عقوبة شارب الخمر

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الأشربة > عقوبة شارب الخمر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

عقوبة شارب الخمر - الأقوال والأدلة

عُقوبةُ شارِبِ الخَمرِ:

الخَمرُ مُحرَّمةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.

أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فأخبَرَ أنَّ فيهِما مَنفعةً وإثمًا، وأنَّ الإثمَ أكبَرُ مِنْ المَنفعةِ، وهذا يَدلُّ على التَّحريمِ.

وقولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)[المائدة: ٩٠ - ٩١]. وفي هاتَينِ الآيتَينِ سَبعةُ أدلَّةٍ:

أحَدُها: أنَّ اللهَ تعالَى قرَنَ بينَ الخَمرِ والمَيسرِ والأنصابِ والأزلامِ وقدَّمَه عَليها، وهذه الأشياءُ كلُّها مُحرَّمةٌ، فدَلَّ على تَحريمِ الخَمرِ.

والثَّاني: أنَّ اللهَ تعالى سَمَّاها رِجسًا، و «الرِّجسُ»: اسمٌ للشَّيءِ النَّجسِ، وكلُّ نَجسٍ حَرامٌ.

الثالِثُ: قَولُه تعالَى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وما كانَ مِنْ عَملِ الشَّيطانِ فهو مُحرَّمٌ.

الرابع: قَولُه تعالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، ولا يَأمرُ إلا باجتِنابِ مُحرَّمٍ.

الخامِسُ: قولُه تعالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)[المائدة: ٩٠]، وضِدُّ الفَلاحِ الفَسادُ.

السادِسُ: قولُه تعالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وما صَدَّ عن ذلكَ فهو مُحرَّمٌ.

السابعُ: قَولُه تَعالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)[المائدة: ٩١]، وهذا أبلَغُ كَلمةٍ في الزَّجرِ عن الشَّيءِ.

ويَدلُّ على تَحريمِه مِنْ الكِتابِ قولُه تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)[الأعراف: ٣٣]، و «الإثمُ»: هو الخَمرُ، قالَ الشاعرُ:

شَربْتُ الإثمَ حتَّى ضَلَّ عَقلِي كذاكَ الإثمُ يَذهبُ بالعُقولِ (١)

وأما السُّنةُ فمِنها الكَثيرُ، منها:

١ - قولُ النبيِّ : «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (٢).

٢ - وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ : «كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ، ما أسكَرَ الفَرَقُ منه فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ» (٣).

٣ - وعن مَرْثدِ بنِ عبدِ اللهِ اليَزنِيِّ عن دَيلمٍ الحِميَريِّ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ فقلتُ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّا بأَرضٍ بارِدةٍ نُعالِجُ بها عَملًا شَديدًا وإنَّا نتَّخِذُ شَرابًا مِنْ هذا القَمحِ نَتَقوَّى به على أعمالِنا وعلى بَردِ

(١) «البيان» (١٢/ ٥١٤، ٥١٥).
(٢) رواه مسلم (٢٠٠٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (٨٦٦)، وأحمد (٢٤٤٦٨)، وابن حبان (٥٣٨٣).

بِلادِنا، قالَ: هل يُسكِرُ؟ قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قالَ: ثُمَّ جِئتُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ فقلتُ له مِثلَ ذلك، فقالَ: هل يُسكِرُ: قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قلتُ: إنَّ الناسَ غَيرُ تارِكِيه، قالَ: فإنْ لم يَتركُوهُ فاقتُلوهُم» (١).

٤ - وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ في الدُّنيا ثمَّ لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخِرةِ» (٢).

٥ - وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما: قالَ رسولُ اللهِ : «لعَنَ اللهُ الخَمرَ وشارِبَها وساقِيَها وبائِعَها ومُبْتاعَها وعاصِرَها ومُعتصِرَها وحامِلَها والمَحمولةَ إليهِ وآكِلَ ثَمنِها» (٣).

٦ - وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «الخَمرُ أمُّ الخَبائثِ» (٤).

٧ - وعن أنسٍ رضي الله عنه: «كُنْتُ ساقِيَ القَومِ في مَنزلِ أبي طَلحةَ، وكانَ خَمرُهم يَومئذٍ الفَضِيخَ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ مُنادِيًا يُنادي: ألَا إنَّ الخَمرَ قد حُرِّمتْ، قالَ: فقالَ لي أبو طَلحةَ: اخرُجْ فأَهْرِقْها، فخَرجْتُ فهَرَقتُها فجَرَتْ في سِككِ المَدينةِ، فقالَ بعضُ القَومِ: قد قُتلَ قَومٌ وهي

(١) رواه أحمد (١٨٠٦٤) قالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وهذا لأنَّ المُفسِدَ كالصائِلِ، فإذا لم يَندفعِ الصائلُ إلا بالقَتلِ قُتلَ. «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٧).
(٢) رواه البخاري (٥٢٥٣)، ومسلم (٢٠٠٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، وأحمد (٤٧٨٧، ٥٧١٦).
(٤) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الدارقطني (٤٦١٣).

في بُطونِهِم، فأنزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآيَة» (١).

٨ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «مُدمِنُ الخَمرِ كعابِدِ وَثنٍ» (٢).

٩ - وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ شَربَ الخَمرَ لم يَقبَلِ اللهُ له صَلاةً أربَعينَ صَباحًا، فإنْ تابَ تابَ الله عليهِ، فإنْ عادَ لم يَقبَلِ اللهُ له صَلاةً أربَعينَ صَباحًا، فإنْ تابَ تابَ الله عليهِ، فإنْ عادَ لم يَقبَلِ اللهُ له صَلاةً أربَعينَ صَباحًا، فإنْ تابَ تابَ اللهُ عليهِ، فإنْ عادَ الرابِعةَ لم يَقبَلِ اللهُ له صَلاةً أربَعينَ صَباحًا، فإنْ تابَ لم يَتُبِ اللهُ عليهِ وسَقاهُ مِنْ نَهرِ الخَبَالِ، قيلَ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ وما نَهرُ الخَبالِ؟ قالَ: نَهرٌ مِنْ صَديدِ أهلِ النارِ» (٣).

وغَيرُها مِنْ الأحاديثِ الكَثيرةِ.

وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ مُجمِعةٌ على تَحريمِ الخَمرِ، ونقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ.

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على تَحريمِ الخَمرِ (٤).

(١) رواه البخاري (٢٣٣٢)، ومسلم (١٩٨٠).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٣٣٧٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٨٦٢)، وابن ماجه (٣٣٧٧)، وأحمد (٢١٥٤١).
(٤) «الإجماع» (٦٢٦).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: الإجماعُ على تَحريمِ الخَمرِ قَليلِها وكَثيرِها (١).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وفيهَا -أي: الآيةِ- تَحريمُ الخَمرِ المُجتمَعِ على تَحريمِها (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: ثبَتَ تَحريمُ الخَمرِ باتِّفاقٍ مِنْ الأئمَّةِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ الخَمرَ حَرامٌ، قَليلُها وكَثيرُها، وفيها الحَدُّ … وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ استَحلَّها حُكمَ بكُفرِه (٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ جُزَيٍّ الغَرناطيُّ رحمة الله عليه: الخَمرُ حَرامٌ قَليلُها وكَثيرُها إجماعًا، أعنِي: عَصيرَ العِنبِ إذا أسكَرَ، فإنْ لم يُسكِرْ فهو حَلالٌ إجماعًا، وأما سائرُ الأشرِبةِ المُسكِرةِ كالمُتخَذةِ مِنْ الزَّبيبِ والتمرِ والعسَلِ والقَمحِ والشعيرِ وغيرِ ذلكَ فهي كالخَمرِ عندَ الإمامَينِ وابنِ حَنبلٍ (٥).

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَتِ الصَّحابةُ ومَن بعدَهم مِنْ المُسلمينَ على تَحريمِها (٦).

(١) «المحلى» (٧/ ٤٧٨).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٢٩٠).
(٣) «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٤).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٢٩١، ٢٩٢).
(٥) «القوانين الفقهية» ص (١١٧).
(٦) «البيان» (١٢/ ٥١٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القذف
باب في شرب الخمر

بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ

ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟

فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.

وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.

هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 554 - 558

ارجع إلى أنواع الأشربة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر