الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الأشربة > النوع الثاني: الأشربة المسكرة الأخرى
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةالنَّوعُ الثاني: الأشرِبةُ المُسكِرةُ الأُخرى:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الأشرِبةَ المُحرَّمةَ أربَعةُ أنواعٍ فقطْ، وما عَداها مُباحٌ، وهيَ:
الأولُ: الخَمرُ: وهو عَصيرُ العِنبِ النِّيءِ إذا غَلَى واشتَدَّ وقذَفَ بالزَّبَدِ مِنْ دونِ أنْ يُطبَخَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وقد تَقدَّمَ الكلامُ فيها.
والثاني: العَصيرُ -أي: عَصيرُ العِنبِ- إذا طُبخَ حتى ذهَبَ أقَلُّ مِنْ ثُلثَيه، ويُسمَّى الطِّلاءَ والباذقَ.
والثالثُ: السَّكَرُ: وهو نَقيعُ التَّمرِ النَّيءِ إذِ اشتَدَّ وغَلَى.
والرابعُ: ونَقيعُ الزَّبيبِ النَّيءِ إذا غَلَى واشتَدَّ وقذَفَ بالزبدِ على الاختِلافِ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ وبينَ أبي حَنيفةَ.
ونَبيذُ التَّمرِ والزَّبيبِ إذا طُبخَ كلُّ واحدٍ منهُما أدنَى طَبخٍ -أي: حتى يَنضجَ- فهو حَلالٌ وإنِ اشتَدَّ إذا شَربَ منه ما يَغلبُ على ظَنِّه أنه لا يُسكِرُه مِنْ غيرِ لَهوٍ ولا طَربٍ، وهذا إذا شَربَه للتَّقوِّي في الطاعةِ أو لِاستِمراءِ الطعامِ أو للتَّداوي، وإلا فهو حَرامٌ بالإجماعِ.
وكذلكَ عَصيرُ العِنبِ إذا طُبخَ فذهَبَ ثُلثاهُ حَلالٌ وإنِ اشتَدَّ إذا قصدَ به التَّقوِّي، وإنْ قصدَ التَّلهي فحَرامٌ.
وحُرمةُ هذهِ الأشربةِ دُونَ الخمرِ؛ لأنَّ حُرمةَ الخَمرِ قطعيَّةٌ وهذه اجتِهاديةٌ.
ولا يُحَدُّ شارِبُها حتى يَسكَرَ، ولا يكفرُ مُستحِلُّها.
ونَبيذُ العَسلِ-ويُسمَّى البِتعَ- والتِّينِ والحِنطةِ -ويُسمَّى المِزرَ- والشَّعيرِ والذُّرةِ حَلالٌ شَربهُ وإنْ لم يُطبخْ إذا شَربَه مِنْ غَيرِ لَهوٍ ولا طَربٍ، وإنما شَربَه للتَّقوِّي واستِمراءِ الطَّعامِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «الخَمرُ مِنْ هاتَينِ الشَّجَرتَينِ: النَّخلةِ والعِنَبةِ» (١)، والمُرادُ بَيانُ الحُكمِ، ولأنَّ قَليلَه لا يَدعو إلى كَثيرِه.
واختُلفَ هل يُحَدُّ إذا سَكِرَ منه أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنه يُحَدُّ إذا سَكِرَ منه، ويقعُ طلاقُه عندَه، وقيلَ: هو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ في بَعضِ البلادِ يَجتمعُ الفُسَّاقُ عليه اجتِماعَهم على الخَمرِ وفَوقَه.
وعندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ: إذا شَربَ نَبيذَ الحُبوبِ والحَلاواتِ بشَرطِه حَلالٌ، ولا يُحَدُّ السكرانُ منه، ولا يَقعُ طَلاقُه (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ كلَّ شَرابٍ أسكَرَ كَثيرُه فإنَّ قليلَه حَرامٌ، ويَجرِي عليهِ حُكمُ الخَمرِ في التحريمِ والنَّجاسةِ والحَدِّ، سَواءٌ كانَ نَيئًا أو مَطبوخًا، وهو قَولُ أكثرِ الصَّحابةِ.
(١) رواه مسلم (١٩٨٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١١٤، ١١٧)، و «الهداية» (٤/ ١١١)، و «الاختيار» (٤/ ١١٩، ١٢١)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٤٥، ٤٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٢٥، ٤٣٢)، و «اللباب» (٢/ ٣٣٩، ٣٤٢).
واستَدلُّوا على هذا بعِدَّةِ أدلَّةٍ، مِنها:
١ - قولُ النبيِّ ﷺ: «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (١).
٢ - وعنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وإنَّ في المَدينةِ يَومئذٍ لَخَمسةَ أَشرِبةٍ ما فيها شَرابُ العِنبِ» (٢).
٣ - وعنِ الشَّعبيِّ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: سَمعْتُ عُمرَ رضي الله عنه على مِنبَرِ النبيِّ ﷺ يقولُ: «أمَّا بعدُ: أيُّها الناسُ إنه نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وهيَ من خَمسةٍ: مِنْ العِنبِ والتَّمرِ والعَسلِ والحِنطةِ والشَّعيرِ، والخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ» (٣).
٤ - وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن البِتعِ فقالَ: «كلُّ شَرابٍ أسكَرَ فهو حَرامٌ» (٤). والبِتعُ نَبيذُ العَسلِ.
٥ - وعن أبي مُوسى رضي الله عنه قالَ: «بَعثَني النبيُّ ﷺ أنا ومُعاذَ بنَ جَبلٍ إلى اليَمنِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ شَرابًا يُصنَعُ بأرضِنا يُقالُ له المِزرُ مِنْ الشَّعيرِ، وشَرابٌ يُقالُ له: البِتعُ مِنْ العَسلِ؟ فقالَ: «كلُّ مُسكرٍ حَرامٌ» (٥).
(١) رواه مسلم (٢٠٠٣).
(٢) رواه البخاري (٤٣٤٠).
(٣) رواه البخاري (٤٣٤٣)، ومسلم (٣٠٣٢).
(٤) رواه البخاري (٥٢٦٣)، ومسلم (٢٠٠١)).
(٥) رواه مسلم (١٧٣٣).
٦ - وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ، ما أسكَرَ الفَرَقُ (١) مِنه فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ» (٢).
٧ - وعن مَرْثدِ بنِ عبدِ اللهِ اليَزنِيِّ عن دَيلمٍ الحِميَريِّ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّا بأَرضٍ بارِدةٍ نُعالِجُ بها عَملًا شَديدًا وإنَّا نتَّخِذُ شَرابًا مِنْ هذا القَمحِ نَتَقوَّى به على أعمالِنا وعلى بَردِ بِلادِنا، قالَ: هل يُسكِرُ؟ قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قالَ: ثُمَّ جِئتُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ فقلتُ له مِثلَ ذلك، فقالَ: هل يُسكِرُ: قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قلتُ: إنَّ الناسَ غَيرُ تارِكِيه، قالَ: فإنْ لم يَتركُوهُ فاقتُلوهُم» (٣).
وغيرُها الكَثيرُ مِنْ الأحاديثِ الثابتةِ الصَّحيحةِ التي تُبيِّنُ أنَّ كلَّ ما أسكَرَ كثيرُه فإنَّ قليلَه حَرامٌ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفي هذهِ الأحاديثِ التي ذكَرَها مُسلمٌ تَصريحٌ بتَحريمِ جَميعِ الأنبِذةِ المُسكِرةِ، وأنها كلَّها تُسمَّى خَمرًا، وسواءٌ في
(١) قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الفَرَقُ: أحَدُ مَكاييلِ العَربِ، وهو سِتةَ عشَرَ رَطلًا؛ لأنَّ لهم أربَعةَ مَكاييلَ: المُدُّ وهو رَطلٌ وثُلثٌ، والقِسطُ وهو ضِعفُ المُدِّ رَطلانِ وثُلثانِ، والصاعُ وهو ضِعفُ القِسطِ خَمسةُ أرطالٍ وثُلثٌ، والفَرقُ وهو ثَلاثةُ أضعافِ الصاعِ ستَةَ عشَرَ رَطلًا، فدَلَّ هذا على تَحريمِ القَليلِ والكَثيرِ. «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٩٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (٨٦٦)، وأحمد (٢٤٤٦٨)، وابن حبان (٥٣٨٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٨٣)، وأحمد (١٨٠٦٤) قالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وهذا لأنَّ المُفسِدَ كالصائِلِ، فإذا لم يَندفعِ الصائلُ إلا بالقَتلِ قُتلَ. «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٧).
ذلكَ الفَضِيخُ ونَبيذُ التَّمرِ والرُّطبِ والبُسْرُ والزبيبُ والشَّعيرُ والذُّرةُ والعَسلُ وغيرُها، وكلُّها مُحرَّمةٌ وتُسمَّى خَمرًا، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ مالكٌ وأحمَدُ والجَماهيرُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ.
وقالَ قَومٌ مِنْ أهلِ البَصرةِ: إنَّما يَحرمُ عَصيرُ العِنبُ ونَقيعُ الزَّبيبِ النَّيءِ، فأما المَطبوخُ منهُما والنَّيءُ والمَطبوخُ ممَّا سِواهُما فحَلالٌ ما لم يُشرَبْ ويُسكِرْ.
قالَ أبو حَنيفةَ: إنما يَحرمُ عَصيرُ ثَمراتِ النَّخلِ والعَنبِ، قالَ: فسُلافةُ العِنبِ يَحرمُ قَليلُها وكثيرُها، إلا أنْ يُطبخَ حتى يَنقصُ ثُلثاها، وأما نَقيعُ التَّمرِ والزَّبيبِ فقالَ: يَحِلُّ مَطبوخُهما وإنْ مَسَّتْه النارُ شَيئًا قَليلًا، مِنْ غيرِ اعتبارٍ لحَدٍّ كما اعتبَرَ في سُلافةِ العِنبِ، قالَ: والنَّيءُ منه حَرامٌ، قالَ: ولكنه لا يُحَدُّ شارِبُه، هذا كلُّه ما لم يُشرَبْ ويُسكِرْ، فإنْ أسكَرَ فهو حَرامٌ بإجماعِ المُسلمينَ.
واحتَجَّ الجُمهورُ بالقُرآنِ والسُّنةِ، أمَّا القُرآنُ: فهو أنَّ اللهَ تعالى نَبَّهَ على أنَّ عِلةَ تَحريمِ الخَمرِ كونُها تَصدُّ عن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، وهذه العِلةُ مَوجودةٌ في جَميعِ المُسكِراتِ، فوجَبَ طَردُ الحُكمِ في الجَميعِ.
فإنْ قيلَ: إنما يَحصلُ هذا المَعنَى في الإسكارِ، وذلكَ مُجمَعٌ على تَحريمِه.
قُلنا: قد أجمَعُوا على تَحريمِ عَصيرِ العِنبِ وإنْ لم يُسكرْ، وقد عَلَّلَ اللهُ سُبحانَه تَحريمَه كما سبَقَ، فإذا كانَ ما سِواهُ في مَعناهُ وجَبَ طَردُ الحُكمِ في الجَميعِ، ويَكونُ التَّحريمُ للجِنسِ المُسكِرِ، وعُلِّلَ بما يَحصلْ مِنْ الجِنسِ في العادةِ.
قالَ المازِنِيُّ: هذا الاستِدلالُ آكَدُ مِنْ كلِّ ما يُستدلُّ بهِ في هذه المَسألةِ، قالَ: ولنا في الاستدلالِ طَريقٌ آخَرُ، وهو أنْ يَقولَ: إذا شَربَ سُلافةَ العِنبِ عندَ اعتِصارِها وهي حُلوةٌ لم تُسكِرْ، فهي حَلالٌ بالإجماعِ، وإنِ اشتَدَّتْ وأسكَرَتْ حَرُمتْ بالإجماعِ، فإنْ تَخلَّلتْ مِنْ غيرِ تَخليلِ آدَميٍّ حَلَّتْ، فنظَرْنا إلى مُستبدَلِ هذه الأحكامِ وتَجدُّدِها عندَ تَجددِ الصِّفاتِ وتَبدُّلِها فأشعَرَنا ذلكَ بارتباطِ هذه الأحكامِ بهذهِ الصِّفةِ، وقامَ ذلكَ مَقامَ التَّصريحِ بذلكَ بالنطقِ، فوجَبَ جَعلُ الجَميعِ سَواءً في الحُكمِ، وأنَّ الإسكارَ هو عِلةُ التحريمِ، هذه إحدَى الطَّريقتَينِ في الاستدلالِ لمَذهبِ الجُمهورِ.
والثانيةُ: الأحادِيثُ الصَّحيحةُ الكَثيرةُ التي ذكَرَها مُسلمٌ وغيرُه، كقَولِه ﷺ: «كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ»، وقولِه: «نَهَى عن كُلِّ مُسكِرٍ»، وحَديثِ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ»، وحَديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما الذي ذكَرَه مُسلمٌ هنا في آخِرِ كِتابِ الأشرِبةِ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ»، وفي رِوايةٍ له: «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ خَمرٍ حَرامٌ»، وحَديثِ النهيِّ عن كلِّ مُسكرٍ أسكَرَ عن الصَّلاةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: كلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ قليلُه وكَثيرُه، وهو خَمرٌ حُكمُه حُكمُ عَصيرِ العِنبِ في تَحريمِه ووُجوبِ الحَدِّ على شاربِه، ورُويَ تَحريمُ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ وأنسٍ وعائشةَ رضي الله عنهم، وبه قالَ عطاءٌ
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٤٨، ١٤٩).
وطاوسٌ ومُجاهدٌ والقاسِمُ وقَتادةُ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وإسحاقُ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: ما عَدا الخمرَ مِنْ الأشرِبةِ المُسكِرةِ كعَصيرِ العِنبِ المَطبوخِ ونَبيذِ التمرِ والزَّبيبِ والذُّرةِ والشعيرِ وغيرِ ذلكَ .. فيَحرمُ قَليلُها وكَثيرُها ويَجبُ بشُربِها الحَدُّ، وبه قالَ عُمرُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وأبو هُريرةَ وسَعدُ ابنُ أبي وقَّاصٍ وابنُ مَسعودٍ وعائِشةُ رضي الله عنهم، ومِن الفُقهاءِ مالكٌ والأوزاعِيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: (الأشرِبةُ على أربعِ أضرُبٍ:
أحَدُها: الخَمرُ، وهو عَصيرُ العِنبِ إذا اشتَدَّ وقذَفَ زبَدَه، فيَحرمُ قليلُه وكَثيرُه ويَجبُ على شاربِه الحَدُّ، ولم يَشترطْ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ أنَّ يَقذفَ زبَدَه، وقالا: إذا اشتَدَّ وغلَى .. كانَ خَمرًا.
والثاني: المَطبوخُ مِنْ عَصيرِ العِنبِ، فإذا ذهَبَ أقلُّ مِنْ ثُلثَيهِ .. فهو حَرامٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا سَكِرَ، وإنْ ذهَبَ ثُلثاهُ .. فهو حَلالٌ، إلا ما أسكَرَ منهُ، وإنْ طبَخَه عِنبًا .. ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: أنه يَجري مَجرىَ عَصيرِه.
والمَشهورُ: أنه حَلالٌ وإنْ لم يَذهبْ ثُلثاهُ.
(١) «المغني» (٩/ ١٣٦)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٩، ٤٠)، و «التمهيد» (١/ ٢٤٨، ٢٥٦)، و «الاستذكار» (٨/ ٢٤، ٢٥)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٨٧، ٣٩٤).
الثالِثُ: نَقيعُ التَّمرِ والزبيبِ، فإنْ طُبخَ بالنارِ .. فهو مُباحٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا أسكرَ، فيَحرمُ القَدرُ الذي يُسكِرُ وفيه الحَدُّ، وإنْ لم تَمسَسْه النارُ .. فهو حَرامٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا أسكرَ.
الرابعُ: نَبيذُ الحِنطةِ والذُّرةِ والشعيرِ والأرزِ والعَسلِ ونحوِ ذلكَ .. فهو حَلالٌ، سَواءٌ كانَ نَيئًا أو مَطبوخًا، إلا أنه يَحرمُ المُسكِرُ منه، ولا حَدَّ على شاربِه سَكِرَ أو لم يَسكرْ).
دَليلُنا: ما رَوى النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنْ العِنبِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ التمرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ العَسلِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ البُرِّ خَمرًا، وإنَّ مِنْ الشعيرِ خَمرًا» (١).
ورَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «الخَمرُ مِنْ هاتَينِ الشَّجرتينِ: النَّخلَةِ والعِنَبةِ» (٢).
ورَوى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حَرامٌ» (٣).
ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها، والمُسكِرُ مِنْ كلِّ شَرابٍ» (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٧٦)، والترمذي (١٨٧٢)، وابن ماجه (٣٣٧٩).
(٢) رواه مسلم (١٩٨٥).
(٣) رواه مسلم (٢٠٠٣).
(٤) صَحيحٌ مَوقوفٌ على ابنِ عبَّاسٍ، رواه النسائي (٥٦٨٤).
ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما أسكَرَ كَثيرُه .. فقَليلُه حَرامٌ» (١).
ورَوتْ عائِشةُ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما أسكَرُ الفَرَقُ منهُ .. فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ» (٢)، و (الفَرْقُ) بسُكونِ الراءِ: مِكيالٌ يَسعُ مِائةً وعِشرينَ رَطلًا، وبنَصبِ الراءِ: يَسعُ سِتةَ عشَرَ رَطلًا، والخبَرُ رُويَ بنَصبِ الراءِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الخَمرَ ونبَّهَ على المعنَى الذي حرَّمَها لأجْلِه، وهو أنَّ الشَّيطانَ يُوقِعُ فيها العَداوةَ والبَغضاءَ ويَصدُّ بها عن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، وهذه المَعاني مَوجودةٌ في هذه الأشرِبةِ، فوجَبَ أنْ يكونَ حُكمُها حُكمُ الخَمرِ في التَّحريمِ والحَدِّ.
إذا ثبَتَ هذا: فاختَلفَ أصحابُنا في هذه الأشربةِ، هل يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؟
فمِنهُم مَنْ قالَ: يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؛ لقَولِه ﷺ: «إنَّ مِنْ التمرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ العَسلِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ الشَّعيرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ البُرِّ خَمرًا»، ورُويَ عن عُمرَ وأبي مُوسَى الأشعَريِّ رضي الله عنهما أنهُما قالا: «الخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ»، فعَلى هذا: يُحتَجُّ على تَحريمِ هذا الأشرِبةِ بالآيةِ.
وقالَ أكثَرُ أصحابِنا: لا يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؛ لقَولِه ﷺ: «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها، والمُسكِرُ مِنْ كلِّ شَرابٍ»، فلو كانَ اسمُ الخَمرِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، والنسائي (٥٦٠٧)، وابن ماجه (٣٣٩٣، ٣٣٩٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦)، وأحمد (٢٤٤٦٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٣٨٣).
يُطلَقُ على هذه المُسكِراتِ .. لاكتُفيَ بقولِه: «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها»، فعَلى هذا: لا يَدلُّ على تَحريمِ هذه الأشرِبةِ إلا السُّنةُ والقِياسُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: الذي يَستحِلُّ الشَّرابَ المُسكِرَ زاعِمًا أنه ليسَ خَمرًا مع عِلمِه أنَّ مَعناهُ معنَى الخَمرِ ومَقصودَه مَقصودُه وعمَلَه عَملُه أفسَدُ تأويلًا؛ فإنَّ الخَمرَ اسمٌ لكُلِّ شَرابٍ مُسكِرٍ كما دلَّتْ عليه النُّصوصُ الصَّحيحةُ الصريحةُ، وقد جاءَ هذا الحَديثُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ تعالَى عليهِ وآلِه وسلَّمَ مِنْ وُجوهٍ أُخرَى.
مِنها: ما رَواهُ النَّسائيُّ عنه ﷺ: «يَشربُ ناسٌ مِنْ أمَّتي الخَمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها»، وإسنادُه صَحيحٌ.
ومنها: ما رواه ابنُ ماجَه عن عُبادةَ بنِ الصامِتِ يَرفعُه: «يَشربُ ناسٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها»، ورَواهُ الإمامُ أحمَدُ ولَفظُه: «لَيَستحِلَّنَّ طائفةٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ».
ومنها: ما رواهُ ابنُ ماجَه أيضًا مِنْ حَديثِ أبي أُمامةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَذهبُ اللَّيالي والأيامُ حتى تَشربَ طائِفةٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها».
فهؤلاءِ إنما شَرِبوا الخَمرَ استِحلالًا لمَّا ظَنُّوا أنَّ المُحرَّمَ مُجردُ ما وقَعَ عليهِ اللفظُ، وأنَّ ذلكَ اللفظَ لا يَتناولُ ما استَحلُّوهُ (٢).
(١) «البيان» (١٢/ ٥١٩، ٥٢١).
(٢) «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٥١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في حد الشرب
لِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى أَحَدِهِمَا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ مِنْهُمَا يُرْجَمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ يُجْلَدُ، ثُمَّ إذَا ظَهَرَ إحْصَانُ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ يُرْجَمُ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَجَمَ مَاعِزًا وَكَانَ مُحْصَنًا» .
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمُحْصَنَ إذَا تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَانِعُ مِنْ الزِّنَا، فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ - صَارَ زِنَاهُ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَيُجَازَى بِمَا هُوَ غَايَةٌ فِي الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ ﷾ تَوَعَّدَ نِسَاءَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ إذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ؛ لِعِظَمِ جِنَايَتِهِنَّ؛ لِحُصُولِهَا مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ فِيهِنَّ؛ لِعِظَمِ نِعَمِ اللَّهِ ﷾ عَلَيْهِنَّ؛ لِنَيْلِهِنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُضَاجَعَتَهُ، فَكَانَتْ جِنَايَتُهُنَّ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَأُوعِدْنَ بِالْغَايَةِ مِنْ الْجَزَاءِ.
كَذَا هَهُنَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» .
ارجع إلى أنواع الأشربة للاطلاع على جميع المسائل.