٍ لابنِه في الحَقيقةِ فإنَّ ذلكَ لا يُسقطُ استِدلالَنا بإطلاقِ الإضافةِ؛ لأنَّ القوَدَ يُسقطُه الشُّبهةُ، وصِحةُ هذهِ الإضافةِ شُبهةٌ في سُقوطِه، ويَدلُّ عليهِ أيضًا ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه»، وقالَ ﷺ: «إنَّ أولادَكُم مِنْ كَسبِكُم، فكُلُوا مِنْ كَسبِ أولادِكم»، فسَمَّى ولَدَه كَسبًا له كمَا أنَّ عبْدَه كَسبُه، فصارَ ذلكَ شُبهةً في سُقوطِ القِصاصِ به؛ لأنه يُدرأُ بالشُّبهاتِ، ولأنه سَببُ إيجادِه، فلا يَنبغي أنْ يَتسلطَ بسَببِه على إعدامِه.
ويُفارِقُ الأبُ سائرَ الناسِ؛ فإنهُم لو قَتَلوهُ بالحَذفِ بالسيفِ وجَبَ عليهِم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه.
والجَدُّ وإنْ عَلا كالأبِ في هذا، وسَواءٌ كانَ مِنْ قِبلِ الأبِ أو مِنْ قِبلِ الأمِّ في قَولِ أكثَرِ مُسقطِي القِصاصِ عن الأبِ؛ لأنه والِدٌ، فيَدخلُ في عُمومِ النصِّ، ولأنَّ ذلكَ حُكمٌ يَتعلقُ بالوِلادةِ، فاستَوى فيه القَريبُ والبَعيدُ كالمَحرميَّةِ والعتقِ إذا ملَكَه، والجَدُّ مِنْ قِبلِ الأبِ كالجَدِّ مِنْ قِبلِ الأمِّ؛ لأنَّ ابنَ البِنتِ يُسمَّى ابنًا، قالَ النبيُّ ﷺ في الحَسنِ: «إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ».
والأمُّ في ذلكَ كالأبِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنَّ اسمَ الوالِدِ والوَلدِ يَتناولُ كلَّ والِدٍ وإنْ عَلا وكلَّ وَلدٍ وإنْ سَفلَ.
ورُويَ عن أحمَدَ رحمة الله عليه ما يَدلُّ على أنه لا يَسقطُ عن الأمِّ؛ لأنه لا وِلايةَ لها عليهِ، فتُقتلُ به كالأخِ.
والصَّحيحُ الأولُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يُقتلُ والِدٌ بوَلدِه»، ولأنها أحَدُ الوالِدَينِ، فأشبَهَتِ الأبَ، ولأنها أَولى بالبِرِّ فكانَتْ أَولى بنَفي القِصاصِ عنها، والوِلايةُ غيرُ مُعتبرةٍ؛ بدَليلِ انتفاءِ القِصاصِ عن الأبِ بقَتلِ الكَبيرِ الذي لا وِلايةَ عليهِ، وعنِ الجَدِّ ولا ولايةَ له، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ أو الرقيقِ.
والجَدةُ وإنْ عَلَتْ في ذلكَ كالأمِّ، وسَواءٌ في ذلكَ مِنْ قِبلِ الأبِ أو مِنْ قِبلِ الأمِّ؛ لِما ذكَرْنا في الجَدِّ (١).
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ١٧٨، ١٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٥)، و «الهداية» (٤/ ١٦١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٠٧)، و «البيان» (١١/ ٣١٨، ٣٢٠)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٣٦)، و «المغني» (٨/ ٢٢٧)، و «الكافي» (٤/ ٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٣)، و «المبدع» (٨/ ٢٧٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٢٢)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣٧، ٣٨).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا ذبَحَ ولَدَه أو عَملَ به عَملًا لا يُشَكُّ في أنه عمَدَ إلى قَتلِه دونَ أدَبٍ فإنه يُقادُ به، وإنْ حذَفَه بسَيفٍ أو عَصًا لم يُقتلْ به، وكذلكَ الجَدُّ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ: «المُسلمُونَ تَتكافأُ دِماؤُهم» (١)، ولأنَّ القِصاصَ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ الآدميِّينَ؛ فجازَ أنْ يَثبتَ للابنِ على الأبِ، أصلُه سائرُ الحُقوقِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: هل يُقتلُ الأبُ بولَدِه مع عُمومِ آياتِ القِصاصِ؟
قالَ مالكٌ: يُقتلُ به إذا تَبيَّنَ قَصدُه إلى قَتلِه، بأنْ أضجَعَه وذبَحَه، فإنْ رَماهُ بالسِّلاحِ أدَبًا وحنَقًا لم يُقتلْ به، ويُقتلُ الأجنَبيُّ بمِثلِ هذا، وخالَفَه سائرُ الفُقهاءِ وقالوا: لا يُقتلُ به.
سَمعتُ شَيخَنا فخْرَ الإسلامِ أبا بَكرٍ الشاشيَّ يَقولُ: في النَّظرِ لا يُقتلُ الأبُ بابنِه؛ لأنَّ الأبَ كانَ سبَبَ وُجودِه، فكيفَ يكونُ هو سبَبَ عَدمِه؟
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥١، ٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٥، ٤٧٤٦)، وابن ماجه (٢٦٦٠)، وأحمد (٦٩٧٠).
(٢) «التمهيد» (٢٣/ ٤٣٧)، و «الاستذكار» (٨/ ١٣٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٨٦)، رقم (١٤٣١).
وهذا يَبطلُ بما إذا زنَى بابنتِه فإنه يُرجَمُ وكانَ سبَبَ وُجودِها وتَكونُ هي سبَبَ عدَمِه، ثمَّ أيُّ فِقهٍ تَحتَ هذا، ولِمَ لا يَكونُ سبَبَ عَدمِه إذا عصَى اللهَ تعالَى في ذلكَ.
وقد أُثِرَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا يُقادُ والِدٌ بوَلدِه»، وهو حَديثٌ باطلٌ، ومُتعلَّقُهم أنَّ عُمرَ رضي الله عنه قضَى بالدِّيةِ مُغلَّظةً في قاتلِ ابنِه، ولم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ عليهِ، فأخَذَ سائرُ الفُقهاءِ المُسألةَ مُسجَلةً وقالوا: لا يُقتلُ الوالِدُ بوَلدِه، وأخَذَها مالكٌ مُحكَمةً مُفصَّلةً فقالَ: إنه لو حذَفَه بسَيفٍ، وهذه حالةٌ مُحتمِلةٌ لقَصدِ القتلِ وغَيرِه، وشَفقةُ الأبوَّةِ شُبهةٌ مُنتصِبةٌ شاهِدةٌ بعَدمِ القَصدِ إلى القَتلِ تُسقِطُ القوَدَ، فإذا أضجَعَه كشَفَ الغِطاءَ عن قَصدِه، فالتَحقَ بأصلِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في الأبِ والابنِ، فقالَ مالِكٌ: لا يُقادُ الأبُ بالابنِ إلا أنْ يُضجِعَه فيَذبحَه، فأما إنْ حذَفَه بسَيفٍ أو عَصًا فقتَلَه لم يُقتلْ، وكذلكَ الجَدُّ عندَه مع حَفيدِه.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ: لا يُقادُ الوالِدُ بوَلدِه ولا الجَدُّ بحَفيدِه إذا قتَلَه بأيِّ وَجهٍ كانَ مِنْ أوجُهِ العَمدِ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ.
وعُمدَتُهم حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قالَ: «لا تُقامُ الحُدودُ في المَساجدِ، ولا يُقادُ بالوَلدِ الوالِدُ» (٢).
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٩٤، ٩٥).
(٢) رواه الدارمي في «سننه» (٢٣٥٧).
وعُمدةُ مالِكٍ عُمومُ القِصاصِ بينَ المُسلمينَ.
وسَببُ اختِلافِهم: ما رَوَوهُ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني مُدلِجٍ يُقالَ له قَتادةُ حذَفَ ابنًا له بالسيفِ فأصابَ ساقَهَ فنزَفَ جُرحُه فماتَ، فقَدِمَ سُراقةُ بنُ جُعشُمٍ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ فذكَرَ ذلكَ له، فقالَ له عُمرُ: اعدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عِشرينَ ومائةَ بَعيرٍ حتى أَقدمَ عليكَ، فلمَّا قَدِمَ عليهِ عُمرُ أخَذَ مِنْ تِلكَ الإبلِ ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربَعينَ خَلفةً، ثم قالَ: أينَ أخو المَقتولِ؟ فقالَ: ها أنا ذا، قالَ: خُذْها؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ليسَ لقاتِلٍ شَيءٌ»، فإنَّ مالِكًا حمَلَ هذا الحَديثَ على أنه لم يَكنْ عَمدًا مَحضًا، وأثبَتَ منه شِبهَ العَمدِ فيما بينَ الابنِ والأبِ.
وأما الجُمهورُ فحَمَلوهُ على ظاهِرِه مِنْ أنه عَمدٌ؛ لإجماعِهِم أنَّ مَنْ حذَفَ آخَرَ بسَيفٍ فقتَلَه فهو عَمدٌ.
وأما مالِكٌ فرَأى لِمَا للأبِ مِنْ التسلُّطِ على تَأديبِ ابنِه ومِن المَحبةِ له أنْ حمَلَ القتلَ الذي يَكونُ في أمثالِ هذهِ الأحوالِ على أنه ليسَ بعَمدٍ ولم يتَّهِمْه؛ إذ كانَ ليسَ بقَتلِ غِيلةٍ، فإنما يُحملُ فاعِلُه على أنه قصَدَ القتلَ مِنْ جِهةِ غَلبةِ الظنِّ وقُوةِ التهمةِ؛ إذ كانَت النيَّاتُ لا يطَّلعُ عليها إلا اللهُ تعالَى، فمالِكٌ لم يَتهِمِ الأبَ حيثُ اتهَمَ الأجنبيَّ؛ لقُوةِ المحبَّةِ التي بينَ الأبِ والابنِ.
والجُمهورُ إنما عَلَّلوا درْءَ الحدِّ عن الأبِ لمَكانِ حقِّه على الابنِ.
والذي يَجيءُ على أصولِ أهلِ الظاهِرِ أنْ يُقادَ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠٠، ٣٠١).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب تحريم القتل
قال المصنف رحمه لله تعالى
باب تحريم القتل
ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله عز وجل (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَوْ أَنَّ أهل السموات والارض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله عز وجل الا أن لا يشاء ذلك " (الشرح) قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها)
الاية.
في صحيح البخاري عن أبن جبير قال، اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) هي آخر ما نزل وما نسخها شئ، وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شبعة به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في الاية فقال ما نسخها شئ وقال ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم بن أبى الجعد قال " كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الخ آخر الاية، قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس " ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله.
تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله، وبيده الاخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ " وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاية فما نسخها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان.
وقد رواه
أحمد في مسنده.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.