الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > سقوط القصاص إذا عفا بعض أولياء القتيل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: ما جاءَ في رَجلٍ قتَلَ رَجلًا قتْلَ غِيلةٍ فصالَحَه وَليُّ المَقتولِ على مالٍ.
(قلتُ): أرَأيتَ إنْ قتَلَ رَجلٌ وليًّا لي قتْلَ غِيلةٍ فصالَحتُه على الديَةِ، أيَجوزُ هذا في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): لا، إنما ذلكَ إلى السلطانِ، ليسَ لكَ هاهُنا شَيءٌ، وتَردُّ ما أخَذْتَ منه، ويَحكمُ عليهِ السلطانُ بحُكمِ المُحارِبِ، فيَقتلُه السُّلطانِ بضربِ عُنقَه أو بصَلبِه إنْ أحَبَّ حيًّا فيَقتلُه مَصلوبًا، (قُلتُ): وهذا قولُ مالكٍ؟ (قالَ): أمَّا في القتلِ فكذلكَ قالَ لي مالكٌ وفي الصَّلبِ، وأما في الصُّلحِ فإنه لا يَجوزُ وهو رَأيِي؛ لأنَّ مالكًا قالَ: ليسَ لوُلاةِ الدمِ فيه قِيامٌ بالدمِ مثلَ العَمدِ، وإنما ذلكَ إلى الإمامِ يَرَى فيه رأيَه، يَقتلُه على ما يَرَى مِنْ أشنَعِ ذلكَ (١).
سُقوطُ القِصاصِ إذا عَفَا بعضُ أولياءِ القَتيلِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ يَستحقونَ القِصاصَ فعَفَى واحِدٌ منهُم سقَطَ القِصاصُ كلُّه وانتقلَ إلى الدِّيةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ القِصاصِ اجتماعُ جَميعِ الأولياءِ على طَلبِه.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ أنَّ أحَدَ الشَّريكينِ في الدمِ إذا عَفَا أنَّ للآخَرِ أنْ يَستوفِيَ المالَ (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٤٣٠).
(٢) «المبسوط» (٢٦/ ٦١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنَّ المَقتولَ عَمدًا إذا كانَ له بَنونَ بالِغونَ فعَفَا أحَدُهم أنَّ القِصاصَ قد بطَلَ ووجَبَتِ الديةُ.
واختَلفُوا في اختِلافِ البَناتِ مع البَنينَ في العَفوِ أو القِصاصِ، وكذلكَ الزَّوجةُ أو الزَّوجُ والأخواتُ؛ فقالَ مالِكٌ: ليسَ للبَناتِ ولا الأخواتِ قَولٌ مع البَنينَ والإخوَةِ في القِصاصِ أو ضَدِّه، ولا يُعتبَرُ قَولُهنَّ مع الرِّجالِ، وكذلكَ الأمرُ في الزَّوجةِ والزوجِ … وقَالَ أَبُو حنِيفة، وَالثَّوريُّ، وأَحمدُ وَالشَّافعيُّ كُلُّ وارِثٍ يُعتبَرُ قَولُهُ في إِسْقَاطِ القِصَاصِ وفِي إِسقَاطِ حَظِّهِ مِنَ الدِّيةِ، وفِي الأَخذِ بِهِ قَالَ الشَّافعِيُّ: الغَائِبُ مِنهُم وَالحَاضِرُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ سَوَاءٌ.
وَعُمدَةُ هَؤُلَاءِ اعتِبَارُهُمُ الدَّمَ بِالدِّيَةِ. وَعُمدَةُ الْفَرِيقِ الأَوَّلِ أَنَّ الوِلَايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ (١).
وقالَ: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخَّرَ القَتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصِّغارُ فيَكونُ لهم الخِيارُ، ولا سِيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجُبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ.
قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حياةَ جَدِّي رحمة الله عليه، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ وهو أنْ لا يُنتظرَ الصَّغيرِ، فأفتَى هوَ رحمة الله عليه بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠٢).
كانُوا عليهِ مِنْ شِدَّةِ التقليدِ، حتَّى اضطرَّ أنْ يضَعَ في ذلكَ قَولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدِي الناسِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه إذا عَفَى أحَدُ الأولياءِ مِنْ الرِّجالِ سقَطَ القِصاصُ وانتقلَ الأمرُ إلى الديَةِ.
واختَلفُوا فيما إذا عَفَتِ المَرأةُ مِنْ الأولياءِ، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: يَسقطُ القَودُ.
وأما مالِكٌ فقالَ عبدُ الوهابِ في «المَعونَة»: اختَلفتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ في النِّساءِ هل لهُنَّ مَدخلٌ في الدمِ أم لا؟ فعَنهُ فيه رِوايتانِ:
أحَدُهما: لهُنَّ فيه مَدخلٌ كالرِّجالِ إذا لم يَكنْ في دَرجتِهنَّ عَصبةٌ.
والأخرَى: أنه لا مَدخلَ لهُنَّ، وإذا قالَ: «لهُنَّ مَدخلٌ في ذلكَ» ففِي أيِّ شَيءٍ لهنَّ مَدخلٌ؟ فيهِ عنهُ رِوايتانِ: إحداهُما: في القَودِ دونَ العَفوِ، والثانيةُ: في العَفوِ دُونَ القودِ.
واتَّفقُوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ حُضورًا بالِغينَ وطالَبُوا لمْ يُؤخَّرِ القِصاصُ، إلا أنْ يَكونَ القاتلُ امرَأةً وتَكونَ حامِلًا يُؤخَّرُ القِصاصُ حتى تضَعَ.
واتَّفقوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ صِغارًا أو غُيِّبًا فإنه يُؤخرُ القِصاصُ، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ في الصِّغارِ: إنْ كانَ لهُم أبٌ استَوفَى القِصاصُ ولم يُؤخرْ.
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠١).
فإنْ كانَ فيهِم صِغارٌ أو غُيَّبٌ أو مَجنونٌ فقالُوا كلُّهم: أنَّ الغائِبَ يُؤخَّرُ القِصاصُ لأجْلِه حتى يَقدُمَ، ثم اختَلفُوا في الصَّغيرِ والمَجنونِ:
فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يُؤخرُ القِصاصُ لأجْلِهم.
وقالَ الشافِعيُّ: يُؤخرُ القِصاصُ حتى يفيقَ المَجنونُ ويَكبَرَ الصَّغيرُ.
وعن أحمَدَ رِوايتانِ: أظهَرُهما: أنه يُؤخَّرُ، والأخرَى: كمَذهبِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ يَستحقونَ القِصاصَ فمِن شَرطِ وُجوبِه اجتِماعُهم على طَلبِه، ولو عَفَى واحدٌ منهُم سقَطَ كلُّه، وإنْ كانَ بَعضُهم غائِبًا أو غيرَ مُكلَّفٍ لم يَكنْ لشُركائِه القصاصُ حتى يَقدمَ الغائبُ ويَختارَ القِصاصَ أو يُوكِّلَ، ويَبلغَ الصبيُّ ويفيقَ المَجنونُ ويَختاراهُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: القِصاصُ حقٌّ لجَميعِ الوَرثةِ مِنْ ذَوِي الأنسابِ والأسبابِ والرِّجالِ والنساءِ والصِّغارِ والكِبارِ، فمَن عَفَا منهُم صَحَّ عَفوُه وسقَطَ القِصاصُ ولم يَبْقَ لأحدٍ إليه سَبيلٌ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ والنَّخعيُّ والحَكمُ وحمَّادٌ والثوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ورُويَ معنَى ذلكَ عن عُمرَ وطاوسٍ والشعبيِّ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٢٤، ٢٢٦).
(٢) «المغني» (٨/ ٢١٤).
وقالَ الحَسنُ وقَتادةُ والزُّهريُّ وابنُ شُبرمةَ والليثُ والأوزاعيُّ: ليسَ للنِّساءِ عَفوٌ، والمَشهورُ عن مالِكٍ أنه مَوروثٌ للعصَباتِ خاصَّةً، وهو وَجهٌ لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه ثبَتَ لدَفعِ العارِ، فاختَصَّ به العَصباتُ كوِلايةِ النكاحِ، ولهُم وَجهٌ ثالِثٌ: أنه لذوِي الأنسابِ دونَ الزَّوجينِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فأهلُه بينَ خِيرتينِ: بينَ أنْ يَقتلُوا أو يَأخُذوا العَقلَ»، وأهلُه ذَوُو رَحِمِه.
وذهَبَ بعضُ أهلِ المَدينةِ إلى أنَّ القِصاصَ لا يَسقطُ بعَفوِ بعضِ الشُّركاءِ، وقيلَ: هو رِوايةٌ عن مالِكٍ؛ لأنَّ حَقَّ غيرِ العافي لا يَرضَى بإسقاطِه، وقد تُؤخذُ النفسُ ببَعضِ النفسِ؛ بدَليلِ قتلِ الجَماعةِ بالواحدِ.
ولنا: عُمومُ قولِه عليه السلام: «فأهلُه بينَ خِيرتَينِ»، وهذا عامٌّ في جَميعِ أهلِه، والمَرأةُ مِنْ أهلِه؛ بدَليلِ قولِ النبيِّ ﷺ: «مَنْ يعذُرنِي مِنْ رَجلٍ يَبلغنِي أذاهُ في أهلِي، وما عَلِمتُ على أهلِي إلا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجلًا ما عَلِمتُ عليهِ إلا خَيرًا، وما كانَ يَدخلُ على أهلِي إلا معِي»، يُريدُ عائِشةَ، وقالَ له أسامةُ: «يا رَسولَ اللهِ أهلُكَ، ولا نَعلمُ إلا خَيرًا».
ورَوى زَيدُ بنُ وَهبٍ «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ قتَلَ قَتيلًا فجاءَ وَرثةُ المَقتولِ ليَقتلوهُ، فقالَتِ امرَأةُ المَقتولِ وهيَ أختُ القاتِلِ: قد عَفوتُ عن حَقِّي، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ عُتِقَ القَتيلُ» رَواهُ أبو داودَ.
وفي رِوايةٍ عن زَيدٍ قالَ: «دخَلَ رَجلٌ على امرَأتِه فوجَدَ عِندَها رَجلًا فقتَلَها، فاستَعدَى إخوَتُها عُمرَ، فقالَ بَعضُ إخوتِها: قد تَصدَّقتُ، فقَضَى لسائرِهم بالدِّيةِ».
ورَوى قَتادةُ: «أنَّ عُمرَ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فجاءَ أولادُ المَقتولِ وقد عَفَا بَعضُهم، فقالَ عُمرُ لابنِ مَسعودٍ: ما تَقولُ؟ قالَ: إنه قد أُحرِزَ مِنْ القتلِ، فضرَبَ على كَتفِه وقالَ: كَنيفٌ مُلِئَ عِلمًا».
والدَّليلُ على أنَّ القِصاصَ لِجَميعِ الوَرثةِ ما ذكَرْناهُ في مَسألةِ القِصاصِ بيْنَ الصَّغيرِ والكَبيرِ، ولأنَّ مَنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرثَ القِصاصَ كالعَصبةِ، فإذَا عَفَا بعضُهُم صحَّ عفْوُه كعَفوِه عن سائِرِ حُقوقِه، وزَوالُ الزَّوجيةِ لا يَمنعُ استِحقاقَ القِصاصِ كما لم يَمنَعِ استحقاقَ الديَةِ وسائرِ حُقوقِه المَوروثةِ، ومتَى ثبَتَ أنه حَقٌّ مُشترَكٌ بينَ جَميعِهم سقَطَ بإسقاطِ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الإسقاطِ منهُم؛ لأنَّ حقَّه منه له، فيَنفذُ تَصرفُه فيه، فإذا سقَطَ سقَطَ جَميعُه؛ لأنه ممَّا لا يَتبعضُ كالطَّلاقِ والعِتاقِ، ولأنَّ القِصاصَ حقٌّ مُشترَكٌ بينَهُم لا يَتبعضُ، مَبناهُ على الدَّرءِ والإسقاطِ، فإذا أسقَطَ بعضُهم سَرَى إلى الباقي كالعِتقِ، والمَرأةُ أحدُ المُستحِقينَ، فسقَطَ بإسقاطِها كالرَّجلِ.
ومتَى عَفَا أحدُهم فللباقِينَ حقُّهم مِنْ الديَةِ، سَواءٌ عفَا مُطلَقًا أو إلى الدِّيةِ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا أعلَمُ لهُمَا مُخالِفًا ممَّنْ قالَ بسُقوطِ القِصاصِ؛ وذلكَ لأنَّ حقَّه مِنْ القِصاصِ سقَطَ بغيرِ رِضاهُ، فثبَتَ له البَدلُ كما لو ورثَ القاتِلُ بعضَ دَمِه أو ماتَ، ولِما ذكَرْناه مِنْ خبَرِ عُمرَ رضي الله عنه (١).
(١) «المغني» (٨/ ٢٧٨، ٢٧٩).
وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: مَنْ عَفَى مِنْ الوَرثةِ عن القِصاصِ سقَطَ؛ إذِ القَتلُ عِبارةٌ عن زُهوقِ الرُّوحِ بآلةٍ صالِحةٍ، وذلكَ لا يَتبعضُ، فإذا أسقَطَ بعضُ مُستحِقيهِ حقَّه منه سقَطَ؛ لتَعذُّرِ استيفائِه (١).
واستَدلَّ الفُقهاءُ على ذلكَ بما رَواهُ أبو داودَ وغيرُه عن عائِشةَ رضي الله عنها عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «على المُقتتِلِينَ أنْ يَنحَجِزوا الأوَّلَ فالأولَ وإنْ كانَتِ امرَأةً» (٢).
قالَ أبو دَاودَ: بلَغَني أنَّ عفْوَ النساءِ في القَتلِ جائزٌ إذا كانَتْ إحدَى الأولياءِ، وبلَغَني عن أبي عُبيدٍ في قَولِه: «يَنحَجِزوا» يَكفُّوا عن القَودِ (٣).
قالَ أبو عُبيدٍ: وهذا الانحِجازُ هو العَفوُ عن الدمِ، وفي هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على جَوازِ عَفوِ النساءِ عن الدمِ العَمدِ كما يجوزُ عفوُ الرجالِ عنه، كلُّ هذا مِنْ كَلامِ أبي عُبيدٍ (٤).
وبما رَواهُ عبدُ الرزاقِ عن مَعمرٍ عن قَتادةَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فجاءَ أولياءُ المَقتولِ وقد عَفَا أحَدُهم، فقالَ عُمرُ لابنِ مَسعودٍ وهو إلى جَنبِه: ما تَقولُ؟ فقالَ ابنُ مَسعودٍ: أقولُ إنه قد أُحرِزَ مِنْ القَتلِ، قالَ: فضرَبَ على كَتفِه ثمَّ قالَ: كُنيفٌ مُلِئَ عِلمًا» (٥).
(١) «شرح الزركشي» (٣/ ٢٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٥٣٨)، والنسائي (٤٧٨٨).
(٣) «سنن أبي داود» (٤/ ١٨٣).
(٤) «شرح مشكل الآثار» (١/ ٩٧).
(٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٨١٨٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص
وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه
يَكُنْ مُجَازَاةً بِالْمِثْلِ، وَقَوْلُهُ: " الْحَزُّ يَقَعُ تَتْمِيمًا لِلْقَطْعِ " فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَمِّمَ لِلشَّيْءِ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَالْحَزُّ قَتْلٌ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَطْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ تَمَامِهِ؟ وَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَا يُمَكَّنُ لِمَا قُلْنَا.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.