الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الأشربة > مقدار حد شرب الخمر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةأحَدُهما: أنَّ فِعلَ المُختلَفِ فيه هاهُنا داعِيةٌ إلى فِعلِ ما أُجمِعَ على تَحريمِه، وفِعلُ سائرِ المُختلَفِ فيه يصرفُ عن جِنسِه مِنْ المُجمَعِ على تَحريمِه.
الثاني: أنَّ السُّنةَ عن النبيِّ ﷺ قد استَفاضَتْ بتَحريمِ هذا المُختلَفِ فيه، فلمْ يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذرٌ في اعتقادِ إباحتِه، بخِلاِف غيرِه مُن المُجتهَداتِ، قالَ أحمَدُ بنُ القاسمِ: سَمعْتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: في تَحريمِ المُسكِرِ عِشرونَ وجهًا عن النبيِّ ﷺ، في بَعضِها: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ»، وبعضِها: «كلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (١).
مِقدارُ حَدِّ شربِ الخَمرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في قَدرِ حَدِّ شُربِ الخَمرِ، هل هو أربَعونَ جَلدةً؟ أم ثَمانونَ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ حَدَّ شارِبِ الخَمرِ أربَعونَ جَلدةً، لا يَجوزُ أنْ ينقصَ منها، وما زادَ عليها إلى الثَّمانينَ تَعزيرٌ يَقِفُ على اجتِهادِ الإمامِ لا يَزيدُ عليها، ويَجوزُ أنْ ينقصَ منها؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن حُضينِ بنِ المُنذِرِ أبي ساسَانَ قالَ: «شَهِدتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوَليدِ قد صلَّى الصُّبحَ رَكعتَينِ ثمَّ قالَ: أَزيدُكُم، فشَهدَ عليه رَجلانِ أحَدُهما حُمرانُ أنه شَربَ الخَمرَ، وشَهدَ آخَرُ أنه رآهُ يَتَقيأُ، فقالَ عُثمانُ: إنه لم يَتَقيأْ حتى شَربَها، فقالَ: يا عَليُّ قُمْ فاجلِدْهُ، فقالَ عَليٌّ: قُمْ يا حَسنُ فاجلِدْهُ، فقالَ
(١) «المغني» (٩/ ١٣٦، ١٣٧).
الحَسنُ: وَلِّ حارَّها مَنْ تَولَّى قارَّها، فكأنهُ وجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جَعفرٍ قُمْ فاجلِدهُ، فجلَدَهُ وعَليٌّ يَعُدُّ حتى بلَغَ أربَعينَ، فقالَ: أَمسِكْ، ثمَّ قالَ: جلَدَ النبيُّ ﷺ أربَعينَ، وجلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وعُمرُ ثَمانينَ، وكلٌّ سُنةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ» (١).
وهذا حُجةٌ أنَّ النبيَّ ﷺ إنما جلَدَ أربَعينَ، وكذا أبو بَكرٍ وعليٌّ، وأما زِيادةُ عُمرَ رضي الله عنه فهي تَعزيراتٌ، والتَّعزيرُ إلى رأيِ الإمامِ إنْ شاءَ فعَلَه وإنْ شاءَ ترَكَه بحَسبِ المَصلحةِ في فِعلِه وتَركِه، فرآهُ عُمرُ ففعَلَه، ولم يَرَهُ النبيُّ ﷺ ولا أبو بَكرٍ ولا عليٌّ فتَركوهُ، وهكذا يَقولُ الشافِعيُّ رضي الله عنه أنَّ الزِّيادةَ إلى رأيِ الإمامِ، وأما الأربَعونَ فهي الحَدُّ المُقدَّرُ الذي لا بُدَّ منه، ولو كانَتِ الزيادةُ حَدًّا لم يَتركْها النبيُّ ﷺ ولا أبو بَكرٍ رضي الله عنه ولم يَتركْها عليٌّ رضي الله عنه بعدَ فِعلِ عُمرَ، ولهذا قالَ عليٌّ رضي الله عنه: «وكُلٌّ سُنةٌ» مَعناهُ: الاقتِصارُ على حَدِّ الخَمرِ سُنةٌ وضَمُّ التَّعزيرِ إليه سُنةٌ.
ومِن القِياسِ: أنه سَببٌ يُوجبٌ الحَدَّ، فوجَبَ أنْ يَختصَّ بعَددٍ لا يُشارِكُه غيرُه كالزِّنا والقَذفِ.
فإنْ قيلَ: فوجَبَ ألا يُقدَّرَ بأربَعينَ كالزنا والقَذفِ.
قيلَ: الحُدودُ مَوضوعةٌ على الاختلافِ في المِقدارِ؛ لاختِلافِها في الأسبابِ، فجازَ لنا اعتبارُ بعضِها ببَعضٍ في التفاضُلِ، ولم يَجُزِ اعتبارُ بعضِها
(١) رواه مسلم (١٧٠٧).
ببَعضٍ في التماثُلِ، ولأنَّ الحُدودَ تَترتبُ بحَسبِ اختلافِ الإجرامِ، فما كانَ جُرمُه أغلَظَ كانَ حَدُّه أكثَرَ، ولأنَّ الزنا لمَّا غَلُظَ جُرمُه للاشتِراكِ فيه غَلُظَ حَدُّه، والقَذفُ لمَّا اختَصَّ كانَ حَدُّه أكثَرِ بالتعدِّي إلى واحِدٍ كانَ أخَفَّ مِنْ الزِّنا، والخَمرُ لمَّا اختَصَّ بواحدٍ لم يَتعدَّ عنهُ وجَبَ أنْ يكونَ أخَفَّ مِنْ القَذفِ.
وهذا إذا كانَ حُرًّا، وإنْ كانَ عَبدًا فالواجِبُ عليه عِشرونَ جَلدةً؛ لأنه حَدٌّ يَتبعَّضُ، فكانَ على النِّصفِ مِنْ الحُرِّ كالجَلدِ في الزنى …
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ رَأى الإمامُ أنْ يَحُدَّ الحُرَّ أكثرَ مِنْ الأربَعينَ إلى الثمانينِ، وتَكونُ الزِّيادةُ على الأربَعينَ تَعزيرًا، أو يَحدَّ العبدَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ إلى أربَعينَ، وتَكونُ الزِّيادةُ على العِشرينَ تَعزيرًا .. جازَ؛ لِما رَوى أبو وَبرةَ الكَلبيُّ قالَ: «أرسَلَني خالِدُ بنُ الوليدِ إلى عُمرَ، فأَتيتُه ومعَه عثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وطَلحةُ والزُّبيرُ، فقلتُ: إنَّ خالِدًا يَقرأُ عَليكَ السَّلامَ ويقولُ: إنَّ الناسَ قد انهَمَكوا في الخَمرِ وتَحاقَروا العُقوبةَ فيه؟ فقالَ عُمرُ: فما تَرَونَ؟ فقالَ عليٌّ: إنه إذا شَربَ .. سَكِرَ، وإذا سَكرَ .. هذَى، وإذا هذَى .. افتَرى، فيُحَدُّ حَدَّ المُفتَري، فقالَ عُمرُ: أَبلِغْ صاحِبَكَ ما قالَ، فجلَدَ خالِدُ ثَمانينَ، وجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ، وكانَ عُمرُ رضي الله عنه إذا أُتِيَ بالرجلِ المُنهمِكِ بالشُّربِ .. جلَدَه ثَمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرجلِ الضعيفِ الذي كانَتْ منه الزلَّةُ .. جلَدَه أربَعينَ» (١).
(١) حَدِيثٌ ضَعَيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٨١٣١)، والدراقطني (٣٣٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٣١٧).
ويَدلُّ عليه قَولُ عليٍّ: «جلَدَ رَسولُ اللهِ ﷺ أربَعينَ، وأبو بَكرٍ أربعَينَ، وعُمرُ ثَمانينَ، وكِلاهُما سُنةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ»، ومعناهُ: الاقتِصارُ على حَدِّ الخَمرِ سُنةٌ وضَمُّ التَّعزيرِ إليه سُنةٌ.
فإنْ قيلَ: فالتَّعزيرُ لا يَبلغُ عندَكم أربَعينَ؟
قُلنا: لا يَجوزُ له أنْ يَبلغَ به الأربَعينَ على زلَّةٍ واحِدةٍ، فأمَّا إذا كانَتْ زَلَّاتٌ .. فلا يَمنعُ أنْ يُبلغَ به أربَعينَ، وهاهُنا منه زَلاتُ الهَذَيانِ والافتراءِ … (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ حَدَّ الحُرِّ إذا شَربَ الخَمرَ عالِمًا مُختارًا وكانَ مُسلمًا بالغًا ثَمانونَ جَلدةً، وإنْ كانَ عَبدًا فأربَعونَ؛ لأنهُ الذي استَقرَّ عليه إجماعُ الصَّحابةِ، وأنَّ فِعلَ النبيِّ ﷺ لم يَكنْ للتَّحديدِ، فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ «أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ جلَدَ في الخَمرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، ثمَّ جلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، فلمَّا كانَ عُمرُ ودَنَا الناسُ مِنْ الرِّيفِ والقُرَى قالَ: ما تَرَونَ في جَلدِ الخَمرِ؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أرَى أنْ تَجعلَها كأخَفِّ الحُدودِ ثَمانينَ، قالَ: فجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ» (٢)، وكانَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ فاتَّفقُوا عليه، فكانَ إجماعًا.
ولِما رَوى أبو وَبرةَ الكَلبيُّ قالَ: «أرسَلَني خالِدُ بنُ الوليدِ إلى عُمرَ، فأَتيتُه
(١) «البيان» (١٢/ ٥٢٤، ٥٢٤)، ويُنظَر: و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٤١٢، ٤١٣)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢١٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٩، ٢٣١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥١٠، ٥١١)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٨، ١٠١)، و «المغني» (٩/ ١٣٧)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٣٠)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠١).
(٢) رواه مسلم (١٧٠٦)، وأبو داود (٤٤٧٩)، والترمذي (١٤٤٣).
ومعَه عثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وطَلحةُ والزُّبيرُ، فقلتُ: إنَّ خالِدًا يَقرأُ عَليكَ السَّلامَ ويقولُ: إنَّ الناسَ قد انهَمَكوا في الخَمرِ وتَحاقَروا العُقوبةَ فيه؟ فقالَ عُمرُ: فما تَرَونَ؟ فقالَ عليٌّ: إنه إذا شَربَ .. سَكِرَ، وإذا سَكرَ .. هذَى، وإذا هذَى .. افتَرى، فيُحَدُّ حَدَّ المُفتَري، فقالَ عُمرُ: أَبلِغْ صاحِبَكَ ما قالَ، فجلَدَ خالِدُ ثَمانينَ، وجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ، وكانَ عُمرُ رضي الله عنه إذا أُتِيَ بالرجلِ المُنهمِكِ بالشُّربِ .. جلَدَه ثَمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرجلِ الضعيفِ الذي كانَتْ منه الزلَّةُ .. جلَدَه أربَعينَ» (١)، فثبَتَ بهذا كلِّه أنَّ التَّوقيفَ في حَدِّ الخَمرِ على ثَمانينَ إنما كانَ في زَمنِ عُمرَ وانعِقاد إجماعِ الصحابةِ على ذلكَ، فلا تَجوزُ مُخالَفتُهم؛ لأنَّ إجماعَهم مَعصومٌ، كما أجمَعوا على مُصحَفِ عُثمانَ ومَنَعوا ممَّا عَداهُ، فانعَقدَ الإجماعُ على ذلك ولَزمَتِ الحُجةُ به.
ومِن الاعتبارِ: أنه حَدٌّ يَجبُ على الحُرِّ، فلمْ يَتقدَّرْ بالأربعينَ كالقَذفِ، ولأنَّ حَدَّ القَذفِ أخَفُّ وحَدَّ الشُربِ أغلَظُ؛ لِما في النفوسِ مِنْ الداعِي إليه وغَلبةِ الشهوةِ عليهِ، فكانَ إنْ لم يُزَدْ عليه فأَولى أنْ لا يُنقَصَ عنه، ولأنَّ الزيادةَ على الأربَعينَ لو كانَتْ تَعزيرًا لم يَجُزْ أنْ تَبلغَ أربعينَ؛ لأنَّ التعزيرَ لا يَجوزُ أنْ يكونَ مُساوِيًا للحَدِّ (٢).
(١) حَدِيثٌ ضَعَيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٨١٣١)، والدراقطني (٣٣٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٣١٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١١٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٩٤، ٣٩٦)، و «الاستذكار» (٨/ ٩)، و «شرح السنة» (١٠/ ٣٣٣)، و «الذخيرة» (١٢/ ٢٠٤)، و «فتح الباري» (١٢/ ٧٢)، و «المغني» (٩/ ١٣٧)، و «الكافي» (٤/ ٢٣٣)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٣٠)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠١)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٢، ٣٢٣).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القذف
باب في شرب الخمر
بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ
ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟
فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.
هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود
وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أنواع الأشربة للاطلاع على جميع المسائل.