الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > الدية في الأنثيين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالدِّيةُ في الأُنثَيَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأُنثَيينِ الديةُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «وفي البَيضَتَينِ الدِّيةُ» (١).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ أنَّ في البَيضتينِ الدِّيةُ وفي كلِّ واحِدةٍ نصفُ الدِّيةِ.
واتَّفقُوا أنَّ في الأُنثيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ -بَقيَ الذكَرُ بعدَهُما أو لم يَبْقَ الذكَرُ- الديَةَ كاملةً (٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعوا أنَّ في الأُنثَيينِ الديةَ (٣).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما قولُه: «وفي الأُنثَيينِ الدِّيةُ» فرُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ، وهَؤلاءِ فُقهاءُ الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهُم مِنْ التابعِينَ ولا مِنْ غَيرِهم، كلُّهم يَقولونَ: في البَيضتينِ الدِّيةُ، وفي كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الديةِ.
وعلى هذا مَذهبُ أئمَّةِ الفتوَى بالأمصارِ، إلا سَعيدَ بنَ المُسيبِ فإنه رُويَ عنه مِنْ وُجوهٍ أنه قالَ: في البَيضةِ اليُسرَى ثُلثَا الدِّيةِ؛ لأنَّ الولدَ يكونُ مِنها، وفي اليُمنَى ثلثُ الدِّيةِ (٤).
(١) رواه النسائي (٤٨٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٢) «الإقناع» (٢/ ٢٩٥)، و «الإشراف» (٧/ ٣٤٥٩).
(٣) «الإجماع» (٧٦٠).
(٤) «الاستذكار» (٨/ ٨٥).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كُسرَ فتَقبَّضَ وأذهَبَ مَشيَه مِنْ المِسلمِ الحُرِّ خطَأً الديَةَ كاملةً، وأنَّ في الأنثَيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبتَا خَطأً مِنْ الحرِّ المُسلمِ وبَقيَ الذَّكرُ بعدَها أو لم يَبْقَ الديةَ كامِلةً (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الأُنثيينِ الديةُ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي البَيضتينِ الديةُ»، ولأنَّ فيهِما الجَمالَ والمَنفعةَ؛ فإنَّ النَسلَ يكونُ بهمَا، فكانَت فيهما الديةُ كاليَدينِ.
وروَى الزهريُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنه في الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي الأنثيينِ الدِّيةُ»، وفي إحداهُما نِصفُ الديةِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وحُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ في اليُسرَى ثُلثَي الديةِ وفي الثانيةِ ثُلثَها؛ لأنَّ نفْعَ اليُسرَى أكثَرُ؛ لأنَّ النَّسلَ يكونُ بها.
ولنا: إنَّ ما وجَبَتِ الديةُ في شَيئينِ منه وجَبَ في أحَدِهما نِصفُها كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهُما ذُو عَددٍ تَجبُ فيه الديةُ، فاستَوتْ دِيتُهما كالأصابعِ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالأصابعِ والأجفانِ تَستوِي دِياتُها مع اختِلافِ نَفعِها، ثم يحتاجُ إلى إثباتِ ذلكَ الذي ذكَرَه.
وإنْ رَضَّ أُنثَييهِ أو أشَلَّهما كَمُلتْ دِيتُهما كما لو أشَلَّ يَديهِ أو ذكَرَه، فإنْ قطَعَ أُنثييهِ فذهَبَ نَسلُه لم يَجبْ أكثرُ مِنْ ديةٍ؛ لأنَّ ذلكَ نَفعُهما،
(١) «مراتب الإجماع» ص (١٤٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.